بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من مصر إلى تونس “مسرحية الانتخابات” تنطلق في تونس غدًا

تنطلق غدًا الأحد، الانتخابات الرئاسية التونسية، في الداخل، بعد انتهاء عملية التصويت في الخارج، يوم أمس الجمعة. حيث يسعى الرئيس قيس سعيد للفوز بولاية رئاسية ثانية. على خطى الانتخابات الرئاسية المصرية التي أجريت قبل أشهر، استهل الديكتاتور سعيد، موعد إجراء الانتخابات الشكلية بحكم محكمة تونسية على المرشح الرئاسي زمال عياش، الثلاثاء الماضي، بالسجن 12 سنة، بتهمة تزوير توكيلات شعبية.

خرج آلاف المتظاهرين التونسيين، خلال الفترة الماضية، قبل أقل من شهر من الانتخابات الرئاسية التونسية، مرددين هتافات ضد قيس سعيد، الرئيس المنتهية ولايته، منها “قيس سعيّد دكتاتور” و”حريّات حريّات دولة البوليس انتهت” و”ارحل ارحل سعيّد”، وفق مراسل وكالة الأنباء الفرنسية.

ووصف المتظاهرون قيس سعيد، الذي يحاول الفوز بهذه الانتخابات، ب”المنقلب علي الديمقراطية”، متهمين إياه بالتضييق على منظمات المجتمع المدني، فضلا عن اعتقال السياسيين، منهم مرشحا لرئاسة الجمهورية، في ظل أوضاع اقتصادية متردية يعاني منها المجتمع التونسي.

وأصدرت المحكمة العليا في تونس، السبت الماضي، أمراً للهيئة العليا للانتخابات بإعادة إدراج إثنين من المرشحين في القائمة النهائية للمرشحين لانتخابات الرئاسية المقررة في 6 أكتوبر الجاري، محذرة من أن عدم القيام بذلك قد يعرض شرعية الانتخابات للخطر.

ورفضت الهيئة العليا للانتخابات، في وقت سابق من الشهر الماضي، قرار المحكمة بإعادة ترشيح عبد اللطيف مكي ومنذر زنيدي وعماد الدايمي قبل انتخابات السادس من أكتوبر، مشيرة إلى مخالفات مزعومة في ملفات ترشيحهم.

وظهر سعيد خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2019 باعتباره محافظًا اجتماعيًا مستقلاً مدعومًا من حزب النهضة وآخرين من مختلف الأطياف السياسية، ومن خلال برنامج شعبوي مع القليل من الحملات الانتخابية، سعى سعيّد إلى جذب الناخبين الشباب، وتعهد بمكافحة الفساد ودعم تحسين النظام الانتخابي.

فاز سعيد في الجولة الثانية من الانتخابات بنسبة 72.71٪ من الأصوات، متغلباً على منافسه الثري ومالك أحد القنوات الفضائية نبيل القروي، وأدى اليمين الدستورية كرئيس للبلاد 2019، و وعد الناخبين التونسيين بمحاربة الفساد وتحسين مستوى المعيشة، كما كان قبل ذلك من الذين صاغوا الدستور التونسي إبان ثورة الياسمين.

كشف حساب
ربما جاء فوز قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية في 2019 كتعبير شعبي لرفض الوضع القائم حينها، ففشل المرشحين الحزبيين فشلًا زريعًا في حصد أصوات الجماهير، لأنه وببساطة شديدة لم يتم حل أيًا من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي قامت من أجلها الثورة في 2010 و2011، حيث فشلت تلك الأحزاب، وعلى رأسهم حركة النهضة في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الجماهير التونسية.

حيث كان الاقتصاد التونسي يعاني من أزمات الركود، وسجل التضخم 7,5%، وهو أعلى مستوى له منذ ما يقرب من 30 عامًا. وما زال معدل البطالة عند 15% بشكل عام، رغم أنه يصل إلى 30% في بعض المناطق الأكثر فقرا، وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب 34%. أكثر من ثلث العاطلين شباب يحملون شهادات جامعية، وهو الأمر الذي كان قد لعب دورا رئيسيا في اندلاع ثورة الياسمين.

فيما جاءت نتائج الانتخابات خلال المرحلة الأولى كما يلي:
حصل مرشح حزب النهضة الإسلامي عبد الفتاح مورو، خلال المرحلة الأولى من الانتخابات، على 12,8%، بينما حصل مرشح حزب الرئيس المتوفى عبد الكريم الزبيدي، على 10% فقط، فيما حقق رئيس الوزراء وقتها يوسف الشاهد، الذي ترشح عن حزبه تحيا تونس (المنشق عن نداء تونس)، نتيجة أسوأ، حيث حصل على 7,3% فقط من الأصوات، كما حصل سعيد على أعلى نسبة وهي 18.4٪، فيما حصل منافسه في جولة الإعادة نبيل القروي على 14.48٪، وتمت الدعوة لانتخابات 2019 بعد وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي، البالغ عمره وقت وفاته 92 عامًا. وكان السبسي رمزا من رموز نظام بن علي البائد وقد أسس حزبه (نداء تونس) لإعادة تدوير بعض سياسيو النظام القديم.

