سلام للبيع: أزمة التفاوض في السودان

يوم السبت، 6 يوليو 2024، استضافت مصر اجتماعاً “لإنهاء الحرب” ضم القوى السياسية والمدنية السودانية، والذي عُرف فيما بعد بمؤتمر القاهرة. ضم الحدث شخصيات بارزة من الذين كانوا في صميم المشهد السياسي السوداني منذ إزاحة البشير في عام 2019، وفي مقدمة الحضور التكنوقراطي والموظف الدولي الذي شغل منصب رئيس الوزراء ابان الفترة الانتقالية- عبد الله حمدوك. يُعدّ هذا الحدث واحدًا من عدة محاولات لجمع الأطراف الفاعلة السودانية لإنهاء الحرب المستعرة. وكانت مصر قد رعت محادثات حول الممرات الإنسانية وإتاحة وصول الإغاثة بالتعاون مع المانحين والمجتمع المدني والجهات المحلية في نوفمبر 2023. وبالرغم من وساطة مصر المستمرة، ما تزال تلك الأهداف غير قابلة للتحقيق.
في أبريل 2023، تصاعد خلاف بين جنرالان السودان، عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة السودانية، ومحمد حمدان دقلو – الملقب بحميدتي – قائد ميليشيا قوات الدعم السريع، تحوّل بسرعة إلى حرب شاملة. تبادلت القوات العسكرية وميليشيا الدعم السريع إطلاق النار في شوارع الخرطوم قبل أن تتحول جميع المدن الرئيسية في السودان تقريبًا إلى ساحات اقتتال. استخدم كلا الطرفين أسلحة ثقيلة في حربهما بالمدن. نشرت قوات الدعم السريع صواريخ أرض-جو وRBG-6CALs خلال قيادتها شاحنات مزودة برشاشات زودوا بها من قبل الإمارات العربية المتحدة ومجموعة فاجنر الروسية. ورد الجيش بقصف جوي عشوائي. انتهك الطرفان القانون الدولي بتحويل المناطق السكنية إلى مناطق حرب واستخدام المدنيين العُزَّل كدروع بشرية. تسببت الأعمال العدائية في موجات نزوح حيث فر السكان المذعورون إلى مناطق أكثر أمانًا. وفقًا لأرقام المنظمات الإنسانية، تُعد السودان الآن أسوأ وأكبر أزمة نزوح في العالم؛ حوالي 8 ملايين شخص من أصل 40 مليون نسمة نزحوا، أكثر من نصف مليون منهم فرو إلى مصر.
منذ اندلاع الحرب قبل 16 شهرًا، سعت عدة جهات وساطة لرعاية مفاوضات السلام بين الجيش وقوات الدعم السريع. ويعد “إعلان جدة” في مايو 2023 أهمهم، وهي واحدة من العديد من الاتفاقات، لكنها الآلية المعتمدة رسميًا من قبل الولايات المتحدة. وبالرغم من الدعم الدولي، فشلت جدة في تيسير تحقيق تقدُّم في محادثات السلام. وتتناقض أجندة جدة مع الشروط المسبقة التي أنتجتها. وتميل الوساطة ومحادثات السلام إلى التركيز على أعراض النزاع. في حالة حرب السودان 2023 يتضمن ذلك؛ وقف إطلاق النار ووصول المساعدات الإنسانية وتحسين إجراءات الاتصال بين طرفي النزاع لتعزيز الثقة باتجاة الوصل لاتفاق نهائي. وقد صُممت المجموعة الضيقة من الأهداف لمنع الخوض في القضايا السياسية خوفًا من تعقيد الأزمة بشكل أكبر. إن شروط الجيش لتنفيذ ترتيب وقف إطلاق النار مشروطة بالانسحاب غير المشروط للميليشيات من العاصمة وخروجها من منازل الناس. هذا الشرط الأخير ليس فقط استراتيجية حرب ناجحة من قبل الميليشيا بل هو أيضًا قضية أساسية في ملف إصلاح قطاع الأمن ما قبل الحرب، وهو واحد من العديد من النزاعات السياسية بين الجيش والميليشيا التي أدت إلى اندلاع الحرب. تباينات وامتداد مسببات الحرب وأجندات حلها يوضح إالمأزق نموزجي لعمليات التفاوض.
