بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السابع من أكتوبر وتداعياتها على حزب الله ومحور المقاومة في لبنان والعراق واليمن

المقاومة ومفهوم جبهة الإسناد
في الثامن من أكتوبر 2023، امتدت النار إلى الجبهة الشمالية لفلسطين مع إعلان حزب الله عدم وقوفه على الحياد، بتصريح رئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين يومها “نحن بالموقع الذي يجب أن نكون فيه”. وفي خلال الأشهر التسعة الماضية، كرّس حزب الله مفهوم “جبهة الإسناد” للجبهة الرئيسية في قطاع غزة. وطوال الحرب، أبقى الحزب على تكريس هذا المفهوم للحرب بكسر محسوب لقواعد الاشتباك دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

تسبب ذلك في تهجير أكثر من 100 ألف مستوطن من الشمال الفلسطيني المحتل، وإقران عودتهم بوقف العدوان على غزة. وفي نوفمبر بعد شهر من طوفان الأقصى، أطل الأمين العام للحزب حسن نصر الله لأول مرة، وأعلن أن جبهة لبنان مرتبطة بمحددين هما: وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وعدم السماح بالقضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والمقاومة الفلسطينية تحت أي ظرف.

وتستمر المعارك في جنوب لبنان بين حزب الله من جهة وجيش الاحتلال الصهيوني من جهة أخرى، وتتوسع العمليات بشكل يومي على طول الحدود الجنوبية من رأس الناقورة إلى مزارع شبعا، والتي أدت أيضا إلى الكثير من الأضرار بالبنية التحتية والأراضي والمزروعات في الجنوب اللبناني، وهجّرت آلاف اللبنانيين من القرى الحدودية إلى مناطق أكثر أمانًا.

وتزايدت احتمالات اندلاع الحرب بين الكيان الصهيوني وحزب الله، مع تصاعد التهديدات من قادة الاحتلال بتوجيه ضربة عسكرية للمقاومة، والتي ردت على لسان المتحدث بإسمها، بأنها مستعدة للمواجهة الواسعة. من جانبه، تعمل الإدارة الأمريكية على الحيلولة دون اندلاع تلك المواجهة، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر الماضي بتهديد الحكومة اللبنانية بالتدخل المباشر أن حدثت.

جيش الاحتلال وحزب الله كثفا الضربات المتبادلة بينهما منذ أكثر من 8 شهور، ويعتقد المحللون أن نشوب حرب شاملة أصبح أكثر احتمالًا، حتى لو لم يكن لدى الجانبين رغبة في خوضها، بحسب ما ذكرت شبكة “سي. إن. إن” الإخبارية الأمريكية. وأوضحت “سى إن إن” أن جيش الاحتلال وحزب الله، قاما بضرب أراضي الطرف الآخر بشكل أعمق بكثير مما كانت عليه في بداية الحرب على غزة، عندما كان القتال محصورًا في دائرة نصف قطرها حوالي 4 كيلومترات من الحدود على كلا الجانبين. وفى حين أطلق حزب الله النار على عمق 35 كيلومترًا داخل المستوطنات، استهدف جيش الاحتلال مناطق في لبنان على بعد أكثر من 120 كيلومترًا شمالًا. ونقلت الشبكة عن أمل سعد، المحاضرة في جامعة كارديف والخبيرة في شؤون حزب الله، إن تصعيد الجماعة “يعد خروجًا ملحوظًا عن الاشتباكات السابقة التي حدثت منذ 8 أكتوبر”. ونقلت “سي إن إن” عن روني شاكيد، الباحث في معهد ترومان بالجامعة العبرية في القدس المحتلة، إن هناك ضغطًا من وزراء اليمين المتطرف في حكومة بنيامين نتنياهو وجيش الاحتلال لاتخاذ إجراءات في الشمال، لأجل توجيه ضربة عسكرية لحزب الله. وقال ويمين من مجموعة الأزمات الدولية، إنه “من غير المرجح أن تتخذ إسرائيل وحزب الله قرارًا واعيًا ببدء الحرب. ومع ذلك، كلما اشتد الصراع، وكلما تعمق كل جانب في أراضي الطرف الآخر، وكلما زادت الأسلحة المستخدمة، زاد احتمال حدوث خطأ ما”، على حد قوله.

