بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل تدق غزة المسمار الأخير في نعش الاحتلال والأنظمة المتواطئة؟

لهم الحداد ولأهل غزة والمقاومة الأعياد، أما نحن فلنا مالنا وعلينا ما علينا، لكن ماذا بعد أكثر من 6 شهور من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نتج عنها قتل جنود الاحتلال لأكثر من 32 ألف شهيد وأكثر من 75 ألف مصاب وآخرهم إعدامهم لـ200 فلسطيني من النازحين الموجودين داخل مجمع الشفاء الطبي، واعتقالهم لنحو ألف أخرين؟ وماذا بعد أن أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير جديدة تأمر إسرائيل باتخاذ الإجراءات اللازمة للتعاون مع الأمم المتحدة بلا تأخير، وضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية بشكل عاجل دون عوائق، وزيادة قدرة وعدد نقاط العبور البرية إلى قطاع غزة وإبقائها مفتوحة لأطول مدة ضرورية؟ فلا أحد يعلم.

المؤسسات الدولية التي تحاول أن تضغط لتجميل وجه حكوماتها القبيح بتقديم الغذاء لوقف المجاعة في غزة دون وقف لإطلاق النار لم تستطع حتى أن تفعل ذلك. قالت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الرسمية للأمم المتحدة عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بشكل غير قانوني في عام 1967: “تقييمي هو أن القوات الإسرائيلية قتلت عمدًا 6 من عمال الإغاثة والمطبخ العالمي حتى يستمر المدنيون في غزة في المعاناة والتضور جوعًا بهدوء”. وأضافت: “إسرائيل تعلم أن الدول الغربية ومعظم الدول العربية لن تحرك ساكنًا لصالح الفلسطينيين”. إن الكثير من المساعدات لمنع تفاقم المجاعة قد توقفت الآن. وذكرت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية أن السفن التي تحمل أكثر من 200 طن من المساعدات التي لم تُسلَّم كانت عائدةً من غزة بعد عمليات القتل التي حدثت لعمال الإغاثة والمطبخ العالمي.

إن سلسلة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الكيان الصهيوني في غزة واضحة لأي شخص يمكنه التصفُّح عبر الهاتف الذكي. وتعج وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو للمستشفيات والمدارس التي تُقصَف، والآباء الذيم ينتشلون جثث أطفالهم من تحت المباني المدمرة، والأمهات اللاتي يبكين على جثث أطفالهن الرضع. ومع ذلك، فإن رد فعل الحكومات الغربية -ولا أريد أن أقول العربية لمواقفها المتواطئة- إلى جانب الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه كان يتلخص في وصف أي انتقاد لإسرائيل وأي تعبيرٍ عن التضامن مع الشعب الفلسطيني بأنه معاداةٌ للسامية.

وبغض النظر عن رد الفعل المخزي للحكومات العربية والعالمية، فإن الآلاف الذين شاركوا في التظاهرات التي شهدتها العاصمة عمان وجوهانسبرج الجنوب إفريقية وبرلين ولندن وباريس وكوبنهاجن الدنماركية وميلانو الإيطالية وهلسنبوري السويدية وزيورخ السويسرية، وكذلك حبس 177 من الشباب المصري الذي تظاهر دعمًا للشعب الفلسطيني وللتعبير عن اشمئزازهم من الفظائع الإسرائيلية والتواطؤ العربي والغربي، والتي تصادفت مع يوم الأرض الذي أحياه الفلسطينيون في ظل الهجمات الإسرائيلية، كل ذلك منح الأمل بأن المقاومة مستمرة.

جرائم الاحتلال
في ظل هذا الدعم الشعبي غير المسبوق، يشهد الكيان المحتل عزلةً سياسية، وخصوصًا بعد دعوة مجلس الأمن الدولي إلى وقف إطلاق النار في غزة. ورغم أن هذا القرار جاء متأخرًا، يشير القرار نفسه إلى أن الاحتلال الصهيوني لا يزال قائمًا.
ومع استمرار المعارك في قطاع غزة، كشف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تدمير الاحتلال الصهيوني منذ 7 أكتوبر لـ79 ألف وحدة سكنية، إضافةً إلى تدمير أكثر من 290 ألف وحدة سكنية بشكل جزئي، تشكل في مجموعها نحو 70% من الوحدات السكنية في القطاع. وقالت وزارة الصحة في قطاع غزة إن قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكبت، في يوم 9 أبريل وحده، 6 مجازر في القطاع، راح ضحيتها 62 شهيدًا و91 مصابًا، وارتفع بذلك عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ بداية الحرب على غزة إلى 32 ألفا و552 شهيدًا، بينما بلغ عدد المصابين 74 ألفًا و980.

