ألمانيا تواصل تسليح الإبادة الجماعية في غزة

تُعد ألمانيا ثاني أكبر مُورّد أسلحة لإسرائيل، إذ إن ما يقارب 30% من جميع الأسلحة التي تصل إلى إسرائيل مصدرها ألمانيا. وفي أغسطس 2025، أعلن المستشار فريدريش ميرتس تصريحًا يقضي بوقف صادرات الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها الجيش الإسرائيلي في غزة. ومع ذلك، لا تزال الأسلحة تُسلم من ألمانيا إلى إسرائيل. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
إن إعلان ميرتس يحمل طابعًا من النفاق: فالحكومة الألمانية تواصل تزويد إسرائيل بالأسلحة التي تُستخدم في قتل الفلسطينيين. وقد أكدت المتحدثة باسم المؤتمر الصحفي الاتحادي أن تصريحات ميرتس تتعلق فقط بوقف التراخيص الجديدة لصادرات الأسلحة. أما تراخيص التصدير التي تمت الموافقة عليها بالفعل فلن تُلغى.
جميع تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل الصادرة حتى أغسطس 2025 (والتي بلغت قيمتها ما يقارب نصف مليار يورو بين أكتوبر 2023 ومايو 2025) لا تزال سارية. بمعنى آخر: ستظل الأسلحة الألمانية تُستخدم في قتل المدنيين في غزة. علاوة على ذلك، فإن تجميد التراخيص يقتصر فقط على الذخيرة الخاصة بالمدفعية والدبابات والأسلحة الخفيفة. أما تراخيص تصدير السفن الحربية فستستمر في الصدور، وكذلك التراخيص الخاصة بالسلع الأساسية الأخرى التي تحتاجها إسرائيل لحربها.
إذا كانت الحكومة الألمانية جادة حقًا في منع استخدام المعدات العسكرية في غزة بما ينتهك القانون الدولي، فيجب عليها أن تعلّق التراخيص القائمة لكل السلع المرتبطة بالحرب.
ويجب أن تكون مطالبنا أشمل وأكثر جذرية. يجب أن نطالب ليس فقط بوقف تسليم الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة، بل بفرض حظر كامل على الأسلحة. وهذا يعني إنهاء جميع شحنات الأسلحة والمعدات العسكرية من ألمانيا إلى إسرائيل، وكذلك وقف شراء أنظمة الأسلحة من إسرائيل إلى ألمانيا. علاوة على ذلك، يجب أن نطالب بالتحوّل من إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الإنتاج المدني. لا مزيد من الاقتطاعات الاجتماعية لتمويل الحرب، بل تخصيص الأموال للبنية التحتية الاجتماعية، والمدارس، والنقل العام، وليس لسياسة التسلح في ألمانيا وحلف الناتو.
ليس من السهل تتبّع أي من صادرات الأسلحة والمعدات العسكرية التي تُستخدم في غزة. فالتصريحات الصادرة عن الحكومة الألمانية متناقضة. فمن ناحية، زعمت الحكومة في الماضي أن الأسلحة الألمانية لم تُستخدم في غزة. وفي الوقت نفسه، أعلن ميرتس في 8 أغسطس ما يلي: “حتى إشعار آخر، لن تتم الموافقة على أي صادرات للمعدات العسكرية التي يمكن استخدامها في قطاع غزة”. وهذا يعني أن الحكومة الألمانية تدرك تمامًا أن الأسلحة الألمانية قد استُخدمت في جريمة الإبادة في غزة. لكنها لا تحدد ما هي هذه الأسلحة.
كما أن جزءًا كبيرًا من شحنات الأسلحة الألمانية إلى إسرائيل لا يتمثل في أسلحة مكتملة، بل في مكونات أسلحة تُجمّع لاحقًا في إسرائيل. ولذلك من الصعب تتبّع أي من هذه الصادرات يُستخدم وأين. ومن هنا نقول بوضوح: يجب أن تتوقف جميع صادرات الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل.
إن جرائم الحرب الإسرائيلية لا تقتصر على غزة. ففي الضفة الغربية ولبنان، أو في الهجمات على إيران وسوريا، تستخدم قوة الاحتلال الإسرائيلية الأسلحة لشن الحرب في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وزعزعة استقرار المنطقة. فعلى سبيل المثال، تلعب الغواصات الألمانية دورًا مهمًا في تمكين إسرائيل من خوض الحرب في المنطقة. لذلك، يجب ألا تُرسل أي أسلحة من أي نوع إلى إسرائيل.
كما يجب وقف استيراد الأسلحة الإسرائيلية. فألمانيا تشتري أنظمة دفاع صاروخي وطائرات مسيّرة من إسرائيل، على سبيل المثال. إن أنظمة الأسلحة التي تصدّرها إسرائيل تُختبَر على الفلسطينيين في “مختبر غزة”، ثم تُسوَّق بطريقة منحرفة. ويُعد استيراد أنظمة الأسلحة الإسرائيلية جزءًا من التوسع الضخم في التسلح بألمانيا، والذي يهدف إلى دفع البلاد إلى حرب فعلية، في إطار إعادة التسلح التي يقودها الناتو. لذا، يجب علينا أن نعارض ليس فقط تصدير الأسلحة، بل أيضًا استيرادها إذا كنا نريد سلامًا دائمًا.
ما زالت الإبادة الجماعية مستمرة، وحتى الآن لا تزال الأسلحة الألمانية تُستخدم في غزة لتنفيذ الإبادة الصهيونية ضد الفلسطينيين. في كل يوم، يُقتل الناس في غزة بأسلحة غربية، بل ويُقدَّم لذلك تبرير أيديولوجي في ألمانيا. ولهذا السبب سنواصل النزول إلى الشوارع حتى يُفرَض حظر على السلاح، وحتى تنتهي الإبادة الجماعية، وحتى تتحرر فلسطين!
إن الضغط السياسي المتزايد وحده هو الذي سيجبر الحكومة الألمانية على إنهاء دعمها للإبادة. فوقف الموافقات على شحنات الأسلحة الجديدة جاء نتيجة الضغط الهائل على تورط ألمانيا الواسع في هذه الجريمة. ولم يتراجع ميرتس عن دعمه الشامل لإسرائيل، بل أعاد التأكيد عليه. ولن يكون بمقدور الحكومة التراجع عن مسارها إلا من خلال تصاعد الاحتجاجات، التي وحدها يمكن أن تفرض وقفًا كاملًا لجميع شحنات الأسلحة.





