بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

صواريخ إيران تكشف مسرحيات الأنظمة العربية

قضى الصهاينة ليلة السبت قبل الماضي في الملاجيء، بعدما أمطرتهم إيران بمئات الصواريخ والمسيرات، مستهدفة عدة مواقع، ردًا على اغتيال العميد محمد رضا زاهدي، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، في غارة صهيونية استهدفت مبنى القنصلية الإيرانية في ريف العاصمة السورية دمشق، مطلع الشهر الحالي، وتوعدت إيران حينها بالرد لمعاقبة الاحتلال الصهيوني.
لم يُشكل الهجوم الإيراني على الكيان الصهيوني مفاجأة، فقبل الهجوم بيومٍ واحد، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن أن هجومًا إيرانيًا على الكيان الصهيوني سيكون عاجلاً أو آجلاً ، محذرًا إيران “لا تفعلي”.بالتزامن مع تصريحات بايدن، أعلن رئيس أركان جيش الكيان الصهيوني عن استعداد الجيش للتصدي لضربة إيرانية مُحتملة، مُشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني قويا في الدفاع والهجوم. بل إن الجميع كان ينتظر ويترقب وصول المسيرات والصواريخ الإيرانية إلى الكيان الصهيوني بعد انطلاقها من إيران باتجاه الاحتلال بنحو 5 ساعات.

اعتمدت إيران على ضربة محدودة متناسبة كردٍ على جريمة اغتيال زاهدي، ولكن هذه الضربة لم تكن محدودة على الإطلاق، كونها كسرت خطوطًا حمراء تتشابك أهميتها مع هجوم المقاومة الفلسطينية يوم 7 أكتوبر، على الرغم من اختلاف الأهداف والدوافع وطبيعة القوى التى هاجمت إسرائيل، فضلاً عن تداعياتهما المختلفة، ما يؤكده الهجوم الإيراني الأول ضد الاحتلال في الداخل، أن شيئًا ما تغير بعد 7 أكتوبر ، فلم يكن الاستهداف الصهيونى للقنصلية الإيرانية هو الأول من نوعه، فكثيرًا ما استهدف الاحتلال العديد من المصالح والأهداف الإيرانية، ولكن الهجوم الإيراني هو الرد الأول على كيان الاحتلال بشكل مباشر، وكثيرًا ما توعدت إيران بالرد ولم ترد.
شيئًا ما تغير بعد 7 أكتوبر، ففي البداية استيقظ المحتلون على هزيمة مروعة في هذا اليوم، عندما هاجمتهم حماس في معقله بالأراضي المحتلة، ثم تعرضوا لهجمات عدةٍ قوى، سواءً كان ذلك بشكلٍ مباشر من جماعات عراقية، أومن الحوثيين في اليمن، الذين يفرضون حصارا على السفن الصهيونية أو تلك المتجهة إلى الكيان الصهيوني، أو من حزب الله اللبناني، وتطور الأمر مؤخرا إلى القصف الإيراني.

يثبت القصف الإيراني أنه يمكن هزيمة الاحتلال، سواء تم استخدام عنصر المفاجأة أثناء الهجوم أو تم الإعلان عنه. بالمفاجأة هُزم الاحتلال في 7 أكتوبر، وبالإعلان عن رد الفعل مسبقا وانتظار الضربة، كما حدث قبل الهجوم الإيراني بأيام، خسر. حققت الضربة أيضا أهدافًا نوعية ضد مواقع عسكرية للاحتلال، رغم كل الاستعداد والدعم الذي قدمته القوات الأمريكية والبريطانية والأردنية باعتراض وإسقاط بعض المسيرات، ورغم انتظار الكيان الصهيوني وصول الصواريخ والمسيرات الإيرانية، التي اعترضها وأسقط معظمها، لكنه لم يستطع اعتراضها جمعيًا.

قد يُشكل الهجوم الإيراني الأول على الكيان الصهيوني، مرحلة جديدة نحو احتدام وتوسع رقعة الحرب في المنطقة وتدخل القوى الإمبريالية العالمية بشكل عسكري مباشر، فالأوضاع في المنطقة الآن على المحك، والحرب الجارية في غزة لم يحقق فيها العدو الصهيوني أيًا من أهدافه المُعلنة، بعدما يزيد عن 6 شهور، والجبهات من حوله مفتوحه من قِبل حزب الله والحوثيين وجماعات عراقية، وإن ظلت وفق قواعد اشتباك محدودة لظروفٍ متباينة، لكنها تُشكل عبئُا على الاحتلال، وتُمًثل له خسائر مُتعددة الأبعاد، عسكريًا واقتصاديُا وأمنيًا. لا تستقيم صورة الاحتلال الصهيوني كقوة في المنطقة، سواءً كان ذلك على مستوى قدرته على الردع كأحد أركان عقيدته الأمنية، أو على مستوى بقاء مشروعه في الأصل إلا بتحقيق انتصار حاسم على كل هذه الجبهات المتباينة التأثيرات والمواقع الجغرافية، وتشكل المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران معضلةً كبرى، حيث يجب الرد في ظل هذه المعارك المفتوحة.