مع تراجع جدة، سعت الأطراف الفاعلة وصانعو السياسات لاختبار آليات وساطة بديلة على أمل أن تكون بمثابة الأساس لمشروع سلام جديد. بين أبريل 2023 ويوليو 2024، أطلقت العديد من المبادرات متعددة الأطراف والثنائية للتدخل لوقف الحرب في السودان، دون جدوى. واحدة من هذه المبادرات كانت من خلال الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، وهي المنظمة الفرعية الإقليمية المهيمنة، تحت رعاية كينيا في دورها الجديد كمُفاوض إقليمي. تمتعت المنظمة بخبرة لا بأس بها لبدء حوار سياسي بين الطرفين المتحاربين، بعد تدخلها للتوسط لإنهاء الحرب في جنوب السودان في بداية الالفية. ومع ذلك، أدّى تقارب وليام روتو رئيس كينيا مع الجنرال دقلو بناءً على طلب الإمارات إلى انسحاب الجيش من المحادثات كما فعل في جدة، مستشهدًا بالتحيز من الشريك الوسيط. في كلا الحالتين، الاتهامات المُوجّهة للخليج بالتدخل والادعاءات بمحاولة التأثير على العملية بواسطة المدفوعات المالية السياسية للأطراف الوسيطة التي تعاني من فجوات اقتصادية ليست بلا أساس.
في نفس الوقت، قامت دول أخرى، خارج عضوية إيقاد، مثل مصر وتشاد، مدفوعة بخطر تفاقم الوضع الأمني على حدودها مع السودان، باقتراح “مبادرة الدول المجاورة” الموازية. وهدفت قمة القاهرة في يوليو 2024 إلى تطوير “آليات فعَّالة” مع الدول المجاورة ودعم الجهود الدولية والإقليمية الأخرى لحل الصراع المتصاعد. ويشير استخدام كلمة “فعَّالة” في بيان الجة المصرية الراعية للمفاضوات الى فشل العمليات السابقة دون الخوض في تفاصيل الأزمة السياسية التي تكمن وراءها. في غضون ذلك، استضاف الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا عدة اجتماعات جانبية مع مختلف الفاعلين المدنيين لتسهيل محادثات استكشافية حول النمط الأكثر ملائمة للآليات والأجندة والمشاركين. إن تعدد الآليات والسياسات التي تدعم إنشائها، التي تُشكِّل في أغلب الأحيان رد فعل على الإقصاء من جانب الدول الأعضاء والمجموعات المؤثرة، يثير المخاوف بشأن عواقب المفاضلة بين المحافل على جدوى محادثات السلام.
إن تاريخ الوساطة من أجل السلام في السودان هو تاريخ من السياسة الانقسامية وتفتيت التحالفات بغرض هيمنة المجموعة الحاكمة. لقد دفعت جبهات الحرب المتعددة في السودان بين الدولة والمجموعات ذات المظالم غير المحلولة إلى اقتراح تقاسم الثروة والسلطة كبديل للحكم لمعالجة انعدام التنمية والتوزيع العادل للموارد. تحت إدارة البشير في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، سعى الإسلاميون إلى شراء ولاءات المعارضة والمجموعات المتمردة بعرضهم حصة من كعكة الحكم.
كانت العملية التي تم من خلالها الوصول إلى هذه الاتفاقات شديدة السرية والعسكرة. أُجريت خلف الأبواب المغلقة في غياب أي إشراف برلماني أو تمثيل مدني، وكانت مكاسب السلام تكافئ الأكثر عنفًا. كلما كبر حجم المجموعة المسلحة، وسع كرسيها على طاولة المفاوضات. وقد أسست اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 إرثًا من المساومة كأساس لصنع السلام. بحيث لم يكن السلام بالضرورة نهاية العنف، ولكنه أفضل صفقة يتوصل إليها المفاوضون لإعادة ترتيب ميزان القوى لمصلحة الدولة أو في الأقل لكسب المزيد من الوقت. في حالة جنوب السودان، انتهت المناورات السياسية مع الانفصال في عام 2011.
بعد 20 عامًا من اتفاق السلام الشامل، عاد دليل “السلام مقابل ثمن” ليطارد عملية الوساطة في حرب 2023. يرسخ تعدد الفاعلين وعواصم الاجتماعات والداعمين الدوليين والإقليميين والأجندات المتداخلة، الممارسة السياسية القديمة المبنية على الصفقات التي تملي من سيكون له السلام. ترتبط المفاضلة بين المحافل بتمويل المانحين. فانت كقوة قتالية او مجموعة سياسية تختار داعمك وتتفاوض على صفقة تثقل من ميزانك في المشروع السياسي لما بعد الحرب. يرعى ممولو العمليات السياسية، والمعروفون أيضًا باسم المانحين، العملية بحذق للتأثير على النتيجة. تعلَّمت الإمارات -مما يثير استياء السودانيين- أن رعاة الحرب يمكنهم الاستثمار بشكل مربح في السلام ايضا، فيآثرون على العملية السياسية في كلا الجانبين: دبلوماسيًا وعلى أرض المعركة. توسّع السوق السياسي في حقبة ما بعد البشير ليشمل الفاعلين المسلحين والسياسيين الحكوميين بالإضافة إلى التكنوقراط والمدنيين والفاعلين المدنيين والمستقلين، كما هو الحال بانضمام تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) للمراوغات السياسية تحت طائل الانتقال الديمقراطي ونهاية العنف.
