النتائج الانتخابية في ألمانيا: تحول أكبر نحو اليمين

شهدت الساحة السياسية الألمانية تحولًا أكبر نحو اليمين بعد الانتخابات الفيدرالية التي أُجريت في ألمانيا في 23 فبراير.
بعد انهيار الائتلاف الحكومي السابق الذي ضم الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) وحزب الخضر (Grüne) والحزب الديمقراطي الحر (FDP) العام الماضي، سيطرت على الحملات الانتخابية التي سبقت الانتخابات مطالب عنصرية مثل زيادة الترحيلات وفرض المزيد من القيود على الهجرة.
وخلال الأشهر الماضية، أدى التحريض العنصري ضد المسلمين والعرب والفلسطينيين، الذي شاركت فيه فعليًا جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان، إلى تطبيع الخطاب السياسي لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، مما مهد الطريق أمام هذا الحزب الفاشي ليصبح ثاني أقوى قوة سياسية حاصدًا نحو 20.8% من الأصوات مقارنة ب10.4% في عام 2021.
أما الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) المحافظ، فقد حصل على 28.5% من الأصوات مقارنة من 24.1% في عام 2021، بينما تلقى الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) ضربة قاسية بحصوله على 16.4% فقط (انخفاضًا من 25.7% في عام 2021)، وكذلك حزب الخضر (Grüne) الذي حصل على 11.6% (انخفاضًا من 14.7% في عام 2021). أما حزب اليسار (Die Linke)، فقد حصل على 8.7% (ارتفاعًا من 4.7% في عام 2021).
في المقابل، لم يتمكن حزبين من تجاوز العتبة الانتخابية البالغة 5% لدخول البرلمان الألماني: حيث حصل الحزب الديمقراطي الحر (FDP) على 4.3% فقط (انخفاضًا من 11.4% في عام 2021)، في حين حصل “تحالف زارا فاجنكنخت” (BSW) على 4.97% من الأصوات. وأعلن هذا الحزب الذي انشق عن حزب اليسار وصوّت بشكل مثير للجدل مع كل من حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) والاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) لصالح فرض المزيد من القيود على الهجرة، أنه سيلجأ إلى القضاء للطعن في نتائج الانتخابات.
وسجلت نسبة المشاركة في التصويت ارتفاعًا غير مسبوق، حيث بلغت 82.5%، وهي الأعلى منذ عام 1987، عندما وصلت إلى 84.3%.
وبهذا ستكون مهمة تشكيل الائتلاف الحكومي بيد الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، الذي من المرجح أن يكون الائتلاف الحاكم مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، مما يمهد الطريق أمام فريدريش ميرتس، زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ليصبح المستشار القادم.
وقد أوضح ميرتس بجلاء موقفه على الساحة الدولية، فبينما يواصل تأجيج المخاوف من “المهاجرين” داخل ألمانيا، صرّح علنًا بأن أحد أول القرارات التي سيتخذها كمستشار سيكون انتهاك القانون الدولي عبر تجاهل مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو، ودعوته إلى برلين.
شباب مستقطب: الرأسمالية هي السبب
في شرق ألمانيا، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) نتائج أكثر تطرفًا، حيث تصدّر المشهد الانتخابي في عدة ولايات. فقد حصل على 37.3% من الأصوات في ساكسونيا، و38.6% في تورينجن، و37.1% في ساكسونيا أنهالت، و32.5% في براندنبورج، و35% في مكلنبورج-فوربومرن.
وفي الوقت نفسه، تكشف الإحصائيات الخاصة بتصويت الشباب عن حالة واضحة من الاستقطاب. فقد حصل حزب “دي لينكه” (Die Linke) المحسوب على اليسار على أعلى نسبة بين الناخبين الشباب (25%)، يليه حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) بنسبة 21%، بينما حصلت بقية الأحزاب على نسب أقل بكثير.
