كيف تفتح أزمات نظام السيسي فرصًا للعمل السياسي
رؤيتنا: نظام بلا هياكل شعبية في عالم متزايد الأزمات

يجد نظام السيسي نفسه في أزمة اقتصادية مستمرة، يسعى لمواجهتها عبر بيع أصول وأراضي الدولة، ورفع الدعم، وتهجير السكان، وتعويم الجنيه، مع تصاعد غير مسبوق في القمع. ومع ذلك، فإنه يفتقد لبناء توازنات داخلية كما فعل نظام مبارك سابقًا، سواء عبر الحزب الوطني وعلاقته بالجماهير، أو من خلال التفاوض مع معارضة كـ الإخوان، أو عبر التوازنات بين الأجهزة الأمنية أو المحاولات الإصلاحية لتخفيف من حدة الغضب الشعبي. ولا يمكن فهم أزمات نظام السيسي بمعزل عن التحولات العالمية الكبرى التي مر بها النظام الرأسمالي منذ التسعينات وحتى اليوم. يجد النظام نفسه في وسط أزمات عالمية اقتصادية وحروب وإبادة في غزة وصراع امبريالي يهدد التوازنات العالمية والإقليمية القائم عليها.
اختلال هذه التوازنات يفتح آفاق ممكنة للعمل السياسي ولفهمها ننظر للأزمات العالمية والمحلية من خلال مقال على جزئين: يبدأ الأول من التسعينات وصولاً إلى حكم السيسي والجزء الثاني على فترة العقد الثالث من الألفية منذ الجائحة وحتى حرب أوكرانيا والإبادة في غزة.
1. التسعينات: هيمنة الليبرالية الجديدة
شهد النظام الرأسمالي العالمي تحولات كبرى في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وقد ازدادت سرعة هذه التحولات في العقد الأخير. كانت التسعينات مختلفة نوعياً عن فترتنا الحالية. كان عالم التسعينات عالم ذو قطب واحد على مستوى القوى الامبريالية. وكانت الأفكار الليبرالية الجديدة والعولمة الرأسمالية تهيمن بشكل كبير في مختلف أنحاء العالم. وكانت هناك أيضًا، على المستوى الأيديولوجي ما بدا أنه هزيمة نهائية لما عرف بالبديل الاشتراكي في شكل الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية. وبدأ بعض المفكرين في الغرب يتحدثون عن “نهاية التاريخ”، وعن كون الرأسمالية الغربية والديمقراطية البرلمانية وحرية السوق هي ركائز مستقبل البشرية كلها وأن كل المشاريع المنافسة قد انتهى بها الحال في مزبلة التاريخ.
وقد تبنت الأنظمة في عالمنا الثالث، واحد تلو الآخر، سياسات ما عرف بإجماع واشنطن (الخصخصة، التقشف، تحرير لأسواق، الاندماج في السوق العالمي). وكان ذلك بغض النظر عن طبيعة تلك الأنظمة، سواء كانت “اشتراكية”، “ليبرالية”، “إسلامية”، “شيوعية”، “ملكية”، أو عسكرية. كلن يعني كلن كما يقول اللبنانيين. ومن جانب آخر بدت الهيمنة الأمريكية، على المستوى العسكري والجيوسياسي، بل والاقتصادي، هيمنة مطلقة. انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه الكتلة الشرقية، واستمرار التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا، وعدم وجود أي منافس حقيقي للإمبريالية الأمريكية لم تكن الصين تمثل تهديدًا يذكر في التسعينات، لا على المستوى الاقتصادي أو العسكري. ولكن سرعان ما تكشف للجميع أن التاريخ لم يكن قد انتهى، وأن الرأسمالية لم تكن قد تجاوزت أيًا من تناقضاتها.