تهديدات بتدمير بيروت والمقاومة مستعدة للمواجهة
قال وزير الأمن القومي الصهيوني اليميني المتطرف إيتمار بن جفير، في بيان هذا الأسبوع: “يجب حرق وتدمير جميع معاقل حزب الله” كما انتقد زعيم المعارضة يائير لابيد، حكومة نتنياهو قائلا: “الشمال يشتعل ويحترق معه الردع الإسرائيلي”. في المقابل، نقلت مجلة” نيوزويك” الأمريكية، عن متحدث باسم حزب الله، إن الجماعة مستعدة لإحباط أي هجوم إسرائيلي جديد، وسط التهديدات المتكررة من جانب كبار مسؤولي الاحتلال. وقبل يومين فقط، أكد رئيس أركان جيش الاحتلال هيرتسي هاليفي: “أننا نقترب من النقطة التي يجب فيها اتخاذ قرار للقيام بعمل عسكري واسع النطاق للتصدي لعمليات حزب الله شبه اليومية”. وردًا على ذلك، شكك متحدث باسم حزب الله في قدرة جيش الاحتلال على تنفيذ مثل هذه الحملة بنجاح. وقال المتحدث لنيوزويك: “منذ 7 أكتوبر، والإسرائيليون يهددون، لكن من يملك صوتًا عاليًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا. لم يخرجوا من مستنقعهم في غزة بعد ثمانية أشهر بأي إنجاز سوى قتل المدنيين والأطفال الأبرياء”.

وأضاف المتحدث إن “حزب الله مستعد دائما لأي شيء، وسيدافع عن مواطنيه وأرضه دون أي تردد”. وحذرت الولايات المتحدة من التصعيد، خشية أن يخرج عن نطاق السيطرة، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميللر، أمس الأول الأربعاء، إن الولايات المتحدة “قلقة للغاية” بشأن خطر التصعيد، مضيفًا أن إدارة بايدن منخرطة في محادثات دبلوماسية “لمحاولة تجنب تصاعد هذا الصراع إلى ما هو خارج السيطرة”.

وعلى الرغم من رد فعل حزب الله المحدود في البداية على أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول، فإنه صعّد تدريجياً من تدخله العسكري كجزء من حسابات استراتيجية أوسع يبتعد فيه عن حرب فورية أوسع نطاقاً من أجل إعداد لبنان لاحتمال نشوب حرب أطول أمداً وأكثر فتكاً في حالة تزايد الأعمال العدائية اليومية.

لا شك في أن حسابات حزب الله تتأثر بتهديدات وزير دفاع الكيان الصهيوني يوآف غالانت بأن المواجهات على طول الحدود مع لبنان لن تنتهي، حتى لو كان هناك توقف وسط الحرب في غزة. وفي أعقاب الاغتيالات الأخيرة لشخصيات من حزب الله وحماس في لبنان، والتي نفذتها إسرائيل واعترفت ببعضها، فمن المرجح أن يدفع هذا الخطاب حزب الله إلى الاعتقاد بأن صراعاً أوسع نطاقاً أمر ممكن. وتأخذ حسابات حزب الله في الاعتبار العواقب الكارثية المحتملة في لبنان، نتيجة لحرب واسعة النطاق مع الكيان، بما في ذلك التدمير الكامل للبنية التحتية، وخروج جهود التنقيب عن النفط والغاز البحرية في البلاد عن مسارها، والنزوح الجماعي للسكان. علاوة على ذلك، قد يواجه حزب الله مقاومة داخلية شرسة لأيّ حرب من جانب المواطنين اللبنانيين الساخطين بالفعل على الفساد، والافتقار إلى المساءلة، وغياب الدولة الوظيفية.

تأمين الغطاء السني والتنسيق مع محور المقاومة
من أجل إعداد لبنان لحرب شاملة محتملة، سعى الحزب أولاً إلى تأمين غطاء سني له بين المسلحين اللبنانيين. وعلى الرغم من الخلافات القوية حول تورط الحزب في الحرب الأهلية السورية نيابة عن بشار الأسد، ففي 18 أكتوبر 2023، شنت الجماعة الإسلامية (المعروفة أيضاً باسم جماعة الإخوان المسلمين في لبنان) هجومها الأول بمباركة حزب الله ضد الكيان من جنوب لبنان. وتم تنفيذ الهجوم من قبل قوات الفجر، وهي ميليشيا سنية تأسست عام 1982 في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان. ومنذ أكتوبر 2023، شنت الميليشيا السنية ما لا يقل عن خمس هجمات عبر الحدود على مواقع صهيونية، وكان آخر هجوم وقع في 6 يناير 2024. ويمكن أن يُعزى التنسيق بين حزب الله وقوات الفجر إلى محاولة حزب الله تلميع أوراق اعتماده وتأمين غطاء سني لصراع مفتوح محتمل مع الكيان الصهيوني. علاوة على ذلك، يسعى حزب الله بشكل استباقي إلى إشراك مختلف الجماعات اللبنانية، وخاصة السنية، في جهود المقاومة لإعداد لبنان لأي حرب محتملة واسعة النطاق مع الكيان. ومن خلال القيام بذلك، يسعى إلى صرف الاتهامات من خصومه السياسيين اللبنانيين ومنتقديه بأنه يجر لبنان من جانب واحد إلى حرب شاملة.

