بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتخابات فرنسا: الفاشيون يخسرون في الانتخابات.. لكن النضال يجب أن يستمر

تنفس الملايين الصعداء لأن حزب التجمع الوطني الفاشي لم يتصدَّر الانتخابات، لكنه ضاعف عدد مقاعده. وكان رد فعل الفرنسيين القلقين الذين تجمَّعوا لسماع نتائج الانتخابات العامة في مساء الأحد هو الارتياح والفرح.

لقد قضت استطلاعات الرأي على الخوف من أن يحصل حزب التجمع الوطني الفاشي على الأغلبية في البرلمان وأن يصبح زعيمه جوردان بارديلا رئيسًا للوزراء.
في المقابل، أظهرت استطلاعات الرأي أن كتلة الجبهة الشعبية الجديدة (NPF) ستحصل على أكبر عدد من المقاعد. وتجمع الجبهة الشعبية الجديدة حزب “فرنسا الأبية” لجان لوك ميلينشون وحزب الخضر والحزب الشيوعي وحزب العمال الاشتراكي.

وتوقعت استطلاعات الرأي أن النواب المرتبطين بالرئيس الليبرالي إيمانويل ماكرون سيشكِّلون ثاني أكبر كتلة من المقاعد، وأن الفاشيين بقيادة مارين لوبان وبارديلا سيكونون في المركز الثالث.

كانت استطلاعات الرأي صحيحة. فعندما انتهى إجمالي الفرز الرسمي، فازت الجبهة الشعبية الجديدة بـ180 مقعدًا، تليها كتلة ماكرون بـ168 مقعدًا. ودُفِعَ حزب لوبان وحلفاؤه إلى المركز الثالث بـ143 مقعدًا، ومع ذلك، مثَّل هذا زيادة كبيرة مقارنة بـ88 نائبًا في الانتخابات السابقة. وحصل الحزب الجمهوري المحافظ الرئيسي على 60 مقعدًا.

هذه النتائج بمنزلة ضربة قوية لحزب التجمع الوطني الذي كان يمنِّي نفسه بفرصة تولي السلطة و بتشديد قبضته على جهاز الدولة السلطوي. كانوا ليجعلوا حياة المسلمين والمهاجرين وجميع السود جحيمًا لا يُطاق إذا فازوا بهذه الانتخابات.

لا عجب أن تعم الاحتفالات مع ظهور نتائج الانتخابات، فقد أظهرت النتائج أن غالبية الشعب لا يريدون حزب التجمع الوطني أن يدير شئون البلاد. ولعل العامل الأقوى في صدِّ هؤلاء الفاشيين هو خروج 800 ألف شخص إلى الشوارع الشهر الماضي وتنظيمهم حملات ضدهم. أسفرت هذه الجهود عن رفع نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 67%، مقارنة بـ46% في الانتخابات البرلمانية عام 2022، و43% عام 2017.

ذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية أنه “سادت صيحات الرعب وذرفت الدموع في مقر حزب التجمع الوطني مع ظهور أولى تقديرات النتائج. وحلَّ صمتٌ وذهول محلّ التلويح بالأعلام والهتافات التي تلت الجولة الأولى من الانتخابات الأسبوع الماضي”. وأضافت الصحيفة: “تحوَّلت منصة الشمبانيا إلى مركز للعزاء لمؤيدي حزب التجمع الوطني في باريس”.

ولكن هذه الأصوات لن توقف نمو الفاشية. فهذا عدد قياسي من أعضاء البرلمان لحزب التجمع الوطني. وبانسحاب مرشحيها للسماح لأنصار ماكرون بالفوز بالعديد من المقاعد، فكَّكت الجبهة الشعبية الجديدة أي فرصة لتنفيذ سياسات يسارية حقيقية.

شجَّعت الجبهة الشعبية الجديدة على التصويت للماكرونيين المروّعين. ومن بينهم وزير الداخلية جيرالد دارمانين، مهندس القمع العنصري، علاوة على رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بورن، التي تدعم الهجمات على المعاشات التقاعدية.