2. بداية الألفية: عودة الأزمات والحروب والمقاومة
ظهرت أول الشروخ في نظام ما بعد الحرب الباردة في عامي 1997 و 1998 عندما دخلت بلدان جنوب شرق آسيا في أزمة مالية طاحنة (تلك الأزمة التي أطاحت بنظام الجنرال سوهارتو في إندونيسيا). وقد امتدت تلك الأزمة لتشمل روسيا والبرازيل وكادت أن تتحول إلى أزمة عالمية لولا تدخل كبرى البنوك المركزية لوقف النزيف. وفى بداية الألفية الجديدة دخلت الرأسمالية الأمريكية في أزمة جديدة مع انفجار فقاعة” أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى (Dot com bubble)،” بعد توقعات وردية حول دخول العالم عصر جديد بسبب تكنولوجيا الإنترنت، متجاوز التناقضات القديمة” للرأسمالية الصناعية. (نفس ما يقال الآن حول الذكاء الاصطناعي). وقد تزامن مع هذه الأزمات ميلاد حركات سياسية واجتماعية جديدة معادية للعولمة الرأسمالية والليبرالية الجديدة والمؤسسات المالية العالمية (البنك والصندوق الدوليين) التي تفرض تلك السياسات على شعوب العالم (ما عرف بحركة مناهضة الرأسمالية). وقد جذبت تلك الحركة مئات الآلاف من الشباب في مظاهرات ومؤتمرات حاشدة في السنوات الأولى من القرن الجديد.
وجاءت الحروب الأمريكية في أفغانستان ثم العراق لتثبت للجميع أن عالم ما بعد الحرب الباردة كان ما يزال هو نفسه عالم الإمبريالية القائم على صراع الهيمنة على الموارد والثروات بترول الشرق الأوسط في هذه الحالة. وقد فجرت تلك الحروب الجديدة أكبر حركات يسارية مناهضة للحرب والإمبريالية منذ حرب فيتنام في ستينات القرن الماضي. وقد اندمجت في الواقع حركات مناهضة الرأسمالية مع حركات مناهضة الحرب، وفي القلب منها اليسار الراديكالي.
3. التغيير طويل المدى في التوازن بين القوى الامبريالية
كان أهم تغيير طويل المدى يعصف باستقرار عالم ما بعد الحرب الباردة هو الصعود السريع للصين كقوة اقتصادية وعسكرية عملاقة. لم يكن أحد يتوقع سرعة ذلك التحول النوعي والكمي للرأسمالية الصينية. كانت الصين حتى بداية تسعينات القرن الماضي تمثل أقل من 1% من إجمالي الناتج العالمي، وخلال عقدين وصلت تلك النسبة إلى حوالي 20%. وبالطبع، مع التحول الاقتصادي، جاءت القوة العسكرية، حيث قفزت الميزانية العسكرية للصين من أقل من نصف مليار دولار في بداية التسعينات إلى أكثر من 300 مليار دولار اليوم.
لابد أن ينظر إلى صعود الصين في سياق التراجع النسبي طويل المدى لهيمنة الاقتصاد الأمريكي عالمياً. كان الاقتصاد الأمريكي يمثل في أعقاب الحرب العالمية الثانية حوالي 50% من إجمالي الناتج العالمي. وقد تراجعت تلك النسبة في ستينات وسبعينات القرن الماضي مع الصعود الاقتصادي لألمانيا الغربية واليابان، ثم مع الصعود التاريخي للصين في العقود الثلاث الماضية، حيث أصبح الاقتصاد الأمريكي يمثل حوالي 25% من إجمالي الناتج العالمي. هذا لا يعني بالطبع أن الإمبريالية الأمريكية لم تعد القوة العظمى الأكبر والأقوى في العالم. لابد أن نتذكر أن الدولار الأمريكي ما زال سيد الاقتصاد العالمي ولا زال بلا منازع العملة الرئيسية في كافة مجالات التجارة العالمية والمخزون الاحتياطي الأهم في كل البنوك المركزية العالمية. ولابد أن نتذكر أيضاً أن الميزانية العسكرية الأمريكية، والتي تقترب اليوم من تريليون دولار أمريكي سنوياً، مازالت بعيدة عن المنافسة (الصين – 300 مليار، روسيا – 100 مليار). وعلى المستوى الاقتصادي والتكنولوجي، فلازالت الشركات الأمريكية العملاقة في الصدارة عالمياً (أمازون، جوجل ،آبل، نفيديا، تسلا، فيسبوك، الخ.). ولكن من البديهي أن هذا التفوق لا مستقبل له إذا استمرت الرأسمالية الصينية في صعودها بمعدلات مثل التي شاهدناها في العقود الثلاث الماضية. كانت الإمبريالية الأمريكية قد تحكمت في الصعود الألماني والياباني السابقين بحكم الحماية العسكرية الأمريكية خلال الحرب الباردة، ولكن الصين مستقلة تماماً على هذا الصعيد.
