بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سودان الذهب والدم: خريطة المصالح الإقليمية والدولية في حرب بلا نهاية

“لم نكن نحلم بأن تصبح ثورتنا غنيمة تُقسم بين أنظمة الإقليم والعالم” هذه العبارة تلخص المأساة لثورة شعبية تحوّلت إلى سوق مفتوح للتدخلات الخارجية، حيث يتبارى الجميع لشراء النفوذ بأثمان تدفعها الجماهير بالجوع والعطش.

تستعرض هذه المقالة بعض التدخلات الإقليمية والعالمية التي تغذّي الحرب السودانية التي تدخل عامها الثالث بغرض إعادة ترتيب خارطة الثروة والسلطة في السودان لصالحها.

الإمارات وهي الفاعل الأكثر إدانة عالميًا ومحليًا في السودان لارتباطها بميليشات الدعم السريع وهي تمول الحرب مقابل الذهب حيث تقف أبوظبي خلف الدعم السريع مستفيدة من شبكة تجارية غير قانونية لتهريب الذهب وتزود الميليشيات بأنظمة طيران مسيرة تستخدمها الأخيرة لاستهداف البنى التحتية في مناطق تحت سيطرة الجيش السوداني كما حدث في استهداف مستودعات البترول في بورتسودان ومحطات الكهرباء التحويلة في امدرمان في مايو الجاري، الجدير بالذكر أن المسيرات قد انطلقت من قاعدة عسكرية تتبع لحلفاء للدعم السريع على ساحل البحر الأحمر في مستوى تشبيك وإمداد إقليمي ودعم متسق مع رصد 37 رحلة شحن جوي إماراتية محملة بالسلاح لميليشيات حميدتي بين يناير-مايو 2024.

على جانب آخر تلعب مصر دور حارس النظام القديم فالقاهرة تدعم الجيش السوداني عبر إمدادات السلاح، تدريب القوات الخاصة والضغط الدبلوماسي ضد أي عقوبات على الجيش لكن هذا الدعم المشروط يحمل في طياته إحياءً لتحالف “حلفاء مبارك” مع الإسلاميين السودانيين، وهي مفارقة تكشف تناقضات السياسة المصرية.

الولايات المتحدة بين تناقض قاتل فهي من ناحية تفرض عقوبات صورية على قادة الدعم السريع ومن ناحية أخرى تواصل التعاون مع الإمارات الممول الرئيسي للميليشيات كما كشفت وثائق الكونجرس عن استمرار الشركات الأمريكية في استيراد ذهب دارفور عبر وسطاء إماراتيين.

التنافس الخليجي حول ميناء بورتسودان جزء من الصراع والسعودية راعي الحل السياسي السوداني – سوداني استضافت منبر جدة في نسختيه الأولى والثانية وكانت بيانات الخارجية السعودية لوقت مصدر توقيت وطبيعة الهدنة للسودانيات والسودانيين الذين لم تخاطبهم الجنرالات. الرياض تدعم الجيش عبر “الصندوق السعودي للتنمية” والدوحة تمول جماعات موالية للجيش عبر قنوات “إغاثية”.
أما أنقرة كما هو حالها مع الكيان الصهيوني فهي ذات سياسية خارجية تفتقر لأي قيم فهي تدعم الجيش رسمياً عبر اتفاقيات دفاع وتستغل الأزمة لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر مع وعود من قادة الجيش بامتيازات للوصول إلى مناجم النحاس والذهب والفضة.
روسيا تعمل على تعزيز وجودها في أفريقيا مستغلة فراغ السلطة في غرب السودان ومقابل السلاح وفي فبراير 2025، أعلن وزيرا الخارجية الروسي والسوداني التوصل إلى اتفاق يسمح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان.

وفي ظل هذا الصراع الدولي، يتجاهل الغرب انتهاكات الطرفين، مكتفيًا بإدانات شكلية. فالأمم المتحدة، رغم توثيقها لفظائع الحرب، تفشل في فرض عقوبات حقيقية على ممولي الصراع، بينما تقتصر سياسة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تقديم مساعدات إنسانية، دون أي ضغط جاد لوقف تدفق الأسلحة.

ما يحدث في السودان اليوم هو نموذج صارخ لـ”الإمبريالية الجديدة” عبر تحويل الدول إلى ساحات حرب بالوكالة واستنزاف الموارد عبر اقتصاد الحرب وختامًا تصفية الحركات الثورية بذرائع أمنية.

اليوم في السودان لا يمكن الفصل بين النضال الوطني ضد العسكر والميليشيات، وبين النضال ضد الهيمنة الإقليمية والدولية. والسؤال الذي ينتظر إجابة: هل يمكن إعادة بناء جبهة مقاومة توحد الثوار السودانيين مع حلفائهم الإقليميين والدوليين ضد هذه الآلة الجهنمية؟ التاريخ وحده سيحكم، لكن الثمن يرتفع مع كل يوم تمر فيه هذه المأساة.

بالتزامن مع أوضاع معيشية بالغة السوء وصل سقف القمع حد منع أي نشاط سياسي معارض. ففي فبراير 2024، منعت السلطات الأمنية في عطبرة ندوة للحزب الشيوعي السوداني، كانت تهدف إلى مناقشة الأزمة السياسية، واعتقلت عدة أعضاء بالحزب.
هذه ليست حادثة معزولة، بل جزء من نمط متكرر: فكل صوت نقدي مدني يتم وصمه بالخيانة أو العمل لصالح “أجندات خارجية”.

السودان لم يعد مجرد دولة في أزمة، بل أصبح نموذجاً لكيفية تحول الثورات إلى كوارث، عندما تتدخل المصالح الخارجية وتتحالف مع النخب المحلية الفاسدة. الحراك المدني، الذي كان يوماً مصدر إلهام للثورات العربية، تمت تصفيته تدريجياً، إما بالقتل أو الاعتقال أو التشويه المعنوي.

لكن التاريخ يعلمنا أن القمع لا يقتل الأحلام إلى الأبد. فتحت الأنقاض، لا يزال السودانيون يحاولون الحفاظ على جذوة الأمل وغرف الطوارئ التي تطعم الآلاف اليوم في السودان بعد أن كانت تنسق المواكب والمسيرات بالأمس خير شاهد.

السؤال الآن ليس هل سينهض السودان من جديد، بل متى وكيف سيعيد بناء مقاومته بعيداً عن هيمنة العسكر والميليشيات، وبعيداً عن تدخلات الخارج. النضال من أجل سودان حر وديمقراطي لم ينته، لكنه يحتاج إلى تضامن أممي حقيقي. ففي عالم تتحكم فيه القوى الكبرى بمصير الشعوب، لا يمكن لأي ثورة أن تنتصر بين قوتين عسكريتين تتنازعان السلطة، وقوى إقليمية ودولية تستغل الأزمة لتعزيز نفوذها، بينما يُترك المدنيين والثوار ليواجهوا مصيراً قاتماً نسأل ضمير العالم وقواه الثورية الحية نحن ثوار وثائرات السودان.