ثانياً، قام الحزب بتنسيق العمليات مع ما يعرف بمحور المقاومة، وتحديداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، والحوثيين (المعروفين أيضاً باسم أنصار الله) في اليمن، والعديد من الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا. وأخيراً، اختبر حزب الله ترسانته القوية، بما في ذلك الأسلحة الجديدة التي زودته بها إيران، في هجماته اليومية عبر الحدود مع الحفاظ على استعداده للمعركة من خلال نشر مقاتلي النخبة من وحدة القوات الخاصة الرضوان في المنطقة الحدودية.

من الناحية العملياتية، سمح حزب الله لحلفائه الإسلاميين الفلسطينيين، حماس والجهاد الإسلامي، بتنفيذ عمليات التسلل إلى شمال فلسطين المحتلة وشن هجمات صاروخية عبر الحدود من أجزاء جنوب لبنان الخاضعة لسيطرته. علاوة على ذلك، أعطى حزب الله الضوء الأخضر لحماس لتجنيد شباب اللاجئين الفلسطينيين داخل لبنان. وفي 4 ديسمبر 2023، أعلن فرع حماس في لبنان عن إنشاء مجموعة جديدة تسمى طلائع طوفان الأقصى، وأكد على دور الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة والمشروعة واستكمال ما تم إنجازه بعملية فيضان الأقصى. وقد أثار هذا الإعلان غضباً وانتقاداً شعبياً في لبنان، الأمر الذي دفع حماس إلى طمأنة الجمهور بأن “طلائع طوفان الأقصى” لن تكون جهداً عسكرياً. ولكن بما أن الجماعة المنشأة حديثاً لن تكون موجودة في المقام الأول دون مباركة حزب الله، فيبدو أن هذا جهد استراتيجي يسعى حزب الله فيه إلى تجنيد المقاتلين السُنّة اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان للانضمام إلى منظمة شريكة، في حين يقوم أيضاً بجذب المقاتلين الأجانب من العالم العربي الأوسع، وبالتالي تحويل جنوب لبنان إلى ساحة مناضلة يمكن حشدها في حالة نشوب حرب واسعة النطاق مع الكيان الصهيوني.

وتزامنت الاستعدادات العسكرية الداخلية لحزب الله مع عدة هجمات نفذها محور المقاومة، بما في ذلك استهداف الحوثيين للشحن الدولي والسفن الحربية الأمريكية في البحر الأحمر، واستهداف الميليشيات العراقية للقوات العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا. ويسلط تزامن هذه الهجمات الضوء على درجة متقدمة من التنسيق بين حزب الله وغيره من الإسلاميين المدعومين من إيران. ويتوافق هذا التنسيق العملياتي تماماً مع استراتيجية “توحيد الساحات”؛ أي إنشاء جبهة موحدة عبر مسارح مختلفة في الشرق الأوسط لاستهداف إسرائيل بشكل فعال في وقت واحد من فلسطين، ولبنان، واليمن، والعراق.