وعلى الرغم من أن ائتلافات تضم الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، والمحافظين المسيحيين (CDU)، وحزب الخضر (Grüne)، والحزب الديمقراطي الحر (FDP) قد حكمت البلاد لعقود، فإن مستوى المعيشة للطبقة العاملة الألمانية قد تدهور ماديًا، وخاصة في الولايات التي كانت جزءًا من ألمانيا الشرقية (جمهورية ألمانيا الديمقراطية سابقًا).
في أوقات الأزمات الرأسمالية، يميل الناس إلى البحث عن حلول تتجاوز الوضع القائم، وهو ما يستغله حزب “البديل من أجل ألمانيا” عبر طرح إجابات قومية متطرفة لا تخدم مصالح الطبقة العاملة بأي شكل من الأشكال. وبدلًا من تقديم حلول حقيقية، يعمد الحزب إلى تقديم كبش فداء مثالي—المهاجرين، والمسلمين، والعرب—لإيهام الناخبين بوجود مخرج من أزماتهم.
لا بد من النظر إلى حصول حزب “دي لينكه” اليساري الاصلاحي على 8.7% من الأصوات في هذا السياق أيضًا. فقد حصل الحزب بالكاد على نسبة لم تتجاوز 3% فقط العام الماضي، كما أن مواقفه المتساهلة تجاه الحرب في أوكرانيا والإبادة الجماعية في غزة جعلته لا يختلف كثيرًا عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) وحزب الخضر (Grüne). وفي كل حكومة ولاية شارك فيها، كان “دي لينكه” جزءًا من إدارة النظام الرأسمالي، من خلال المساهمة في سياسات التقشف، وتخفيضات الخدمات الاجتماعية، وعمليات الترحيل.
وتتجلى تناقضاته في البرلمان الأوروبي، حيث صوّت نوابه الثلاثة بشكل مختلف تمامًا في سبتمبر 2024 بشأن مسألة إرسال المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا: صوت أحدهم بالموافقة، والآخر بالرفض، بينما امتنع الثالث عن التصويت. وبهذا فقد “دي لينكه” مصداقيته تمامًا كحزب يعارض العسكرة.
ومع ذلك، اتجه العديد من الشباب في الأشهر الأخيرة إلى التصويت لحزب “دي لينكه”، ليس بالضرورة بسبب ما يمثله، بل بسبب ما لا يمثله. فمع تحريض جميع الأحزاب السياسية الكبرى تقريبًا ضد المهاجرين، أصبح “دي لينكه” الحزب الوحيد الذي لم يشارك في المطالبات بتجريم الهجرة أو تكثيف عمليات الترحيل.
ومع تبني أحزاب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وحزب الخضر، والحزب الديمقراطي الاجتماعي، والحزب الديمقراطي الحر، وتحالف زارا فاجنكنخت خطابات تكاد تكون متطابقة مع خطاب حزب “البديل من أجل ألمانيا”، أصبح “دي لينكه” بالنسبة للكثيرين البديل الوحيد المتاح في مواجهة المد اليميني. وعندما حاول الاتحاد الديمقراطي المسيحي في يناير تأمين أغلبية برلمانية لقانون مناهض للهجرة بالتعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا، خرج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع. وبالنسبة للعديد من المشاركين في الحراك المناهض لحزب البديل من أجل ألمانيا، كان “دي لينكه” يُنظر إليه باعتباره الصوت الوحيد في البرلمان الذي وقف بوضوح ضد الحزب الفاشي.
حتى داخل المجتمعات المهاجرة والدوائر الناشطة المؤيدة لفلسطين، اختار العديد التصويت لحزب “دي لينكه” لأسباب تكتيكية، سعياً لإيجاد صوت في البرلمان قادر على مواجهة عنصرية حزب “البديل من أجل ألمانيا”، رغم موقف “دي لينكه” الداعم لإسرائيل. في المقابل، فضّل البعض دعم الأحزاب الصغيرة المؤيدة لفلسطين، مثل “Mera25″، بينما قرر آخرون، رغم تعرضهم لهجمات بسبب مواقفهم المؤيدة لفلسطين من بعض أعضاء “دي لينكه”، التصويت للحزب ذاته.
