بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

"قراءة تحليلية"

ما بعد السابع من أكتوبر.. المسافة صفر (الجزء الثاني)

ونحن نستعد لإنهاء كتابة هذه المقالة، جاءت جريمة الجيش الصهيوني باغتيال عدد من أبناء وأحفاد رئيس المكتب السياسي لحركة”حماس” إسماعيل هنية بقصفٍ جوي في غزة في أول أيام عيد الفطر. لتؤكد ما حاولنا الاشتباك معه بعد مرور أكثر من ستة أشهر على حرب الإبادة والتجويع التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة. وهو الرد على الأصوات التي تتعالى حول عبثية قرار المقاومة الفلسطينية يوم السابع من أكتوبر “طوفان الأقصى”، بمهاجمة الكيان الصهيوني دون الأخذ في الاعتبار الرد المتوقع من الاحتلال على هذا الهجوم. هذه الحرب التي خلفت حتى الآن نحو 33360 شهيدا و75993 مصابًا، فضلاً عن المفقودين تحت الأنقاض، وسط تفشي للمجاعة وتدمير كامل للبنية التحتية في القطاع المُحاصر.

ففي خضم المعركة العسكرية المُحتدمة، فإن صراعًا آخر لا ينفصل عن المعارك العسكرية يتصاعد الآن بين جبهتين، جبهة المقاومة وحاضنتها الشعبية الفلسطينية والاقليمية، وجبهة العدو الصهيوني وحلفاؤه من الأنظمة الحاكمة في المنطقة حول جدوى العملية العسكرية في السابع من أكتوبر ومآلاتها. وفي حين تستخدم حركة “حماس” ملف الأسرى الصهاينة كورقة ضغط على الجبهة الداخلية للعدو، فإن الوقائع المروعة لحرب الإبادة والتجويع على قطاع غزة تستخدمها الجبهة الأخرى لمحاولة عزل المقاومة وتأليب حاضنتها الشعبية في فلسطين على أثر القصف والتجويع. ويتم تصوير هذه الجرائم التي يرتكبها جيش الإحتلال من جانب السلطة الفلسطينية والأذرع الإعلامية للأنظمة العربية، لنقد عملية” طوفان الأقصى” كعمل عدمي لا يخدم إلا المصالح الضيقة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”.

تحاول أصوات النقد دس السُم في العسل، فإدانة جرائم الإحتلال تأتي في مقدمة هذا الطرح الذي يتجاوز الحد الفاصل بين نقد المقاومة كعمل عسكري يحتمل أحيانًا الصواب والخطأ، التوفيق أو سوء التقدير إلى القصد الرئيسي بنقد فكرة المقاومة بذاتها وما تمثله كتهديد حيوي لسلطة هذه القوى ووضعها الطبقي. لسنا هنا معنيين مباشرةً بأبواق السلطة ومنظريها ممن تتيح لهم القنوات التي تديرها أجهزة الدولة الأمنية التحدث بكل أريحية عن أيدلوجية الطبقة الحاكمة، في حين أن هناك أكثر من 170معتقلاً في مصر لمجرد تضامنهم مع فلسطين. ولكننا معنيين بالرد تعزيزًا لجبتهنا الداخلية الداعمة للمقاومة حتى لا ينتهي بنا الحال تأثرًا بفظاعات الحرب إلى الوصول لحافة اليأس الذي يخدم تكريس صورة الإحتلال الصهيوني على الأرض وفي العقول كقوة لا تُقهر، كما يريد العدو وحلفاؤه على الجبهة المضادة، لأن جزءاً من معركة المقاومة لا ينفصل عن عزيمتها وإيمانها بالنصر.

“نستخلص العبر” تتردد هذه الجملة كثيرًا على لسان المتحدثين باسم جيش الإحتلال وحكومته علانيةُ خلال التعليق على سير المعارك العسكرية، مُعبرةً عن حجم الخسائر التى يتكبدها جيش العدو، أو عند الحديث عن التحقيقات الداخلية لجيش الإحتلال عما حدث يوم السابع من أكتوبر. نحن “نستخلص العبر”، على وقع الحرب الإعلامية المتطورة التي تديرها المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس بتصوير بعض عملياتها العسكرية مما يضطر العدو إلى الإعتراف جزئيا بحجم خسائره. وبينما يحاول أبواق النظام المصري تسفيه عمليات المقاومة، واستنكار جدوى ذلك، إذا ما كان الثمن يقابله آلاف الشهداء والمصابين الفلسطينيين، ومع التقليل المتعمد من جدوى عمليات المقاومة الذي تتبناه أيضًا السلطة الفلسطينية، نجد أن التحليل العسكري المتخصص قد يكون فاصلاً لدحض ما يحاول أعداء المقاومة أن يروجوا له.