عندما طُلب مني كتابة هذا المقال، كان الهدف شرح مؤتمر القاهرة الذي عقد في يوليو 2024 للقارئ المصري. من هم المشاركون؟ ومن كان غائبًا ولماذا؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لصياغة اجندة الحوار من اجل السلام؟ في حين أن كل هذه أسئلة مهمة، فإن شرح مؤتمر القاهرة بشكل منفصل عن السياق الأكبر للوساطات الفاشلة والمفاضلة بين المحافل يحجب السياسة وراء صفقات الوساطة والمزايا التي تمنحها لأصحاب السلطة، سواء كانوا يسعون لتحقيق السلام أم لا.
عُقد مؤتمر القاهرة في سياق شديد التوتر من التنافس الإقليمي على الوصول إلى الموارد وتصاعد عنف الميليشيات الذي ساعد على فتح حدود قتصادية جديدة بقوة العنف. تستضيف الحكومة المصرية الحدث بينما تواجه العديد من المخاوف الاقتصادية والأمنية الداخلية، والتي تحتاج إلى موازنتها مع تحييد التهديد الأمني المتزايد على حدودها. على سبيل المثال، تعد مصر مستوردًا صافيًا للمواد الخام السودانية، بينما السوق السوداني هو المستورد الرئيسي للبضائع المصنعة المصرية. وتؤّثر الحرب السودانية بشكل سلبي على الميزان التجاري المصري، خاصة في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية. جيوسياسيًا، كان الصراع طويل الأمد بين مصر وأديس أبابا حول حصص مياه النيل والخلاف حول ملء سد النهضة يتم بوساطة الخرطوم. أجندة الطاقة الكهرومائية في مصر معرّضة لخطر الوقوع بين علاقة الحرب والسلام الثلاثية التي تُخضع فيها الإمارات السياسة الخارجية لمصر وإثيوبيا لأجندة الهيمنة الاقتصادية الخاصة بها في البحر الأحمر. وفي الداخل، تساهم المدفوعات المالية الخليجية في إبقاء الاقتصاد المصري قائمًا. فعندما يتعلق الأمر بأجندة السلام السودانية، يجب على مصر أن توازن بين رضاء أكبر مستثمريها وإدارة مصالحها الخارجية. ويظل السودان محاصراً بين المنافسات الجيوسياسية المتنكرة كوساطات سلام.
إن تصريحات التهنئة التي أعقبت وقائع مؤتمر القاهرة قد تعطي الانطباع ان إنجاز كبيرتم تحقيقه. لكن الحرب في السودان ما تزال مستعرة والمجاعة معلنة والصراع يتطور ليتخذ طابع عرقي. بشكل عام، الأمور اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل محاولات الوساطة المتعاقبة التي بدأت قبل أكثر من عام. يُقدِّم مؤتمر القاهرة نفسه كثورة في الوساطة الشاملة، مع الترويج لمشاركة الفاعلين المدنيين في مساحة عادة ما تكون مُخصَّصة للمتحاربين المسلحين. لكن صفة المدنية بحد ذاتها ليست دلالة على سياسة مناهضة الحرب التقدمية أو الجذرية. ففي تاريخ السودان القريب والبعيد، ساهم السياسيون المدنيون المدعمون بتمثيل انتخابي معيب في تشكيل السوق السياسي وكانوا جزءًا أساسيًا في تسليح العنف لخدمة أجنداتهم. ويتهم الجمهور تقدم، التحالف السياسي الذي يقود محادثات السلام المدنية، بتمويله من الخليج ليكون بمثابة الذراع السياسي للميليشيات. كما أن تاريخهم كممثلين للثورة خلال الفترة الانتقالية 2019-2021 مثار انتقادات عديدة. بالنسبة للعديد من السودانيين، فإن مساهمة المدنيين في عمليات السلام في القاهرة الشهر الماضي وأديس أبابا قبل ذلك تعاني من نفس التجاوزات في الحكم التي لوحظت خلال مدّة ولايتهم الانتقالية: الافتقار إلى الشفافية وغياب المساءلة وتجاهل الصوت الشعبي.
من نافلة القول أن بين القاهرة وأديس أبابا وجدة وجنيف، فإن غياب السياسة الحقيقية وراء العنف يجعل احتمال السلام بعيدًا.