من ناحيةٍ أخرى، قال مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبريسوس، الخميس الماضي، إن 10 مستشفيات من أصل 36 تعمل بشكل جزئي في غزة والنظام الصحي لا يكاد يصمد. وطالب بوقف فوري للهجمات الإسرائيلية على المستشفيات بغزة، وإلى حماية الطواقم والمرضى والمدنيين، وحذر غيبريسوس من مغبة انهيار النظام الصحي في القطاع المُحاصَر. وقالت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن “المشاهد التي بثتها الجزيرة لقتل مدنيين بدم بارد دليل إضافي على حجم الفاشية والإجرام في السلوك الصهيوني”.

وكانت فرانشيسكا ألبانيز المحامية الدولية الإيطالية والمقررة الخاصة للأمم المتحدة للشئون الفلسطينية، تتحدث في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، حيث قدمت تقريرها الأخير بعنوان “تشريح الإبادة الجماعية”، وقالت: “بعد ما يقرب من ستة أشهر من الهجوم الإسرائيلي المتواصل على غزة المحتلة، من واجبي الرسمي أن أقدم تقريرًا عن أسوأ ما تستطيع الإنسانية أن تفعله، وأن أقدم النتائج التي توصلت إليها”. وأكملت أن “هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن الحد الأدنى الذي يشير إلى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية … قد تم استيفاءه”، وأن “على مدار أكثر من 76 عامًا، قامت هذه العملية باضطهاد الفلسطينيين كشعب بكل الطرق التي يمكن تصورها، وسحقت حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير ديموغرافيًا واقتصاديًا وإقليميًا وثقافيًا وسياسيًا”. وأضافت ألبانيز: “إن إنكار الواقع واستمرار إفلات إسرائيل من العقاب واستثنائيتها لم يعد قابلًا للتطبيق، خاصةً في ضوء القرار الملزم الذي اتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الاثنين، والذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة”. ولكن رغم تقرير ألبنانيز ووضوحه، والقرار الملزم من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في غزة إلا أن لو كانت المحكمة الجنائية الدولية تؤدي وظيفتها بفعالية، لكان قادة الصهاينة قد خضعوا للمحاكمة، ولما كانت جنوب إفريقيا لتحتاج إلى التوجه إلى محكمة العدل الدولية في سابقة تاريخية لإدانتها.

تضامن شعبي غير مسبوق
على مدار عقود، واجه الشعب الفلسطيني الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والاحتلال الذي فُرِضَ من خلال أنظمة قانونية عنصرية وتمييزية، والتهجير القسري، والحصار والقيود على الحركة، والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان ولكن اليد الواحدة مهما كان صفعها قويًا للكيان تحتاج لأيادٍ معها لتجعل من هذا الصفع بداية النهاية للاحتلال. لهذا السبب يجب أن نعول بشكل رئيسي على نضالات الشعوب في العالم أجمع لتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني على المدى الطويل. فثلاثة ملايين شخص في بريطانيا انضموا في مراحل مختلفة خلال الأشهر الستة الماضية إلى مظاهرة محلية أو وطنية من أجل فلسطين. إنها أكبر حركة اجتماعية منذ 20 عامًا على الأقل، ظهرت ولم تختفِ. وبدلًا من ذلك، يشعر العديد من المشاركين بمزيدٍ من التصميم والغضب تجاه إسرائيل وداعميها. مظاهرات الأمريكيين اليهود أيضا تجتاح الولايات المتحدة لتطالب بوقفٍ فوري لإطلاق النار في غزة. مظاهرات في ثماني مدن أمريكية أعاقت حركة المرور في ساعة الذروة في بوسطن وفيلادلفيا وواشنطن العاصمة وأتلانتا وشيكاغو ومينيا بوليس وسياتل وبورتلاند بولاية أوريغون.