وفي سلسلة من الملصقات التي تحيي ذكرى مرور 100 يوم على هجوم حماس في 7 أكتوبر، سلطت قناة المنار الإعلامية التابعة لحزب الله الضوء على الدعم الكبير الذي يقدمه محور المقاومة لحماس، وأحصت الشهداء الذين سقطوا من كل مجموعة من المجموعات المختلفة داخل المحور. وبحسب هذه الملصقات، فإن الحوثيين في اليمن نفذوا حتى الآن 24 هجوماً، منها 12 على سفن في البحر الأحمر أو خليج عدن، و11 بصواريخ باليستية استهدفت الكيان نفسه. هذا بالإضافة إلى الاستيلاء على سفينة شحن مملوكة لبريطانيا في جنوب البحر الأحمر. وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط 17 شهيداً من الحوثيين. وفي الوقت نفسه، نفذت الأحزاب الإسلامية المدعومة من إيران في العراق 162 هجوماً، بما في ذلك 65 على قواعد أمريكية في العراق، و87 على قواعد أمريكية في سوريا. وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط 12 شهيداً من قواتها. ومع ذلك، باعتباره رأس الحربة لـ محور المقاومة، حصل حزب الله على نصيب الأسد من الهجمات، حيث أبلغ عن 722 هجوماً على أهداف عسكرية ومواقع حدودية ومستوطنات داخل الكيان. وقُتل في هذه الهجمات حوالي 160 من مقاتلي الحزب. ومن بين شهداء حزب الله هؤلاء عباس رعد، نجل زعيم كتلة حزب الله البرلمانية، ووسام الطويل (المعروف أيضاً باسمه الحركي الحاج جواد)، وهو قائد كبير في وحدة الرضوان النخبوية في حزب الله.

جاهزية المقاتلين وتعزيز الترسانة
وفي حين أنه من الصعب تقييم المدى الكامل لقدرات حزب الله، إلا أنه يمكن استخلاص عدد من القرائن من خلال التحليل مفتوح المصدر. ذات يوم، قال زعيم حزب الله حسن نصر الله إن مجموعته تضم 100 ألف مقاتل مدرب، وهو ما يشكل، إذا صح ذلك، قوة أكبر من الجيش اللبناني، الذي يقدر عدد أفراده بنحو 85 ألف جندي. ويشكك جيش الاحتلال في هذا الرقم ويقدر أن حزب الله لديه قوة برية قوامها 30 ألف مقاتل فقط، بينما يقدر عدد قوات الرضوان الخاصة وحدها بـ 2500 عنصر. ومع ذلك، هناك اتفاق واسع النطاق على أن حزب الله يمتلك أيضاً مجموعة واسعة ومتنوعة من الأسلحة القوية، بما في ذلك الصواريخ والقذائف والطائرات من دون طيار التي توفرها إيران بشكل أساسي. ويشمل ذلك أكثر من 100 ألف صاروخ طويل وقصير المدى، بعضها لديه مدى كافٍ لضرب أي منطقة داخل الكيان. وتشمل ترسانة الحزب من الصواريخ الضخمة عدداً من النماذج الإيرانية، مثل صواريخ رعد، والفجر، وزلزال، وبركان.

وعلى الرغم من أن معظم الصواريخ المذكورة أعلاه غير موجهة، فإن الحزب يمتلك أيضاً صواريخ دقيقة التوجيه، وطائرات مسلحة من دون طيار، وصواريخ مضادة للدبابات والطائرات والسفن. وفي فبراير 2022، كشف نصر الله لأول مرة عن أن جماعته لديها القدرة على تحويل آلاف الصواريخ إلى صواريخ دقيقة، وتقوم بإنتاج طائرات مسيرة داخل لبنان بمساعدة خبراء إيرانيين. ولا يتم في كثير من الأحيان الكشف عن المعلومات المتعلقة بقدرات حزب الله الموجهة بدقة، بسبب الطبيعة السرية لترسانته. ومع ذلك، كشف بحث متعمق في مشروع الذخائر الموجهة بدقة في إيران أن حزب الله يمتلك ترسانة من الصواريخ الموجهة بدقة، يعتمد الكثير منها على منصات إيرانية، مع الحصول على البعض الآخر من روسيا والصين. ويشمل هذا الجانب المميت من ترسانة حزب الله صواريخ أرض-أرض وصواريخ مثل فاتح-110/إم-60010، زلزال-2، ذو الفقار والقدس-2، وصواريخ كروز المضادة للسفن مثل ياخونت روسية الصنع والنسخة الإيرانية من الصاروخ الصيني سي-802، والطائرات من دون طيار مثل أيوب، ومرصد 1، ومرصد 2، وأبابيل 2.