نجاح حزب “البديل من أجل ألمانيا” يجب فهمه في سياق التحريض العنصري
أدت سياسات التقشف التي انتهجتها الحكومة الألمانية إلى تدهور أوضاع الطبقة العاملة الألمانية. حتى أن وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، اعترفت بذلك علنًا، مشيرة إلى أن الحكومة خفضت الإنفاق على البنية التحتية العامة، مثل المدارس ووسائل النقل العام، من أجل زيادة الميزانية العسكرية.
وللتغطية على حقيقة أن زيادة الإنفاق العسكري وتدهور الخدمات العامة لا يصب في مصلحة الطبقة العاملة الألمانية، لجأت الطبقة الحاكمة في ألمانيا مجددًا إلى الترويج لسردية أن المهاجرين هم المسؤولون عن جميع المشاكل المجتمعية.
إن استغلال الخطاب العنصري، الذي يُحمّل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاقتصادية الناجمة عن السياسات الرأسمالية القاسية، ساهم بشكل كبير في تعزيز مكانة حزب “البديل من أجل ألمانيا”، وهو الحزب الذي يدعو بنفسه إلى تخفيضات ضريبية ضخمة لصالح الأثرياء.
وخلال الأشهر الماضية، شارك التيار السياسي السائد في البرلمان في التحريض العنصري، ما سمح بتوسيع مدى تأثير حجج حزب البديل من أجل ألمانيا. وقد خلق هذا المناخ العنصري بيئة مواتية لنشر أفكار الحزب بشكل أوسع داخل المجتمع، حتى بين من كانوا يُعتبرون سابقًا جزءًا من “الوسط”.
الإبادة الجماعية في غزة والتحول نحو اليمين في المؤسسة السياسية الألمانية
إضافةً إلى ذلك، فإن الإجماع الكامل للمؤسسة السياسية الألمانية على دعم الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي وتجريم الحركة المؤيدة لفلسطين في ألمانيا قد خدم حزب “البديل من أجل ألمانيا” . ففي أكتوبر 2023، وبعد فترة وجيزة من السابع من أكتوبر، صوتت جميع الأحزاب في البرلمان الألماني، بما في ذلك حزب اليسار المؤيد للصهيونية (دي لينكه)، والاتحاد الديمقراطي المسيحي، والحزب الديمقراطي الاجتماعي، والحزب الديمقراطي الحر، وحزب الخضر، وحزب البديل من أجل ألمانيا معًا، ولأول مرة في التاريخ، على قرار يمنح دعماً كاملاً لإسرائيل. كما نص القرار على وجوب إلغاء تصاريح إقامة المهاجرين الذين يدعمون المقاومة الفلسطينية.
منذ ذلك الحين، دعمت جميع الأحزاب تقريبًا إجراءات قمعية ضد الحركة المؤيدة لفلسطين. فبعد أكثر من عام من الإبادة الجماعية في غزة، لا تزال الأحزاب الحاكمة في ألمانيا تدعم إسرائيل بلا شروط – عسكريًا وسياسيًا وأيديولوجيًا.
وفي خطاب لها أمام البرلمان الألماني في 10 أكتوبر 2024، قالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، من حزب الخضر:
“الدفاع عن النفس يعني، بالطبع، ليس فقط مهاجمة الإرهابيين، بل القضاء عليهم. لهذا السبب أوضحت تمامًا أنه عندما يختبئ إرهابيو حماس خلف الناس، خلف المدارس، فإننا نواجه أزمة معقدة للغاية، لكننا لن نتراجع. ولهذا السبب أوضحت للأمم المتحدة أن الأماكن المدنية يمكن أن تفقد وضعها المحمي لأن الإرهابيين يستغلونها. هذا ما تمثله ألمانيا، وهذا ما يعنيه لنا أمن إسرائيل.”
