بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بس مصر مش كينيا.. المعارضة الكينية بعد تراجع الرئيس: “مش كفاية”

“يجب أن ترحل الآن”.. الكلمات لأحد المتظاهرين الذين اقتحموا البرلمان الكيني، وسقط من بينهم عشرات القتلى والمتظاهرين.. والمناسبة: تراجع الرئيس المذعور الأربعاء، عن قراراته برفع الضرائب على الفقراء، قائلًا: “الآن سمعت صوت الشعب”، مبديًا استعداده لفتح “حوار وطني” جديد، وذلك في انتصار كبير للإرادة الشعبية.

كان المعارضون والشباب قد دعوا على وسائل التواصل الاجتماعي إلى التحركات الشعبية والإضراب العام، بعد إعلان حزمة الزيادات الجديدة في الضرائب على سلع استهلاكية عديدة، من الخبز إلى الفوط الصحية النسائية.

وبالفعل خرج للشوارع عشرات الالاف من المتظاهرين الغاضبين، ولسان حالهم يقول “مش عارفين نعيش”، و”هذا القانون لن يمر”.

ورغم أن قوات الأمن أطلقت الغاز المسيل للدموع واستخدمت خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في العاصمة نيروبي، نجح المتظاهرون في اقتحام البرلمان في نيروبي، في سابقة تعد الأولى في تاريخ الدولة التي نالت استقلالها العام 1963.

الرئيس الذي أدان الاحتجاجات وقال على المحتجين “مجرمين”، غيَّر كلامه بعد اقتحام البرلمان وسحب المشروع “لأنه سمع صوت الشعب”، حسب قوله.

لن يحكمنا البنك الدولي
أكد قادة الاحتجاجات الكينية إنهم سيواصلون نضالهم ضد السلطات، رغم التراجع عن الزيادة الضريبية، حسبما جاء على لسان بونيفاس موانجي، أحد المشاركين في الاحتجاجات، وهو ناشط في حركة العدالة الاجتماعية، على حسابه على منصة فيسبوك.

يضيف موانجي: “ذهبت الغطرسة، لكن الأكاذيب لم تختف، أمس أطلقوا البلطجية والشرطة على المتظاهرين السلميين. هذا لن يمنعنا. أراكم غدًا في المسيرة المليونية”، مشددًا “لا يمكنه قتلنا جميعًا”.

ورد موانجي أيضًا على السفيرة الأمريكية في نيروبي، ليندا توماس جرينفيلد ، بالقول، “كوني هادئةً، لسنا بحاجة إلى صوتك”.

وشدد الناشط على أن “كينيا تخص الكيني”. ووفقًا لموانجي، فإن وطنه يرزح تحت “عبودية ” المؤسسات المالية الأمريكية: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وجاء في بيان لائتلاف المعارضة نُشر في صفحة زعيم المعارضة رائيلا أودينغا على منصة إكس (تويتر سابقًا): “لا يمكن لكينيا أن تسمح لنفسها بقتل أبنائها فقط لأنهم يطلبون الغذاء وفرص العمل والإصغاء إليهم. ونقطة الانطلاق للخروج من هذا المأزق وسفك الدماء القاسي هو السحب السريع وبدون أي شروط لمشروع القانون المالي من قبل الحكومة وتهيئة الظروف لإطلاق حوار جديد”.

“الآن سمعتكم”
ككل الطغاة عندما تقترب لحظة النهايات، تحدث الرئيس الكيني بعد أن عجزت قواته الأمنية عن قمع المتظاهرين الذي سقط من بينهم العشرات من القتلى والجرحى، قائلًا “الان سمعتكم”.

سمعنا هذا الكلام من الطاغية التونسي بن علي “الآن فهمتكم”، ومن الطاغية مبارك بعد أن قبع على السلطة نحو 30 عامًا حين قال: “لم أكن أنتوي الترشح لفترة رئاسية جديدة.. وإن الوطن باق والأشخاص زائلون”.

والمؤكد أننا سنسمعه مجددًا عاجلًا او آجلًا في دول عديدة تتبع روشتة صندوق النقد الدولي، وعلى رأسها مصر.