وتفاقمت الأزمة الاقتصادية بعد جائحة كورونا، حيث انكمش الناتج المحلي لعام 2021، بنسبة 8.6٪، وانهار الوضع الصحي أيضا آن ذاك، حيث اعترف وزير الصحة بأن النظام الصحي قد “انهار”. ويعتبر عدد الأشخاص الذين قتلوا بسبب كوفيد 19 (الذي وصل إلى أكثر من 18000 حسب الأرقام الرسمية) من بين أعلى المعدلات في العالم بالنسبة لعدد السكان.

وفي مواجهة هذا الوضع الكارثي ومعدل التطعيم المنخفض للغاية، قررت الحكومة فتح مراكز تطعيم طارئة خلال عيد الأضحى. فاصطف آلاف الأشخاص لساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، إلا أنهم طُرِدوا في النهاية بسبب نقص اللقاحات.

وكان في الوقت ذاته لدى التونسيين شعور بالاستفزاز بالغضب من الصراعات بين الأحزاب في البرلمان، ومن المواجهة بين رئيس البرلمان راشد الغنوشي -زعيم حزب النهضة أيضا- والرئيس سعيد، مما يصيب السلطات العامة بالشلل. كان كل ذلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. فتمت الدعوة إلى احتجاجات جماهيرية مناهضة للحكومة في 25 يوليو 2021.

الانقلاب على الدستور
تظاهر التونسيون ضد قادتهم، وعلى رأس هؤلاء بالطبع حركة النهضة صاحبة الأغلبية ورئيس البرلمان وقيس سعيد، فما كان من قيس سعيد إلى اللجوء إلى قرارات استثنائية وتجميد البرلمان حيث قال في خطاب له: بعد اجتماع طارئ بقصر قرطاج مع مسؤولي القوى الأمنية، طبقا للدستور، اتخذت القرارات التي يتطلبها الوضع من أجل إنقاذ تونس والدولة والشعب التونسي، مضيفا: “نمر بلحظات دقيقة للغاية في تاريخ تونس.. الرئيس سيتولى السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يعين رئيس الدولة رئيسها”.

وأوضحت الرئاسة بعد ذلك، في بيان نشرته على موقع “فيس بوك”، أن تجميد البرلمان ساري المفعول لمدة 30 يوما، مضيفة أن الدستور لا يسمح بحل البرلمان لكنه يسمح بتجميد أنشطته، مستندة إلى الفصل 80 من الدستور، الذي يسمح بهذا النوع من الإجراء في حالة الخطر الداهم.

وأعلن الرئيس أنه يتولى مسؤولية السلطة التنفيذية بمساعدة الحكومة، التي سيرأسها رئيس جديد سيعينه، كما أعلن أنه سيرفع الحصانة البرلمانية عن النواب.
وبعد أكثر من 3 أعوام على استئثار سعيد بالسلطة لم يتغير شئ على المستوى السياسي، حيث الديمقراطية مجمدة واعتقالات للسياسيين ولم يتغير شئ على المستوى الاقتصادي، بل تسير الأمور إلى الأسوأ، حيث وصل معدل التضخم في العام الماضي 2023 إلى 9.3٪، وهو ما أثر بالطبع سلبيا على معيشة التونسيين.
استنتاجات

لم يكن ديكتاتور شعبوي طموح مثل قيس سعيد ليفكر في تمرير إجراءاته وانقلابه على الديمقراطية إلا بسبب فشل قوى التحول الديمقراطي في تلبية طموحات الشعب التونسي في العدالة الاجتماعية، حيث لم تر جماهير العمال والكادحين جديدا عن سياسات بن علي، ولم تر سوى صراعات الأحزاب البرجوازية والإصلاحية. سعيد يمثل محاولة قسم من الطبقة السائدة لتحقيق النظام والاستقرار، ووضع حد للجدل السياسي المستمر وتشرذم البرلمان، والرغبة في حكم البلاد بـ”يد قوية وثابتة من أجل مصلحة رأس المال.

ماذا عن اليسار التونسي؟!
عقب الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيد، عارض حزب العمال التونسي (حزب العمال الشيوعي التونسي سابقا) استيلاء سعيد على السلطة وذلك في بيان أصدره تحت عنوان: “تصحيح مسار الثورة لا يكون بالانقلابات وبالحكم الفردي المطلق”.

وأدان البيان حكومة النهضة المخلوعة، لتسببها في خراب اقتصادي وإفلاس مالي وتفشي الفساد والإرهاب والاغتيالات السياسية وإغراق البلاد في التبعية والمديونية وتدمير كل أركان حياة النساء والرجال التونسيات والتونسيين. معلنًا موقفه بأن التغيير المنشود لا يمكن أن يكون بمساندة انقلاب قيس سعيد، ولا بالتحالف مع حركة النهضة بأي عنوان كان.

إلا أنه بعد ذلك دعا الشعب التونسي إلى مواصلة التعبير عن مواقفه بالطرق السلمية ورفض دعوات التصادم، كما دعا كل القوى الديمقراطية والتقدمية، أحزابا ومنظمات وجمعيات وفعاليات وشخصيات، إلى التعجيل بالالتقاء حول آلية للتشاور من أجل صياغة تصور موحد.

وأما موقف الحزب من الانتخابات الجارية، فقد دعا إلى المقاطعة وقد انخرط الحزب في الدعوات المناهضة لسعيد.