جاء هذا الخطاب بالتزامن مع مجزرة أخرى في غزة، حيث أُحرق المدنيون أحياءً في مستشفى الأقصى. أظهرت مقاطع فيديو مروعة مرضى مستلقين في أسرتهم داخل خيام المستشفى، غير قادرين على الحركة، بعضهم لا يزال موصولًا بالمحاليل الوريدية، بينما تلتهمهم النيران الناتجة عن القصف الإسرائيلي للمستشفى. بيربوك، من خلال تبريرها للهجمات الإسرائيلية على المناطق المدنية، تدعم عمليًا إحراق الفلسطينيين أحياءً وتضفي شرعية على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
وقبل أيام قليلة من خطاب أنالينا بيربوك، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز، من الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أمام البرلمان أن ألمانيا قد زودت إسرائيل بالأسلحة وستواصل القيام بذلك. تعد ألمانيا ثاني أكبر مصدر للأسلحة إلى إسرائيل بعد الولايات المتحدة، حيث توفر نحو 30% من الترسانة العسكرية الإسرائيلية.
دعم المصالح الإمبريالية عبر تأييد الإبادة الجماعية في غزة وقمع الحركة المؤيدة لفلسطين
لضمان مصالحها الإمبريالية من خلال دعمها غير المشروط للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، تسعى الطبقة الحاكمة الألمانية في الوقت ذاته إلى سحق الحركة المؤيدة لفلسطين داخل البلاد. ورغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 70% من الألمان لا يؤيدون ما تفعله إسرائيل في غزة، إلا أن النخبة الحاكمة تخشى أن يتحول هذا الرفض إلى معارضة فعلية للإنفاق العسكري أو شحنات الأسلحة. لذلك، لجأت إلى شن حملة قمعية شرسة ضد الحركة المؤيدة لفلسطين، مستخدمة الأدوات السياسية وآلة الدعاية الإعلامية البرجوازية لتشويهها وإضعافها.
ومن خلال التجريم والقمع، يتم تلقين الغالبية العظمى من الألمان أن كل من يدعو إلى تحرير فلسطين أو حتى مجرد إنهاء الإبادة الجماعية هو “إسلامي”، “معادٍ للسامية”، أو “إرهابي”. وكما أن الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة الحاكمة، فلا ينبغي أن نفاجأ بأنه، بعد عام من الإبادة الجماعية، لا تزال آلة الدعاية البرجوازية تكرر نفس السرديات التي روجت لها على مدى أكثر من عام، إن لم يكن لعقود، لأن دعم الكيان الصهيوني يصب في صلب المصالح الإمبريالية الألمانية.
لقد ساعد اتفاق المؤسسة السياسية على اعتبار التضامن مع فلسطين “دعاية إرهابية” في تقوية حزب “البديل من أجل ألمانيا”. ففي نوفمبر 2024، تم تمرير قرار حول “حماية الحياة اليهودية” في البرلمان، قُدم من قبل الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وحزب الخضر، والحزب الديمقراطي الحر، والاتحاد الديمقراطي المسيحي، وصوّت لصالحه حزب البديل من أجل ألمانيا أيضًا. وقد نص القرار على أن “معاداة السامية المستوردة من المسلمين” تشكل تهديدًا لألمانيا، كما دعا إلى ترحيل “المسلمين المعادين للسامية”.
وفي خطابها في البرلمان بعد التصويت، شكرت بياتريكس فون ستورش، النائبة عن حزب البديل من أجل ألمانيا، وحفيدة وزير مالية هتلر، حزب الخضر على تبنيهم أخيرًا مواقف حزب البديل من أجل ألمانيا بشأن “معاداة السامية المستوردة” من قبل المهاجرين المسلمين. إن حزب البديل من أجل ألمانيا هو من أشد المؤيدين لإسرائيل، وقد أعلن مرارًا وتكرارًا دعمه للإبادة الجماعية ضد غزة.
