بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن جدوى المقاومة والبكاء على أطلال أوسلو

ربما تأخرت تلك الكلمات نحو عامٍ علي الأقل، وذلك لما شهدناه من مذابح وأهوال قد ارتكبها العدو الصهيوني في حق شعبنا الفلسطيني، مما أربك العقل ، ولعثم اللسان، وعقد اليدين.

منذ كنت طفلاً لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، في الأعوام الاولى للألفية الثالثة، والتي كانت حافلة بالأحداث المختلفة منها على سبيل المثال الانتفاضة الثانية والصورة الأيقونية الشهيرة للشهيد “محمد الدرة ” الذي كان طفلا من عمرنا، لطالما تكررت على مسامعي عبارة (الأرض مقابل السلام) وذلك في نشرات الأخبار المختلفة التي يعرضها التلفزيون المصري (نشرة التاسعة مساًء نموذجًا) يكاد لم يخلو تقريرًا واردًا من الأراضي المحتلة إلا ويتضمن تلك العبارة سالفة الذكر، لسخرية الأقدار ربما أو لعبثيتها أن تلك التقارير كانت تتضمن جرائم قد ارتكبها الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين سواء قتل وإصابة البعض أو أسر بعضهم أو حتي تهجير الفلسطينيين من أرضهم وبيوتهم.

فها هم الفلسطينيون تتآكل الأرض من أرجلهم بفعل الاستيطان، وقنابل الطائرات وقذائف المدافع تنهمر فوق رؤوسهم، والناجي منهم يمر بأعجوبة بين رصاصتين.

فلا نعموا بالسلام، ولا ظفروا بالأرض.

مرت السنوات سريعا حتى اشتعلت ثورة يناير 2011 التي كنا بصدد ذكراها منذ أسابيع والتي فتحت آفاقًا للوعي لجيلًا كاملًا، وأصبح هذا الطفل شابًا، وأدركت أن (الأرض مقابل السلام) لم تكن مجرد عبارة عابرة أو ضمن سكريبت موضوع سلفًا أو جملة إنشائية من وحي خيال المراسل، بل إنه خيارا سياسيًا لحركة فتح وهو اتفاقية أوسلو.

واليوم في وسط تلك المذابح يطل علينا من يشيد بحكمة من وقعوا علي أوسلو ويحمل المقاومة الدمار الشامل والمجازر التي ارتكبها الكيان في حق الفلسطينيين في غزة.

ولكن حسنًا

ما هي أوسلو؟
أوسلو هي اتفاق بين حركة فتح ومنظمة تحرير فلسطين من جهة وبين الكيان الصهيوني من جهة أُخرى يتضمن اعتراف الكيان الصهيوني بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني على مناطق الضفة وغزة (كسلطة حكم ذاتي) فيما تعترف المنظمة بالكيان الصهيوني لأول مرة وذلك بعد جولات عديدة من المفاوضات السرية بين الجانبين استمرت نحو عامين، لم يُشرك خلالها الشعب الفلسطيني في ايًا من جولاته بأي طريقة في اتفاق يحدد مصيره.

نتج عن ذلك الاتفاق سلطة فلسطينية أقرب ما توصف بأشد العبارات تهذيبًا هي مجرد وكيل أمني للاحتلال (شرطة صهيونية بثياب فلسطيني) بفعل ما يسمى بالتنسيق الأمني.

نتج عن اتفاق أوسلو تنازل منظمة التحرير عن 78% من فلسطين التاريخية وما بها من موارد، وقبلت بـ 22% فقط، وحتى ذلك فإن الاتفاقية لم تحافظ على القليل الذي قبلته قيادة منظمة.

هل توقفت الكارثة عند هذا الحد؟
بالطبع لا فعلى سبيل المثال كان عدد المستوطنين الصهاينة عام توقيع الاتفاقية 1993 كان 116 ألف مستوطن في الضفة أما عددهم في القدس فبلغ 144 ألف مستوطن، وبلغ عدد المستوطنين مطلع عام 2023 أي بعد 30 عاما من توقيع الاتفاقية 726 ألف مستوطن، ولا يزال هذا العدد مرشح للزيادة خاصة بعد هجمات الكيان الأخيرة،على طولكرم وغيرها من مناطق الضفة المحتلة والمثير للدهشة أن تلك الهجمات كانت بمساندة من أمن السلطة الفلسطينية (سلطة أوسلو) ذاتها.