فاز دارمانين وبورن، لكن خسر فيليب بوتو من حزب مناهضة الرأسمالية الجديد الذي انضم إلى الجبهة الشعبية الجديدة. دعا دارمانين على الفور إلى تشكيل حكومة وطنية دون متطرفين. وقال: “اليوم، لا يمكن لأحد أن يقول أنهم فازوا في هذه الانتخابات التشريعية، لا سيما ميلينشون الذي أظهر الكثير من الادعاءات قبل لحظات قليلة على شاشة التلفزيون”. وأضاف: “هناك رغبة لدى الناخبين في التغيير. وألاحظ أن اليمين الجمهوري ما يزال قويًا للغاية. ربما ينبغي لنا أن ننفتح أكثر على هذا اليمين الجمهوري”.

استخدم رجال شرطة دارمانان “الجمهوريون” الغاز المسيل للدموع والهِراوات لمهاجمة آلاف الأشخاص الذين كانوا يحتفلون بهزيمة حزب التجمع الوطني في باريس في وقت متأخر من يوم الأحد. لقد خلقت الجبهة الشعبية الجديدة نسخة أخرى من “الجبهة الوطنية” للأحزاب السائدة التي أثبتت عدم فاعليتها (انظر أدناه).

من المرجَّح أن تشهد النتائج تعاملًا فوضويًا لإيجاد رئيسٍ للوزراء. على الأكثر، قد يكون هناك رئيس وزراء يساري معتدل، لكنّه سيكون شخصًا يقبله ماكرون وشركاؤه فقط. ضمن تحالف الجبهة الشعبية الجديدة، فاز الحزب الاشتراكي، الذي يُعدّ تيارًا سائدًا تمامًا، بـ59 مقعدًا، وهو ما لا يقل كثيرًا عن حزب فرنسا الأبية الذي حصل على 74 مقعدًا. وحصل حزب الخضر على 28 مقعدًا، والشيوعيون على تسعة مقاعد. لقد عملت الجبهة الشعبية الجديدة كخيمة أكسجين لإنعاش الحزب الاشتراكي الذي بدا وكأنّه قد مات ودُفن.

لكن سياسات الحزب الاشتراكي ومؤيديه هي بالتحديد ما مهدت الطريق لصعود الفاشيين بلا هوادة. وستمكّن الحكومة -التي تنفِّذ سياساتٍ مؤيدةً للأعمال التجارية- الفاشيين من القول إنهم يدافعون عن الناس العاديين ضد النخب المتحدة. ولهذا قالت لوبان يوم الأحد إن انتصار التجمع الوطني قد “تأجَّل” فقط. وقالت: “إنّ المدّ آتٍ. لم يرتفع بما يكفي هذه المرة لكنه مستمر في الارتفاع”.

يشعر الفاشيون بالإحباط في الوقت الحالي، لكن هناك حاجةً إلى تغييرٍ في إستراتيجية اليسار.

مجموعة “مسيرة التضامن” المناهضة للعنصرية كانت مُحقّة عندما قالت: “نحن في أحيائنا وفي أماكن عملنا وفي الشوارع، أقوى بتضامننا ووحدتنا”. وهذه المجموعة تمضي قدمًا لتنظيم مظاهرة حاشدة ضد العنصرية والاستعمار يوم الأحد المقبل، في عيد الباستيل.

نصر لمرشح مؤيد لاستقلال الكاناك
يشهد إقليم كاناك (كاليدونيا الجديدة) في المحيط الهادئ، الخاضع للاستعمار الفرنسي، احتجاجات وإضرابات ومظاهرات منذ أشهر.

وفي الانتخابات هذه المرة، فاز مرشح من شعب الكاناك الأصليين مؤيد للاستقلال بمقعد في البرلمان الفرنسي، متغلبًا على مرشح مؤيد لفرنسا في الجولة الثانية من التصويت.

ويعد إيمانويل تجيباو أول مرشح مؤيد للاستقلال يفوز بمقعد في الجمعية الوطنية منذ عام 1986.

ماذا وراء صعود الفاشيين؟
هناك أربعة عوامل رئيسية غذّت صعود الفاشيين في فرنسا، وما تزال هذه العوامل تُشكّل قضايا مُلحّة:
– ردّت الأحزاب السائدة من اليسار واليمين في الحكومة على عنصرية الفاشيين عبر تمرير القوانين العنصرية والمعادية للمهاجرين والإسلام. بدلًا من خنق صعود الفاشيين، شجعتهم هذه السياسات وأضفت نوعًا من الشرعية على توجّهاتهم.

