مادلين: مقاومة في عرض البحر وفعل جسور ضد الإبادة

في الأول من يونيو الجاري أبحرت السفينة مادلين من ميناء كاتانيا في جزيرة صقلية، ضمن تحالف “أسطول الحرية” الذي خاض 35 محاولة سابقة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ عام 2007، حملت السفينة مساعدات إنسانية وكان على متنها 12 ناشطًا مدنيًا من حاملي الجنسيات الأوروبية.
سُمّيت السفينة باسم الصيادة الفلسطينية مادلين كلاب، أول فتاة فلسطينية تعمل في صيد الأسماك منذ عام 2014، والتي فقدت والدها في عدوان أكتوبر 2023، ثم دُمّرت قواربها في مارس 2025 على يد الاحتلال الصهيوني. بتكريمها، تحوّلت مادلين إلى رمز لصمود النساء الفلسطينيات.
رحلة السفينة لم تكن مغامرة ساذجة، فقد كان من على متنها يدركون أن الوصول إلى شواطئ غزة أمر محفوف بالمخاطر، خاصة بعد شهر واحد من استهداف الطائرات المسيرة الإسرائيلية لسفينة “الضمير العالمي” قبالة سواحل مالطا. رغم ذلك، قرروا الإبحار، واضعين احتمال اعتراضهم نصب أعينهم، ليس لأنهم يتوهمون كسر الحصار بأنفسهم، بل لأن هذا الفعل قد يشكّل خرقًا في الصمت الأوروبي، ويعيد قضية غزة إلى المشهد العام، ويحرج الحكومات المتواطئة أو المتواطئة بالصمت.
قبل أسابيع من استعداد مادلين للإبحار نحو غزة لكسر الحصار، كانت أجهزة الأمن المصرية تعتقل ثمانية شباب في 5 مايو الماضي، بسبب تعليق لافتات داعمة لغزة في أماكن عامة، من بينها مداخل جامعة القاهرة. الشباب، وبينهم طلاب جامعيون ومحامٍ حديث التخرج، وُجّهت إليهم اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، بحسب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، هؤلاء لم يحملوا قوارب، ولا عبروا بحارًا، فقط علّقوا لافتات.
ما تكشفه هذه المفارقة هو أن المقاومة، في جوهرها، لم تُقمع فقط في غزة، بل أُحكم عليها الخناق أيضًا في بلدان المنطقة العربية. محاولة مادلين ليست مجرد رحلة بحرية، بل تذكير بأن الحصار يُفرض بالمدافع على غزة، ويُفرض بالاستبداد والتواطئ على من يحاول كسره خارجها.
في مواجهة الإبادة، لا يكفي التضامن… بل الفعل الثوري.
إن الإبحار لكسر الحصار لم يعد كافيًا فسفينة “مادلين” التي أبحرت نحو غزة، ومعها قوافل الصمود التي تنظمها “تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين” بمشاركة آلاف المناضلات والمناضلين من أكثر من 50 دولة، ليست حدثًا رمزيًا. إنها فعل مقاوم يضرب عمق حدود الاستعمار الجديد، ويفضح وهم “السلام”، ويكسر خطاب التطبيع الذي أرادوا به تجريم المقاومة وزرع الهزيمة والخوف في مخيلة الشعوب.
فقد الاتصال بطاقم “مادلين” بعد أن حاصرتها زوارق الاحتلال الصهيوني، وصعدت قوات الاحتلال على متن السفينة واقتادت النشطاء الاثنا عشر، في عملية قرصنة متوقعة من كيان لم يقم إلا على جماجم الفلسطينيين، ويعيش على تحويل المجازر إلى مشاهد مكررة في شريط الأخبار، حيث يتظاهر العالم ويتأوه، ثم يصمت.
لكن “مادلين” لم تبحر فقط لكسر الحصار، بل لتمزيق الستار بين التضامن الشكلي والتواطؤ العملي، أبحرت لتعلن أن فك الحصار عن غزة ليس مطلبًا إنسانيًا فقط، بل مهمة ثورية، وشرط أساسي لتطهير العالم من عاره، من صمته، من شراكته في الإبادة.
إن التضامن الأممي مع فلسطين، منذ عقود، لم يكن يومًا مجرد تعاطف، بل نضال مشترك. كانت فلسطين عنوانًا أمميًا لمواجهة الإمبريالية والصهيونية، وجبهة مفتوحة ضد نظام عالمي لا يستقيم إلا بالنهب والاستعمار.
وكما تعلمنا الاشتراكية الثورية، فإن فلسطين لم تكن يومًا قضية قومية مغلقة، بل ساحة مركزية في معركة الشعوب ضد الإمبريالية، ومنارة لكل مناضل يرى في كفاح غزة مرآة لكل نضال آخر، ومثلما خاض مقاتلون غير فلسطينيين عمليات فدائية جنبًا إلى جنب مع الفلسطينيين، من مطار اللد إلى جنوب لبنان، فإن قافلة مادلين اليوم تستعيد هذه الروح. لا لأن المقاومة استعراضية، بل لأنها ضرورة تاريخية.
إن تحرر الشعوب لا يتجزأ. من غزة إلى الخرطوم، من رفح إلى الصحراء الغربية، من صنعاء إلى الكونغو، من لبنان إلى تشيلي… كل قضايا التحرر ترتبط ببعضها. وكل تواطؤ مع الإبادة في فلسطين هو تواطؤ ضد حرياتنا نحن أيضًا، فالأنظمة العميلة التي تفتح الأجواء للاحتلال وتغلق المعابر أمام الجرحى، لا تحمي “السيادة”، بل تحرس مخطط الإبادة، وتقتات على دماء الغزيين، أنظمة تعيد تشكيل الإنسان العربي ليصير مسخًا غير قادر على الغضب أو على الرفض أو الحلم.
لم تُبحر “مادلين” وحدها فكل من يحمل وعيًا أمميًا، وكل من يرفض أن ينجو وحده في عالم يغرق في الدماء، هو على متنها أيضًا، ويجب أن يتبعها آلاف السفن وأن تتجهز آلاف القوافل، أن تصير الحدود ممرات للغضب لا جدرانًا للصمت.
التضامن ليس شعارًا ولا صورة على وسائل التواصل. التضامن فعل سياسي، ثوري، مسؤولية جماعية، تبدأ من كسر التطبيع، وتمر بتفكيك النظام العالمي القائم على الإفقار والنهب، إن هذه لحظة اختبار، غربال ثوري يفرز الصفوف والمواقف، فلا حياد بين الإبادة والمقاومة، ولا مكان لمن يتفاخر باللامبالاة، أو يساوي بين الضحية والجلاد. هذه لحظة للفعل والتصعيد، وتغيير المعادلة، ولننظم “مادلين” أخرى كلٌ من موقعه.
فليكن طوفانًا بشريًا يرفع راية التحرر
ولتكن غزة بداية لإسقاط نظام عالمي قائم على الاستغلال والإفقار والاتجار بالحرب بينما يئن الناس جوعًا وعطشًا في غزة وغيرها.
*بقلم: فريدة حليم ونورا الرافعي