ويبدو أن إيران تكثف جهودها لتزويد حزب الله بأنظمة دفاع جوي متقدمة. وقد يكون لذلك آثار كبيرة على الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية، ليس فقط في الصراع الدائر في غزة، ولكن أيضاً فيما يتعلق باحتمال نشوب حرب شاملة. وتشكل طائرات حزب الله من دون طيار أيضاً مصدر قلق بالغ، حيث تشير التقديرات أن الحزب يمتلك ما يقرب من 2000 طائرة من دون طيار في حوزته، بما في ذلك طائرات من دون طيار ميرساد-1 وميرساد-2، وطائرة أبابيل -2 وطائرات معراب الانتحارية والتي يصل مداها إلى 250 ميلاً، وطائرة أيوب من دون طيار والتي يمكنها حمل ثماني قنابل دقيقة التوجيه. ومثل صواريخ ومقذوفات حماس التي كشفت عن بعض نقاط الضعف في القبة الحديدية الإسرائيلية، فإن صواريخ حزب الله قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى والطائرات بدون طيار ستلعب بالتأكيد دوراً رئيسا في أي حرب محتملة مع الكيان. والواقع أن العدد الكبير من صواريخ حماس التي اخترقت نظام القبة الحديدية منذ السابع من أكتوبر أظهر مدى ضعف حتى أنظمة الدفاع الجوي الأكثر تطوراً عندما تواجه قوة نيران ساحقة. كل هذا ولم نتحدث عن التأثير النفسي للمسيّرات، فوجودها بالأعلى يترك انطباعًا مرعبًا في نفوس الجنود على الأرض، ويعدّ ذلك من النقاط التي يحرص عليها خائضو الحروب الهجينة (الجمع بين هيكلية تنظيمية كالجيش ومرونة وتكتيكات حرب العصابات)، لإيجاد حالة من عدم اليقين والخوف المستمر.

خاتمة: هل هي مقدمة لحرب شاملة تخاض بتكتيك الحروب الهجينة؟
منذ الهجمات المفاجئة التي شنتها حماس على الكيان الغاصب في السابع من أكتوبر، سعى حزب الله إلى تطوير استراتيجية تضمن استعداده لحرب محتملة شاملة مع الاحتلال. وإدراكاً منه للحاجة إلى التعامل مع الوضع السياسي والاقتصادي الداخلي الهش في لبنان، يقوم حزب الله بالمناورة بشكل استراتيجي على الجبهتين السياسية والعسكرية. على الجبهة السياسية، يسعى إلى الحفاظ على الدعم السياسي لحماية ترسانته الهائلة وسيطرته على جزء كبير من لبنان. وعلى الصعيد العسكري، يسعى الحزب إلى الحصول على غطاء سني لجهوده ضد الكيان، ويقوم بالتنسيق العملياتي مع محور المقاومة في غزة واليمن والعراق وسوريا، ويقوم بإعداد مقاتليه المدربين وترسانته القوية لاحتمال نشوب حرب كاملة. وقد يتبنى الكيان نفسه سياسة أكثر تشدداً على حدوده الشمالية في الأسابيع المقبلة اعتماداً على الديناميكيات الإقليمية الأوسع وكيفية تطور الصراع في غزة. ولذلك لا يمكن استبعاد التصعيد إلى حرب شاملة بين الكيان وحزب الله مهما كان الثمن الذي سيتحمله الشعب اللبناني.

ويعزز الحزب من وضعه بوصفه قوة هجينة تمتلك أساليب قتالية تنتمي إلى نطاق الحرب غير النظامية، وأسلحة دقيقة متقدمة مع هيكلة مركزية تضعه في جانب الحرب النظامية، وبتفعيل الجانبين معًا تنشأ الحرب الهجينة. في كتابه “عن الحرب” يقول كارل فون كلاوزفيتز إن “لكل عصر نوعًا خاصًّا به من الحرب، له شروطه المقيدة، وتصوراته المسبقة الخاصة”. ويرى بعض المحللين أن الأمر لا يتوقف فقط عند حزب الله، حيث يبدو أن الإستراتيجية الهجينة قادمة لتصبح شكلا أساسيا من الحروب. وعلى مدى قرابة 20 سنة مثّل حزب الله نموذجًا في الحروب المرنة، ويُعتقد أنه أصبح الآن أكثر تطورا، وتمكنت قواته من بناء تكتيكات غير نظامية أدق. وهذا تحديدا ما يقلق الصهاينة، خاصة أنهم لم يحققوا أهدافهم المرجوة في غزة، فلا هم قضوا على المقاومة الفلسطينية أو أعادوا الأسرى، فما بالك بنزاع عسكري هجين، وفتح جبهة قتال ضارية أخرى؟