4. أزمة 2008 والركود الكبير
جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 والركود الكبير الذي تلاها لتشكل أكبر أزمة اقتصادية تواجهها الرأسمالية العالمية منذ ثلاثينات القرن الماضي، محطمة لكل الآمال التي كانت قد عقدت على العولمة والليبرالية الجديدة تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية. لن ندخل هنا في تفاصيل تلك الأزمة الكبرى، ولكنها كانت بحق نقطة فارقة في تاريخ الرأسمالية العالمية.
لنتذكر أن الخطاب السائد منذ التسعينات كان يفترض أن أزمات بهذه الخطورة لم تعد ممكنة الحدوث، وأن الرأسمالية في مرحلتها الجديدة تكنولوجيا المعلومات، عولمة سلاسل القيمة، وحرية الإنتاج، واندماج الأسواق قد تجاوزت نهائياً تلك التناقضات التقليدية المؤدية لمثل هذه الأزمات الهائلة. لم يتم تجاوز تلك الأزمة إلا بتدخل واسع النطاق للدول الكبرى في الاقتصاد بالدعم لكبرى الشركات، بل والتأميم لبعضها منتهكة بشكل فج حرية الأسواق وتراجع دور الدولة وكل تلك المبادئ التي كانت قد أصبحت مقدسة منذ التسعينات. ولكن في نفس الوقت ظلت سياسات التقشف وتقليص الانفاق الاجتماعي كما هي، بل أصبحت أكثر ضراوة بحكم الركود وارتفاع معدلات البطالة.
5. صعود اليمين واليسار وانهيار نموذج العولمة والليبرالية
كانت إحدى نتائج تلك الأزمة وتبعاتها هي بداية انهيار نموذج الليبرالية الجديدة والعولمة عالمياً على المستوى السياسي والايديولوجي. وصعدت حركات سياسية على اليمين وعلى اليسار تتحدى ذلك النموذج وتعبئ قطاعات من الجماهير الغاضبة في مواجهته. صعدت حركات يمينية شعبوية متطرفة في غالبية البلدان الرأسمالية الغربية. بدأت تلك الحركات في استثمار الغضب الجماهيري لعقدين من الليبرالية الجديدة والعولمة. وكان الخطاب لليمين الصاعد بسيطاً في مكوناته الرئيسية تلك السياسات التي تبنتها أحزاب الوسط من اليمين واليسار كانت كارثية بالنسبة لغالبية “الشعب”. فقد تسببت في انهيار الصناعات الوطنية أمام المنافسين الأسيويين، وقد تسببت أيضاً في موجات من الهجرة من العالم الثالث إلى أوروبا والولايات المتحدة (“المسلمين” إلى أوروبا و “اللاتينيين” إلى أمريكا). هؤلاء لم يكتفوا بخطف وظائف ومكتسبات الطبقات العاملة البيضاء، بل نشروا الجريمة والمخدرات والإرهاب والتخلف، إلخ…
تمكن اليمين الشعبوي من بلورة رؤية عنصرية شوفينية معادية للأيديولوجيات الليبرالية السائدة. وقد اندمجت تلك الرؤية مع تيارات رجعية معادية للحريات الشخصية والمتمسكة بالتقاليد العائلية التقليدية والمعادية بشكل عنيف ليس فقط للمهاجرين ولكن أيضاً لحقوق المرأة (خاصة الإجهاض)، والمثلية الجنسية والترانس، بل ولكل المكاسب التي كانت المرأة والأقليات الجنسية قد حققتها من خلال خمسة عقود من النضال. كان هناك أيضاً صعود لليسار وإن لم يكن بنفس النجاح الجماهيري لليمين الشعبوي. فعلى المستوى الفكري كانت هناك عودة الأفكار وكتابات كارل ماركس، خاصة حول الأزمات الرأسمالية، وللكتابات الماركسية بشكل عام حول علاقة الرأسمالية بالحروب، والدمار البيئي والفقر. وعلى المستوى السياسي كانت هناك بعض النجاحات لتجارب انتخابية يسارية مثل حركة بوديمس في إسبانيا وحزب سيريزا في اليونان وحزب اليسار في ألمانيا، ومحاولات شبيهة في بلدان أخرى بدرجات متفاوتة من النجاح. ولكن تلك الموجة اليسارية لم تصل أبداً إلى درجة نفوذ وجماهيرية اليمين الشعبوي.