جدوى المقاومة
أن لوم بعض المثقفين للمقاومة وتحميلها مسؤولية المذابح الذي ارتكبها الكيان الصهيوني في حق شعبنا الفلسطيني يتجاهلون سواء بعمد أو بجهل أمرين:
أولا أن من يقاوم يمارس حقه الشخصي، فهو طرد من أرضه وقتل أهله فهو يحاول استرداد أرضه ويثأر لأهله، وهو معنى المقاومة المجرد، أما من يساوم أو يفاوض فهو يتنازل عن حق غيره وهذا ليس من حقه.
الأمر الثاني أن الكيان الصهيوني ليس بحاجة لذريعة أو مبرر لارتكاب جرائمه تلك.

ولنتأمل ما حدث في السابع من أكتوبر وأثره على الكيان الصهيوني والتي في تقديري هي ضربة قوية في البنية الاقتصادية للكيان الصهيوني، قد يصل إلى أنه يكون تهديد وجودي للكيان الصهيوني، وربما هذا يفسر لنا جانباً من وحشية الكيان ورد فعله الغاشم والاجرامي.

الكيان يعتمد بشكل أساسي وكبير جدًا في ناتجه المحلي على تصدير تكنولوجيا الأمن، وذلك في آخر عقدين تحديدًا، وأود هنا الإشارة أيضا إلى نجاح ستة من الأسرى الفلسطينيين الهرب من سجن جلبوع في عام 2021 وهم:
زكريا الزبيدي، يعقوب قادري، محمد العارضة، أيهم كممجي، مناضل نفيعات. كان هروب أولئك الأبطال صفعة سابقة للكيان ونموذجه الاقتصادي. وبغض النظر عن إعادة الكيان اعتقال الأبطال الستة إلا أن هروبهم تظل صفعة قوية وكشف لمدي خواء وفساد الكيان من الداخل وأنه يمكن هزيمته بشكل أو بآخر.

جاء هجوم 7 أكتوبر أيضاً ليؤكد على الفكرة ذاتها فبرغم التحصينات و تكنولوجيا الأمن المراقبة شديدة التقدم نجحت العملية فيما تصبو إليه وحققت هدفها.

وللوقوف على حجم الخسائر التي مني بها هذا القطاع تحديدا فوفقا لـ CNN الاقتصادية في تقريرًا لها نشر 8 أبريل من العام الماضي أن اتفاقيات التخارج لشركات تكنولوجيا الأمن زادت بنسبة 65٪ عن عام 2023 بنحو يتجاوز 7 مليار دولار وهو ما يتجاوز نصف اتفاقيات التخارج في قطاع التكنولوجيا الفائقة بأكمله.

ويُعد قطاع التكنولوجيا الفائقة أحد القطاعات المحفزة للاقتصاد الإسرائيلي، ويعمل به 16 بالمئة من إجمالي عدد العاملين، ويمثل أكثر من نصف صادرات إسرائيل، كما يشكل القطاع أيضا ثُلث ضرائب الدخل ونحو خُمس الناتج الاقتصادي الإجمالي، وفقاً لبيانات بنك إسرائيل.

أضف إلي ذلك إلي تشويه سمعة السلاح الصهيوني على يد رجال المقاومة فباتت الدبابة ميركافا مثار للسخرية بعدما أظهر رجال المقاومة براعة شديدة في اصطيادها بقذائف محلية الصنع مثل الياسين 105، الجدير بالذكر أن سجلت صادرات الكيان من السلاح 12.5 مليار دولار لعام 2022 ربعها تقريبا لدول عربية عقب اتفاقيات التطبيع المبرمة في 2020.

ربما كانت زيادة صادرات الكيان في السلاح وتكنولوجيا الأمن أن لدى إسرائيل منظومة دفاعية واستخباراتية لا تقهر وما أثبته الطوفان عكس ذلك. مما يعني بشكل ما أو بآخر أن الاقتصاد الصهيوني مأزوما ومهددا بشكل وجودي.

أيضًا عملية السابع من أكتوبر كانت ضربة قوية في عمق وجوهر وعلة وجود واستمرار المشروع الصهيوني ، فالكيان الصهيوني كان يطرح نفسه ومنذ تأسيسه على أنه هو الضامن والحامي الوحيد لليهود والرادع لأعداء السامية في العالم وما حدث في 7 أكتوبر يؤكد أن الكيان بلا شك سوف تصبح مقتلة لليهود أنفسهم، وخاصة بعد استمرار الحرب لأكثر من 15 شهرًا.

اقول.. ليس بالضرورة أن فلسطين علي وشك التحرير أو الكيان علي وشك الانهيار بل باختصار شديد أن معركة التحرر يلزمها طول نفس وأقول إن الطريق لا يزال طويلاً، لكنها نقاط جيدة تحرزها المقاومة ووجب دعمها بكل الاشكال الممكنة، وتؤكد أيضا ضرورة ومركزية استمرار الكفاح المسلح، خاصة مع صعود ترامب ودعوته وإصراره على فكرة تهجير الفلسطينيين من غزة.