– جادل اليسار السائد بضرورة دعم مرشحي اليمين والليبراليين الجدد ضد الفاشيين. ولكن سياسات التقشُّف التي تلت ذلك أدت إلى بناء الدعم للفاشيين، ولم تكن على الإطلاق حائط صد لهم.

– لم يشكِّل اليسار وقادة النقابات جبهة موحدة فعالة ضد الفاشية عندما كانت الجبهة الوطنية صغيرة. ورفض الكثيرون أيضًا وصف الجبهة الوطنية بالفاشية.
– لم يؤدِ غياب يسار مناضل ذي حجمٍ كافٍ إلى خلق بديلٍ فعالٍ للعمال وأصحاب الأعمال الصغيرة الغاضبين بشدّة من الصعاب وعدم المساواة. ونتيجة لذلك، انتقل بعض هذا الغضب إلى الفاشيين.

تاريخ مُختصر للفاشية في فرنسا
1972: أسس جان ماري لوبان، الجندي السابق والذي عُرِفَ بتعذيبه للمقاومين الجزائريين المناهضين للاستعمار، حزب الجبهة الوطنية الفاشية. وانضم إلى لوبان آنذاك محاربون قدامى في حرب الجزائر ومتعاونون مع النازية في الحرب العالمية الثانية.

1986: فاز حزب الجبهة الوطنية بأول مقاعد له في الجمعية الوطنية، بما في ذلك مقعد لوبان نفسه.

1987: وصف لوبان الهولوكوست بأنها “مجرد تفاصيل في التاريخ”.

1988: حصل لوبان على 14.4% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية. وبالإضافة إلى هجماته المعتادة العنصرية والمعادية للمهاجرين والسامية، استهدف حزب الجبهة الوطنية الإسلام والمهاجرين المسلمين.

2002: ترشّح لوبان للرئاسة وفاز بنسبة 17% من الأصوات، وهي نسبة كانت كافية لضمان جولة إعادة ضد اليميني جاك شيراك. وتوحّد سياسيون من اليمين واليسار لدعم شيراك بحجة أن ذلك سيكون حاجزًا فعالًا ضد صعود الفاشية. فاز شيراك، ونمت الفاشية.

2012: ترشحت مارين لوبان، ابنة جان ماري، للرئاسة وحصلت على 18% من الأصوات.

2014: فاز حزب الجبهة الوطنية بالسيطرة على 11 مجلسًا محليًا، واحتل المرتبة الأولى في انتخابات البرلمان الأوروبي بنسبة 25% من الأصوات.

2017: بعد عامين من طرد والدها من الحزب، ترشحت مارين لوبان للرئاسة مرة أخرى. فازت بنسبة 21% في الجولة الأولى لكنها خسرت أمام إيمانويل ماكرون في الجولة الثانية. وتوحَّد جزء كبير من اليسار واليمين لدعم ماكرون بحجة أنه سيكون حاجزًا أمام نمو الفاشية. فاز ماكرون، ونمت الفاشية.

2022: ارتفعت نسبة أصوات مارين لوبان، التي غيرت اسم الحزب إلى التجمع الوطني، إلى 23.2% في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وتوحد جزء كبير من اليسار واليمين لدعم ماكرون بحجة أنه سيكون حاجزًا أمام نمو الفاشية. فاز ماكرون، ونمت الفاشية.

2022: فاز حزب التجمع الوطني بـ 89 مقعدًا في البرلمان، وهو اختراق كبير.

2024: في الانتخابات الأوروبية، احتل حزب التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديللا المرتبة الأولى بنسبة 31.4%. ودعا ماكرون إلى انتخابات عامة مبكرة. ويأمل في انقسام اليسار والظهور كخيار “العقل”. لكن في الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت في 30 يونيو، فاز حزب التجمع الوطني وحلفاؤه بنسبة 33% من الأصوات.
وهم يهددون بالفوز بأغلبية تجعل من بارديللا رئيسًا للوزراء.

* بقلم: تشارلي كيمبر – صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية