احتجاجات جيل Z في المغرب.. الاستبداد يحصد ما زرع

السبت 27 سبتمبر، الساعة الخامسة مساء، حديقة الجامعة العربية في مركز مدينة الدار البيضاء بالمغرب استقبلت زوارًا جدد، ليسوا كالأطفال الاعتياديين وأسرهم القادمين بحثًا عن بعض الهواء النظيف والسكينة بعيدًا عن تلوث المدينة وصخبها. الحديقة مطوقة بالكامل من عناصر شرطة التدخل السريع والقوات المساعدة، فضلا عن مئات المخبرين من كل أجهزة الاستعلامات، ومحاطين بمضخات المياه وتجهيزات أمنية أخرى.
التأهب والاستنفار كله لاستقبال محتجات ومحتجين نظموا أنفسهم في الشبكات الاجتماعية الجديدة، من قبيل Discord، خارج كل شكل تنظيمي تقليدي عهدناه في البلاد. مطالبهم؟ الصحة والتعليم، قطاعان راحا ضحية السياسات العمومية التي عرضتهما للخوصصة ولتدهور فعاليتهما. سخط عارم يغذي رغبة الشباب في الخروج للشارع: الدولة تبني أجمل ملاعب كرة القدم لكأس العالم، بينما تتوفر على أسوإ المستشفيات والمدارس. بالنسبة لجيل Z، المفارقة كانت القطرة التي أفاضت الكأس. « الصحة أولًا، لا نريد كأس العالم”.
يصر منظمو الاحتجاجات على أن حركتهم غير سياسية، وكانوا قبل خروجهم للشارع شبه متأكدين أن الدولة ستتعاطى معهم بإيجابية شبه أبوية، وذلك لمشروعية مطالبهم الاجتماعية. « يقولون أن الدستور يكفل حق الاحتجاج” يقول أحدهم على منصة ديسكورد، بينما الآخر يؤكد على الطابع اللا سياسي لحركتهم، والحقيقة هي أنه جيل لطالما عملت الدولة على فك ارتباطه بسابقاته من التجارب السياسية والاحتجاجية. ربما هنا تكمن المفاجأة: فاحتجاجات يومي السبت والأحد، التي تعرضت كلها للقمع والتنكيل واعتقال الشباب المتظاهرين واتهامهم بتهم ثقيلة، كانت احتجاجات غير متوقعة وغير محسوبة للأجهزة القمعية المغربية.
حركة 20 فبراير (2011)، وحراك الريف (2016-2017)، تعرضا لاحتواء وقمع شديدين رسخا قناعة عميقة لدى الدولة أنها تجارب لن تعيد نفسها نظرًا لكلفتها الثقيلة على المواطنات والمواطنين. ما لم يأخذوه بالحسبان، هو تدهور الشروط المفضية إلى الاحتجاج، وبالخصوص معدل البطالة في وسط الشباب الذي وصل إلى 48 بالمائة حسب اخر إحصائيات بنك المغرب.
ربيع مغربي، من دون أخطاء الربيع العربي؟
كما انطلق الربيع العربي من تونس وكانت شرارته إضرام الشهيد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجًا على الإهانة البوليسية، انبعثت نصف الاحتجاج من مدينة أكادير جنوب المغرب، حيث توفي ما يقارب عشرة نساء دخلوا مستشفى المدينة العمومية لإنجاب أطفالهم. السخط الذي ولده هذا الحادث التراجيدي، والذي دفع بسكان أكادير للخروج للشارع فورًا بعد ذلك، زادت من حدته عجرفة الدولة وممثليها، وهي إهانات استبطنها المواطنون والمواطنات كما يخزن الإنسان الضغينة. إهانات كان أولها توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل عكس إرادة أغلبية الشعب المغربي الساحقة، ثانيها الانتهاء من بناء معدات وملاعب كأس العالم 2030 قبل إعادة إسكان ضحايا ولاجئي زلزال منطقة الحوز الفقيرة جدًا غير المعنية أصلا بأحداث الحدث الكروي الذي ستدور أحداثه في كبرى المدن، واخرها استعمال الحكام والوزراء للهجة متعالية محتقرة لمطالب الأهالي البسيطة، كما فعل وزير الصحة عند زيارته لمستشفى أكادير: « من يعاني مشكلا فاليزرني في العاصمة”. الرباط، عاصمة المغرب، تبعد عن أكادير بـ 600 كم.