والحكاية في كينيا لا تختلف كثيرًا عما يجري هنا. نفس الحكاية بل ونفس التفاصيل، لدرجة مثيرة للدهشة. لكن الاختلاف في رد فعل القوى السياسية والجماهير. فمعارضتنا منقسمة على نفسها، كما أن نيروبي لم تشهد ثورةً مضادة اقتلعت الأخضر واليابس، وقامت بتصفية الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات الطلابية والعمالية، وتضع عشرات الالاف من المعارضين في السجون.

ولكن نقاط التشابه عديدة، ويمكن الاستفادة منها، فهناك أيضًا قروض لا تنتهي، وعجز غير مسبوق في الميزانية، وشعب يعمل من أجل خدمة الديون، وسلطة لا ترى حلًا سوى فرض المزيد من الضرائب ورفع الأسعار تطبيقًا لتعليمات صندوق النقد الدولي.

أما الرئيس الذي يجمع كل السلطات في يده، فقد انتُخب قبل عامين تقريبًا على أساس برنامج يستهدف مساعدة الطبقة العاملة الفقيرة في كينيا!

وبدوره، وكأن جميع الحكام يقرأون من كتاب واحد، أطلق الرئيس الكيني الدعوة للحوار الوطني العام الماضي، حوار أرادته السلطة شكليًا فانسحبت منه المعارضة ونزلت إلى الشارع.

ويومها وقف زعيم المعارضة الموحدة في ائتلاف عريض، ليقول إن الرئيس ويليام روتو “أضعف البرلمان، واستولى على مؤسسات الدولة، واختار أعضاء السلطة القضائية لتوطيد السلطة”. وأعلن سابقاً أن “الحكومة فشلت في تلبية مطالبه”، واتهمها بمحاولة “فرض إرادتها على مواقفه على طاولة المفاوضات”.

وهناك أيضًا مثل نظامنا، سعى الرئيس لاختيار من يحاوره من المعارضة واستبعد من يريد، فأصر على أن يكون الحوار السياسي عبر ممثلي الحكومة وتحالف المعارضة في البرلمان، بينما تصر المعارضة على ألا يتقيد الحوار بالإطار البرلماني، وأن تُدعَى قوى غير ممثلة في البرلمان إلى المفاوضات.

يُذكَر أن العام الماضي شهد مظاهرات غضب راح ضحيتها 9 من المتظاهرين، ولكن الجماهير تحت وطأة الازمة ورغبتها في التغيير تراجعت خطوة للوراء ولكنها كانت تستعد للخطوة المقبلة.

انتفاضة ماو ماو
الشعب الكيني مثل الشعب المصري له صولات وجولات ضد الاستعمار والظلم الاجتماعي، ومن أبرزها انتفاضة ماو ماو، 1952-1960، ضد الاستعمار البريطاني، ويقول شعب أكامبا، المكون الرئيسي لكينيا، أن اسم ماو ماو أتى من “MaU MaU” التي تعني “أجدادنا”.

واستُخدم هذا المصطلح لأول مرة في أثناء ثورة الرعاة ضد عملية تقليص حجم البضائع القابلة للبيع التي حدثت في عام 1938 بقيادة مويندي مبينجو وأصر خلالها على مغادرة المستعمرين كينيا حتى يستطيع شعبه (شعب الكامبا) العيش بحرية، مثل “زمن أجدادنا”، إذ قال:”نريد أن نعيش مثل أجدادنا، نحافظ على مواشينا مثل أجدادنا، لأن الأرض التي نعيش عليها ملك أجدادنا”.

ومع تقدم الحركة، اعتُمدت عبارة من اللغة السواحلية تقول: “دع الأجنبي يعود إلى الخارج، دع الإفريقي يستعيد استقلاله”.

ورغم نقاط الاتفاق والاختلاف بين النظامين المصري والكيني، ووضع المعارضة السياسية، ومستوى الحركة الاجتماعية، نستطيع أن نؤكد أن مصر تسير على خطى كينيا، لكن الفروق ستبقى في المواعيد.