وفقًا لاستطلاع الإيكونيميست/يوجوف، فإن ما يقرب من نصف الشباب الأميركي الذين شملهم الاستطلاع والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، يقول 49% منهم إن إسرائيل ارتكبت إبادةً جماعية، بينما 24% لا يوافقون على ذلك، و27% غير متأكدين. ووفقًا لاستطلاع قامت به مؤسسة هارفرد هاريس، يقول 51% من الشباب الأمريكي إن على إسرائيل أن تنتهي وتُسلَّم الى الفلسطينيين. تللك النتائج يعود سببها إلى أن كبار السن يتلقون أخبارهم من القنوات الإخبارية التلفزيونية المنحازة بالكامل للكيان، أما الشباب فهم أكثر بحثًا عن مصادر مستقلة للأخبار من قنوات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) وتيك توك وغيرها. ورأت صحيفة لوموند الفرنسية، في تقرير بيوتر سمولار مراسلها في واشنطن، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحمل مسئوليةً ثقيلة عن الأزمة التي تعصف بدولة الاحتلال التي يرأسها أمنيًا وأخلاقيًا، بعد أن هاجم القوى المعتدلة وتحالف مع ممثلي التفوق اليهودي العنيف، في وقتٍ يجسد فيه صعود القبلية الدينية القومية تفتُّت المجتمع الإسرائيلي.

إن الرغبة في “تدمير حماس” التي تغطي كل شيء بالنسبة للكيان الصهيوني، تقابلها بالنسبة للعالم أجمع اليوم الرغبة في وضع حد للمذبحة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. قال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في مؤتمر صحفي في طهران، إن “الكيان يعاني من عزلةٍ سياسية غير مسبوقة”. وأضاف أن الكيان “يفقد الغطاء السياسي والحماية حتى في مجلس الأمن”، وأن “الولايات المتحدة غير قادرة على فرض إرادتها على المجتمع الدولي”. وقال هنية إن “الكيان الصهيوني لم ينجح في تحقيق أيٍّ من أهدافه العسكرية أو الإستراتيجية” بعد ستة أشهر من العدوان.

ما العمل الآن وبعد حرب غزة؟
الخطوة التالية هو تحويل كل مكان عمل ونقابة ومدرسة وجامعة إلى مراكز للمقاومة، تفضح الكيان والحكومات المتواطئة لوقف المذبحة وطرد سفراء الكيان في دول الجوار والتوقف عن التعامل معه، والسعي إلى مزيد من ضغط الشعوب الحرة على حكوماتها من أجل وقف تسليح الكيان والتوقف عن دعم المذبحة في غزة بالمسيرات الحاشدة والاحتجاجات وكذلك دعم الطبقات العاملة بمواجهاتها لشركات التسلح ورعاتها، وخصوصًا في بريطانيا وأمريكا لوقف نقلها إلى الاحتلال. نقلت الأخبار اليهودية الأمريكية، المؤيدة للكيان الصهيوني، تصريح الجنرال الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك عن الأهمية الحاسمة للأسلحة الأمريكية، إذ قال: “كل صواريخنا، والذخائر، والقنابل الموجهة بدقة، وجميع الطائرات والقنابل، كلها من الولايات المتحدة”. واستطرد: “في اللحظة التي يغلقون فيها الصنبور، لا يمكنك الاستمرار في القتال. ليس لديك القدرة. ويدرك الجميع أننا لا نستطيع خوض هذه الحرب بدون الولايات المتحدة”.

تلعب المقاومة الفلسطينية دورًا حاسمًا في تحدي الأفكار السائدة، وتفتح نافذةً للوعي على ضرورة قيام نظام بديل أكثر إنسانيةً وعدالةً لشعوبنا، والثورات العربية التي قامت سابقا كان لها هذا الدور، والحركة التي تمارس ضغوطًا هائلة على القادة في الغرب تلعب دورًا حقيقيًا أيضًا في تغيير المشهد. نحن بحاجة إلى مواصلة التنظيم والتحريض والتعليم حول فلسطين وربط قضية الإمبريالية هذه بجميع القضايا الطبقية الأخرى. وكان من الجيد أن نرى نشطاء المناخ يسيرون مع الاحتجاجات الفلسطينية في المدن الأوروبية والأمريكية، فهذا معناه أن المواطن أصبح يربط بين ما تفعله الرأسمالية للمناخ وما تقوم به من جرائم في غزة.

إن إنشاء نظام عالمي يضمن العدالة والحقوق المتساوية للجميع لن يكون بالمهمة السهلة. وسوف يتطلب الأمر بذل جهود متواصلة من جانب المواطنين العالميين، من خلال الضغط من أجل التغيير على الحكومات والمنظمات الدولية. ومع ذلك، فهذه هي الطريقة الوحيدة لضمان أن تصبح عبارة “لن يتكرر الأمر أبدًا” حقيقة واقعة بوجود المقاومة وأهلها في الداخل ودعم الشعوب الحرة في الخارج.