ولا يمكننا فصل اندلاع الثورات العربية في 2011 عن سياق الأزمة الرأسمالية العالمية وتبعاتها. فكما أوضح لينين، دائماً ما تحدث الشروخ في أضعف حلقات النظام. ومصر، بشكل خاص، والمنطقة العربية بشكل عام ، كانت ولا زالت إحدى أضعف تلك الحلقات.
6. من العالمي إلى المحلي: تغير التركيبة السياسية والاجتماعية للعمل السياسي
شهد الوضع داخلياً فى مصر تحولات غيرت من شكل وطبيعة التركيبة السياسية والاجتماعية وبالتالي غيرت الكثير من شروط وظروف العمل السياسي. كان استقرار نظام حسني مبارك يقوم على عدة ركائز أساسية، وقد انهارت كل هذه الركائز مع زلزال الثورة والثورة المضادة بين 2011 و 2013. وقد كان الحزب الوطني الديمقراطي أهم هذه الركائز. كان لهذا الحزب جذور تاريخية عميقة، فقد كان الامتداد الطبيعي للاتحاد الاشتراكي الذي أنشأه عبد الناصر في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وكان لهذا الحزب قاعدة واسعة من العضوية كانت تقدر بأكثر من مليوني عضو وشكلت تلك العضوية تواجداً فعالاً للحزب في كل قرية ومركز وحي ومدينة في البلاد.
هذا الحزب السياسي الجماهيري الحاكم كان بمثابة وسيط بين النظام وقطاعات واسعة من الجماهير – من الفلاحين في الريف إلى البرجوازية الصغيرة في المدن، ومن عمال وموظفي القطاع العام والحكومة إلى رجال الأعمال المحليين. ورغم كون هذا الوسيط غارقاً في الفساد ويتداخل دوره مع دور الأجهزة الأمنية، فقد ظل يشكل حزام أمان أساسي للنظام. كانت الركيزة الأساسية الثانية، ويا لسخرية القدر، هي جماعة الإخوان المسلمين، كانت تلك الجماعة بالطبع التنظيم المعارض الأكبر والأهم في البلاد، ولكنها كانت أيضاً بحكم إصلاحيتها وطابعها الرجعي والمهادن، ودورها الاجتماعي الخدمي والخيري، وجذورها الممتدة والعابرة للطبقات كما في حال الحزب الوطني، تلعب دور صمام أمان للنظام. فهي كجماعة معارضة عبرت عن غضب وطموحات قطاع من الجماهير (خاصة الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة)، ولكنها في نفس الوقت تستوعب ذلك الغضب وتلك الطموحات في أطر إصلاحية لا تهدد النظام.
وقد شكل ذلك التوازن الدقيق بين حزب حاكم جماهيري وجماعة معارضة إصلاحية عاملاً شديد الأهمية في استقرار واستمرار نظام مبارك منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي وحتى سنواته الأخيرة. ولكن لماذا لم تستمر تلك المعادلة الناجحة؟ كان استمرار تلك المعادلة يستلزم نمواً اقتصادياً يسمح باستيعاب الجماهير في أطر إصلاحية. ولكن ما سمي بالإصلاح الاقتصادي، خاصة في الفترة من 2004 ، ومع حكومة نظيف وصعود جمال مبارك، قد أدى إلى انهيار في مستوى معيشة قطاعات واسعة تحت تأثير سياسات التقشف وتراجع الدور الخدمي للدولة.
كانت هناك ركيزة ثالثة لعبت دورها أيضاً في إطالة أمد الحقبة المباركية وقد تمثلت في التوازن الدقيق بين أجهزة الدولة الأمنية والسيادية – أي الجيش والشرطة والرئاسة. كان التنافس والتناحر بين هذه الأجهزة يمثل أحد التحديات الرئيسية لنظام عبد الناصر في الخمسينات والستينات، وقد تجسد ذلك في الصراع المرير بين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر والأجهزة التي كان كل منهما يسيطر عليها. وقد تمكن أنور السادات وحسني مبارك من بعده من خلق توازن جديد بين الرئاسة من جانب وبين أجهزة وزارة الداخلية والجيش من الجانب الآخر. كانت هناك بالطبع فترات من التوتر قبل حرب أكتوبر بالنسبة للسادات، وخلال تولي المشير أبو غزالة وزارة الدفاع بالنسبة لمبارك، ولكن بشكل عام مثلت فترة مبارك تراجع الدور السياسي المباشر للجيش في مقابل مكاسب اقتصادية (صناعات حربية، مشاريع مدنية، مناصب مدنية للقيادات المتقاعدة، إلخ) وتضخم دور وزارة الداخلية وخاصة جهاز أمن الدولة، مع استقلالية نسبية للرئاسة.