جاء الرد الصهيوني على الهجوم باستهداف منظومة رادار تحمي منشأة نطَنز النووية جنوبي أصفهان بإيران، ذلك الرد المحدود جدُا، الذي شبهه وزير الخارجية الإيراني حسين أمير ب”طائرتين أو ثلاث طائرات بدون طيار كتلك التي يلعب بها الأطفال في إيران”، ووصفه وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال ب”المسخرة”. كان من الممكن أن يكون الرد الصهيوني على إيران عنيفُا في ظروف أخرى غير تلك التي فرضتها معادلة 7 أكتوبر وما فتحته من جبهات على العدو، بل إن هجوم إيران على كيان الاحتلال لم يكن ليحصل لولا ما أحدثته 7 أكتوبر من هزة عميقة في توازنات القوى بالمنطقة، فتغيرت الأوضاع برمتها حتى وإن كانت لاتزال لم تحسم في الميدان العسكري.

لم يكن الهجوم إذًا مسرحية أو لُعبة كما يعتقد البعض، بل يمكن وصفه، كما وصفتها إيران، ب”الضربة العسكرية المحدودة”، التي لا تهدف إلى توسيع رقعة الحرب، لكنها تأتي ضمن الرد على استهداف قنصليتها من قِبل الاحتلال. ما يصح أن نُطلق عليه “مسرحية” هو ادعاء النظام الأردني دفاعه عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت يلعب ليلة الهجوم دور كلب الحراسة المُخلص للاحتلال عندما قام باعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية فوق أراضيه لمنع وصولها إلى الكيان الصهيوني.”المسرحية” هي إدعاء النظام المصري عدم القدرة على التدخل لوقف حرب الإبادة والتجويع المفروضة على قطاع غزة المُحاصر، وعدم قدرته على فتح معبر رفح، مُعللاً ذلك باحتمالية الهجوم الإسرائيلي على المساعدات أو قوافل الإغاثة والتضامن، في حين أن قوانين المعابر والأدوات الدنيا من الضغط السياسي تتيح له أن يفتح معبر رفح.

هذه “المسرحيات” التي يقدم أصحابها الخدمات للكيان الصهيوني، بينما المقاومة الفلسطينية وغير الفلسطينية هي التي تشغل الاحتلال عن إلحاق الأذى بالمحاصرين في غزة، والدليل على ذلك أن الاحتلال انشغل بالدفاع عن نفسه، في ليلة الهجوم الإيراني، ولم يرتكب أي مجزرة بحق الفلسطينيين، فلا يمكن دحر هذا العدو إلا بمهاجمته.

رغم ذلك، ربما يكون التشبث بالنظام الإيراني كمخلص من هذا العدو محض أوهام، فلا يمكن الاعتماد على نظام مستبد رجعي، فقبل ساعات من الهجوم كان قائد الشرطة في طهران يؤكد أن الشرطة ستتدخل ضد من يروجون لعدم ارتداء النساء للحجاب، محذرُا أن النساء ممن سبق تحذيرهن سابقًا بشأن الحجاب ستتم ملاحقتهن إذا لم يلتزمن، كما أن هذا النظام هو عدو الثورة السورية الذي قدم الدعم للطبقة الحاكمة في سوريا وعلى رأسها بشار الأسد.

لايعني ذلك بالطبع أن نقف بجانب الاحتلال أو نكون على الحياد عندما يقوم النظام الإيراني بتوجيه ضربات للعدو الصهيوني، بل إن تأييد هذه الضربات الإيرانية لا يتناقض مُطلقًا مع موقفنا المناهض للنظام الإيراني، بل أن نضع عداءه مع الاحتلال الصهيوني ضمن مستويات التحليل المناسبة لصراعنا من أجل العدالة ومجتمع جديد يكون ضد الاحتلال الصهيوني وداعميه من القوى الإمبريالية ووكلائها من الطبقات الحاكمة، وليس صراعًا سنيًا شيعيًا، كما يروج البعض، بما لا يخدم إلا تلك الأهداف الثمينة لبقاء هذه الطبقات الحاكمة وداعميها من مشايخ الانقسام والدفاع عن الدين فقط، إذا لم يكن لذلك علاقة بمعارضة السلطة أو وضعها الطبقي المُتميز على حساب ملايين الفقراء والمضطهدين.

ربما كان الهجوم الإيراني على الكيان الصهيوني كاشفُا لمدى إمكانية تنفيذ هجومًا أدق وأعمق، إذا ما أخذنا في الاعتبار محدودية الضربة فضلاً عن المسافة الجغرافية، التي تبعد بين إيران والاحتلال الصهيوني، والتي تقدر بأكثر من 1200 كيلو متر، كما كشف أن مقاومي الاحتلال يستطيعون حصاره ب”كماشة” فيلحقون به بالغ الضرر ويمهدون لزواله. الهجوم الإيراني يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير رام الله وعمان والقاهرة لوقف التنسيق الأمني واعتراض المسيرات واي هجوم محتمل على الاحتلال.