في تحليل عسكري يُقدم النصائح لإسرائيل، نشرته مجلة “فورين بوليسي”، كتبه كل من فارشا كودوفايور، أحد كبار المحللين في “مركز الحرب غير النظامية”، وبيتر تشين، مستشار المركز، ونشره موقع “الخليج الجديد”، ووقفًا لهذا التحليل فإن هجوم حماس الناجح والمتطور عسكريًا يوم السابع من أكتوبر يأتي من خلال دمج التكتيكات غير النظامية بشكل فريد لتحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة. فمن خلال إطلاق نحو 2200 صاروخ على الأراضي المحتلة في صبيحة هذا اليوم، تمكنت “حماس” من التغلب على نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي “القبة الحديدية” وتحييده، وتحت غطاء الهجوم الصاروخي، قامت الجرافات باختراق الحدود التي عمل الإحتلال على تأمينها وتطويرها لسنوات، مما سمح لمئات المقاومين بعبور الجدار الفاصل، ومن ثَم مهاجمة قواعد جيش الإحتلال والإنتشار في المستوطنات، وتحت وقع تأثير صدمة ورعب المفاجأة، تمكنوا من أسر عشرات المستوطنين والجنود الإسرائيليين وجلبوهم إلى غزة.

يستعرض التحليل العسكري ما قد يلعبه التكتيك الذي اتبعته حماس من تغيير ملموس في موازين القوى مستقبلاً، وما فرضه واقع ما بعد السابع من أكتوبر من معضلة عدم فاعلية الأدوات العسكرية التقنية إذا ما تم التغلب عليها بواسطة أدوات تقليدية. فحماس التي استخدمت الجرافات والدراجات النارية والطائرات الشراعية والصواريخ البدائية تغلبت على تكنولوجيا الاستشعار والكاميرات والجدار الفاصل. وهو ما يشير إليه المحللين العسكريين بأنه سيُعلم الخصوم في النهاية كيفية التغلب على قدرات هدفهم، أو على الأقل تحييده لفترة كافية لتحقيق ميزة استراتيجية.

بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب لم ينجح الإحتلال في تحقيق أيًا من أهدافه المُعلنة في الحرب. فهو لم يستعد جزءاً من أسراه إلا من خلال الهدنة التي تم التوصل إليها في نوفمبر 2023، أو بإستعادتهم بعد أن قتلهم بنيرانه، مما ساهم في تعميق انهيار جبهته الداخلية. فهو لم ينجح في تفكيك حماس أو أيًا من فصائل المقاومة، وهو العدو الذي هزم الجيوش العربية النظامية عام 1967 في ستة أيام. بعد عبور السابع من أكتوبر تعرضت القوة العسكرية لكيان الإحتلال لهزةٍ عميقة لن يكون من السهل ترميمها أو إحتواء آثارها متعددة الأبعاد، فإسرائيل التي كانت قبل أشهر معدودة تروج لمبيعاتها العسكرية بتفوقها النوعي في حصار قطاع غزة كمختبر لأسلحتها، باتت اليوم تستخلص العبر من بضع مئات من المقاومين وبفضل صمود الشعب الفلسطيني الذي كثيرًا ما حاولت الأنظمة الحاكمة العربية التعمية على التضامن مع قضيته بالترويج أن الفلسطينيون هم من باعوا أرضهم.

وفي ظل هذا الوضع الصعب الذي تشهده بالفعل غزة اليوم، لابد من فهم استراتيجية هذا العدو المهزوم عسكريًا، وكيف يحاول أن يتغلب على هذا الفشل. الرجوع إلى التحليل العسكري لمركز الحرب غير النظامية مرة أخرى، نجده يقدم الدروس المستخلصة لهجوم يوم السابع من أكتوبر، بأن على كيان الإحتلال أن يطور خيارات غير عسكرية يحافظ عليها بصورة استباقية للرد على سيناريوهات محتملة للحرب غير النظامية، وأن يستخدم تكتيكات إقتصادية ومايشكله ذلك من أهمية حيوية لتقويض الأسس الإقتصادية لحماس، هذه التكتيكات التي لا تقارن بالوسائل العسكرية المباشرة ضد حماس والتي قد يأمل منها تحقيق أهداف ضرورية قصيرة المدى.
لا ننكر بالطبع هول ما نشاهده على الهواء مباشرةً، من مشاهد مروعة للإبادة بشتى أنواع الأسلحة وبالتجويع، ولكن هذه الفظائع تذكرنا أيضُا بحتمية تحرير فلسطين من هذا الإحتلال ومقاومة داعميه من القوى الإمبريالية وعملائها المحليين. هذا القوى التى تقف اليوم لتشاهد من يموتون جوعًا، ليس بسبب نقصٍ في الغذاء أو عدم توفره، ولكن من أجل ضمان أمن كلب حراسة مصالحها في المنطقة. هذا الإحتلال الذي يستهدف ضرب الحاضنة الشعبية الفلسطينية للمقاومة باستخدام سلاح التجويع كأحد أدوات المعركة. فعزل المقاومة عن حاضنتها الشعبية تعني ضرب صميم قوتها وصمودها، وهو ما يحاول الاحتلال فعله عبر شركاؤه الإقليمين. ما يجب علينا فعله الآن هو تجذير مقاومة الاحتلال حتى دحره، وتعزيز جبهة المقاومة فلسطينيًا وإقليميًا وعالميًا.. وهذا ماسنتناوله في الجزء الثالث من هذه القراءة التحليلية.