وقد عصفت ثورة 2011 وما تلاها بكل تلك الركائز السياسية والأمنية. ثورة يناير 2011 حطمت الحزب الوطني الديمقراطي بلا رجعة، والانقلاب العسكري في 2013 وما تلاه من ثورة مضادة قضى على وجود الإخوان المسلمين سواء السياسي أو الاجتماعي أو حتى الدعوي. ومن جانب آخر لم يتمكن السيسي منذ انقلاب 2013 أن يعيد التوازن بين الأجهزة الأمنية. كان هناك نوع من الهدوء النسبي بين أجنحة النظام في السنوات الأولى بعد الانقلاب بسبب حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين، ولكن مع استقرار النظام والهزيمة المؤكدة للمقاومة الاجتماعية والسياسية ولقوى الإسلام المعارضة بكل أشكالها، عاد التوتر من جديد للعلاقة بين الأجهزة الأمنية فرغم هيمنة المؤسسة العسكرية، تضخم دور وزارة الداخلية وخاصة الأمن الوطني في السيطرة السياسية في مختلف المجالات قمع كل الحركات الاجتماعية بكل أشكالها، بل منعها من التبلور أصلاً في الريف والمدن وفي المصانع والجامعات، وشارك جهاز المخابرات في السيطرة على الإعلام والقضاء. وكلما زادت حدة الأزمة الاقتصادية تزايد الاحتياج لدور الداخلية في حماية النظام. ولكن هذا الدور المتزايد لم يغير من التوازن الجديد بين الأجهزة وهو التوازن القائم على الهيمنة المطلقة للمؤسسة العسكرية والمكانة الثانوية لرجال الداخلية رغم تعاظم المكتسبات المادية. ولم يغير أيضاً من التداخل بين مؤسسة الرئاسة وبين الجيش.
لقد تمكن مبارك من خلق حالة من الاستقرار بين الأجهزة وبعضها وبين الرئاسة والأجهزة لم تهتز إلا في السنوات الأخيرة من حكمه. ولكن السيسي لم يتمكن ولن يتمكن بحكم نشأته الانقلابية، من خلق نفس تلك الحالة من الاستقرار في الحكم. وكلما ازدادت حدة الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية، وكلما حاول السيسي من البقاء في الحكم مدى الحياة – التغيير الجديد المرتقب في الدستور، كلما زادت حدة التوترات بين الأجهزة، بل بداخل المؤسسة العسكرية والتي بالتأكيد ليس من مصلحتها الاستراتيجية أن تصبح هي وجه النظام على المدى الطويل. وسيظهر عاجلاً أو آجلاً توترات داخل صفوة العسكر بين من يعبر فقط عن حكم السيسي واستمراره وبين من يعبر عن المصالح الاستراتيجية للمؤسسة.
ما العمل
نتيجة لحالة عدم الاستقرار نرى انفجارات سريعة متعددة على مواضيع مثل الإسكان والطرق والكهرباء وزيادة في الإضرابات العمالية والمهنية. بعد حادث المطرية قطع السكان الطريق في مظاهرة تبعها قمع للشرطة، وكذلك في أسوان بعد موت السكان من تلوث المياة أو قطع الكهرباء وقت الموجة الحارة قاموا بقطع الطرق والتظاهر للضغط على الوصول لمطالبهم. قد تؤدي أزمات نظام السيسي الداخلية وأزمات النظام الرأسمالي العالمي إلى القمع أو الانفجار. هذا ما تشير إليه الظروف الموضوعية. لكنها تفتح في نفس الوقت آفاقاُ للعمل السياسي. تضغط
الأزمات العالمية نظام السيسي في اتجاه المزيد من الاقتراض والخصخصة والتقشف. ولا تجد الجماهير الغاضبة من سياسات الإفقار وسيلة لتوجيه مطالبها من خلال هياكل لها ظهير شعبي مثل الحزب الوطني أو الإخوان. فتنفجر في احتجاجات سريعة ومفاجئة تؤدي بالنظام للقمع إلى درجة والتراجع إلى درجة. ودور القوى السياسية أساسي في الاشتباك مع الاحتجاجات لدعم استمراريتها والوصول لمطالبها.