تستخدم المؤسسة الألمانية المسلمين والمهاجرين واللاجئين (خاصة أولئك النشطين في الحركة المؤيدة لفلسطين) ككبش فداء لصرف الانتباه عن المشاكل الحقيقية مثل التضخم المتزايد، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتدهور البنية التحتية – وهي المشاكل التي تتحمل الطبقة الحاكمة الألمانية مسؤوليتها. ومن هنا، يتم الترويج للسردية التالية: ليست الـ 100 مليار يورو المخصصة للإنفاق العسكري أو زيادة صادرات الأسلحة إلى إسرائيل بنسبة 10% هي المشكلة، بل المشكلة هي المهاجرون والمسلمون. وقد ساهم هذا التحريض في تعزيز قوة حزب البديل من أجل ألمانيا.
نحتاج إلى جبهة موحدة
يجادل الإصلاحيون، مثل حزب الخضر والحزب الديمقراطي الاجتماعي، بأنه يمكن هزيمة الفاشيين من خلال الانتخابات البرلمانية. لكنهم مخطئون. كما أن الدعوات لحظر حزب “البديل من أجل ألمانيا” هي أيضًا مضللة، لأن الدولة البرجوازية لا يمكن أن تكون شريكًا موثوقًا في النضال ضد الفاشية. فحظر الفاشيين لن يقضي على الأساس الرأسمالي الذي ينمو عليه الفاشيون.
يجب تحطيم الفاشيين في الشوارع. نحن بحاجة إلى حركة جماهيرية مستمرة، مدعومة من النقابات وائتلاف واسع من المنظمات، تعمل ضمن جبهة موحدة لمواجهة حزب “البديل من أجل ألمانيا” وحلفائه. لا يمكن أن تكون الاحتجاجات الفردية سوى نقطة انطلاق، بل يجب أن يواجه النازيون مقاومة جماهيرية أينما ذهبوا.
لقد رأينا مثالًا على ذلك في يونيو 2024، عندما اجتاح الآلاف من مناهضي الفاشية مدينة إيسن للتظاهر ضد مؤتمر حزب البديل من أجل ألمانيا. ومؤخرًا، في 11 يناير 2025، سافر الآلاف من مناهضي الفاشية إلى مدينة رييسا الصغيرة للاحتجاج على مؤتمر حزب البديل من أجل ألمانيا ومحاولة تعطيله. وتمكن المتظاهرون من تأخير انعقاد المؤتمر لمدة ساعتين، إلا أن البديل من أجل ألمانيا تمكن في النهاية من عقده، وتم انتخاب أليس فايدل، التي وصفت المتظاهرين بأنهم “نازيون باللون الأحمر”، كمرشحة الحزب لمنصب المستشار.
لقد تم تجريب مستوى العنف الشرطي المستخدم ضد المتظاهرين في رييسا على مدى 14 شهرًا في قمع المظاهرات المؤيدة لفلسطين، لا سيما في برلين. وأعرب صحفيون التيار السائد الذين كانوا في رييسا عن صدمتهم من عنف الشرطة، لكن نشطاء الحركة المؤيدة لفلسطين ردوا بأن ما حدث هناك لم يكن سوى جزء بسيط مما واجهوه بشكل أسبوعي من ضلوع مكسورة، عمليات نقل إلى المستشفيات، وعنف منهجي، فقط لأنهم طالبوا بتحرير فلسطين من الاستعمار الاستيطاني.
حزب البديل من أجل ألمانيا والصهيونية: توحيد النضال ضدهما
يعد حزب البديل من أجل ألمانيا حزبًا مؤيدًا للصهيونية. فقبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر الحزب في رييسا، صرّحت أليس فايدل، في مقابلة مع إيلون ماسك، بأن هناك “مؤامرة يسارية فلسطينية” تسير على خطى إرث هتلر المعادي للسامية، زاعمة أن هتلر كان في الواقع شيوعيًا.