القمع المبالغ فيه الذي واجه الشباب نهاية الأسبوع الأخيرة، بدل أن يعدلهم عن الرجوع للشارع، كان له الأثر العكسي تمامًا. أول ما قرره الشباب في مجموعاتهم العامة الافتراضية التي تضم أحيانًا أكثر من 1500 مشارك-ة، هو، وعكس حركة 20 فبراير التي كانت تحتج أسبوعيًا في 2011، أن يخرجوا يوميًا للشارع. تعبيرهم ليس عن المطالب فقط، بل لفضح سلوك دولة غير قادرة على استيعاب مطالب بسيطة، الأمر الذي يعني أن كل الوعود كاذبة. هكذا، فهم الشباب أنهم ليسوا لا سياسيين فقط، بل هم التعبير الأسمى عن الممارسة السياسية في البلاد.
المغرب على بعد شهرين من تنظيم كأس إفريقيا في ديسمبر القادم. المسؤولون في صراع ضد الزمن لإطفاء غضب هم أول من أشعلوه وزادوا في تغذيته نهاية الأسبوع الماضي. الاعتقالات بدورها زادت من تأزيم الوضع ولا يبدو أن للدولة حلًا سحريًا فوريًا غير السياسة القمعية، في وجه شباب لم يعد لهم ما يخسروه، ولعل أجمل دليل على ذلك ملامح وجوههم-هن والبوليس يقتادهم إلى المخافر: شجعان، بلا خوف، فخر كبير واعتزاز. كأنهم يقولون لجلاديهم “نحن لا نهابكم بعد اليوم، وإن اعتقلتني سيأتي بعدي الكثيرون والكثيرات”.
الإعلام العمومي جاءته تعليمات بعدم نقل المعلومة، والصحافة البلطجية حركت آلة التخوين ضد الشباب. في المقابل، هذا الجيل نال إعجاب الأوساط الفنية، وبالخصوص فناني الراب والهيب هوب، الذين اعتقل بعضهم.
أخطاء الدولة القاتلة (لها)
اختيار القمع بدل التعامل الأبوي الاعتيادي مع حركات احتجاجية تعلن منذ البداية أنها ليست جذرية وليس هدفها إسقاط النظام رمى هذا الجيل إلى خلاصة، وإن هي لازالت تختمر، وهي أنه المشاكل ليست قطاعية، وحلولها ليست تقنية أو ترقيعية. هو مشكلة تصور، ومشكلة ديمقراطية عميقة، حله الوحيد إشراك جميع فئات الشعب في القرار السياسي ليلبي هذا الأخير أولويات الشعب من حاجيات ومتطلبات أساسية.
الاتهامات بزعزعة الاستقرار، وأن السياسة تمر من الصناديق الانتخابية والأحزاب، إن كانت تنفع الحاكمين مع الجيل السابق، فهي اليوم عند هذا الجيل مجرد أوهام تستعمل للتنويم. بالتالي، لم يبق للسلطة في المغرب أي شكل من أشكال الوساطة مع المجتمع لإنهاء أزمة بهذا الحجم، ما عدا تغيير حقيقي يشمل كل الوعود التي يرى تطبيقها النور بدون تلاعب والتفاف.
الأيام القادمة ستكون مفيدة جدا لفهم تطور الصراع، ولكن وجب الوعي أن ما تعيشه البلاد حاليًا أزمة حقيقية عميقة تضرب في توازن السلطة الحقيقية، يعني الملكية. وأخيرًا، هذا الجيل يستعمل السخرية كثيرًا كأداة للتعبئة. سأل أحدهم “أين الملك، لماذا لا يتفاعل مع احتجاجات السبت والأحد؟” فأجابه رفيقه “الملك لا يشتغل الويكاند”.
المقال بقلم الناشط المغربي يحيى شيخ العرب