قد يكون هذا التزييف التاريخي المقيت صادمًا، لكنه ليس مفاجئًا بالنظر إلى أن الفاشيين في حزب البديل من أجل ألمانيا يروجون منذ سنوات لفكرة أن المهاجرين المسلمين والعرب هم المسؤولون عن معاداة السامية في ألمانيا. الحزب لم يكتفِ بدعم الحرب الإبادية الإسرائيلية بلا شروط، بل ادعى أيضًا أن الديكتاتورية النازية مجرد “بقعة هامشية” في التاريخ.
كانت الاحتجاجات في إيسن ورييسا خطوات مهمة في الحشد الجماهيري ضد حزب البديل من أجل ألمانيا. ومع ذلك، يجب أن يكون هناك زخم متجدد نحو جهود تنظيمية على نطاق وطني. يجب علينا، كمناهضين للفاشية، أن نتحد في جبهة موحدة ونحاصر الفاشيين أينما ظهروا، إذ لا يكفي التركيز فقط على مؤتمرات حزب البديل من أجل ألمانيا.
نحن بحاجة إلى حركة جماهيرية مستمرة، مدعومة من النقابات العمالية وائتلاف واسع من المنظمات، تعمل ضمن جبهة موحدة لمواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا وحلفائه. لا يمكن أن تكون الاحتجاجات الفردية سوى نقطة انطلاق، بل يجب أن يواجه النازيون مقاومة جماهيرية أينما ذهبوا.
في الوقت نفسه، رأينا أن الإصلاحيين وحزب دي لينكه المؤيد للصهيونية غير قادرين وغير مستعدين لربط النضال المناهض للفاشية بالعمل المؤيد لفلسطين. يجب أن يرتبط الكفاح ضد الفاشية بشكل مباشر بالنضال ضد الإبادة الجماعية في غزة. يجب على الاشتراكيين الثوريين العمل للوصول إلى 70% من الألمان الذين لا يدعمون أفعال إسرائيل في غزة، والتي تسعى الدعاية البرجوازية إلى إبقائهم خاضعين وخائفين من الانضمام إلى الحركة المؤيدة لفلسطين.
إن الفاشيين في حزب البديل من أجل ألمانيا هم من أشد الداعمين للصهاينة داخل الدولة الإسرائيلية، كما أنهم في طليعة من يتهم المسلمين والعرب والفلسطينيين بأنهم مصدر “معاداة السامية المستوردة”، و”الإسلاموية”، و”الإرهاب”.
في الجبهات الموحدة المناهضة للفاشية، يجب أن نوضح كيف أن النظام الرأسمالي قائم على الاستغلال والاضطهاد، وأن الإبادة الجماعية في فلسطين تمثل مشروعًا تجاريًا مربحًا للرأسمالية الألمانية. إن التاريخ يثبت أنه عندما تدخل الرأسمالية في أزمة، يزدهر الفاشيون، والخطر الحقيقي لسيطرة الفاشية يزداد. فكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الحركات الفاشية أكثر استفادة.
في مثل هذه الجبهات الموحدة، يجب على الاشتراكيين الثوريين أن يوضحوا لماذا نحتاج إلى بديل ثوري، وأن يعملوا على كسب الجماهير إلى صفوفهم. لذا، يقع على عاتقنا كتنظيم مسؤولية بناء مقاومة مناهضة للفاشية من أجل الفلسطينيين والعرب والمسلمين، الذين يُستهدفون حاليًا بشكل مباشر من قبل اليمين المتطرف. هاتان الحركتان يجب ألا تكونا منفصلتين، بل يجب أن تتحدا بشكل عضوي في نضال مشترك.





