رؤيتنا: تسقط خطة ترامب “مقترح الاستسلام”

جاء مقترح ترامب ليس على أساس مفاوضات غير مباشرة بين الاحتلال والمقاومة، وليس على أساس مداولات في مجلس الأمن أو أي من مؤسسات الأمم المتحدة. بل جاء فحسب على أساس مباحثات مباشرة مع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وترامب الرئيس الأمريكي الأقرب لإسرائيل على مدار تاريخها، وفقا لوصف نتنياهو نفسه.
وقد أبدي نتنياهو من اللحظة الأولى موافقته الكاملة على المقترح. واعتبر أنها تحقق جميع أهداف الكيان الصهيوني من الحرب على غزة، والتي عددها واحدة تلو الأخرى: عودة الرهائن – الإسرائيليين – بالكامل، ونزع سلاح المقاومة، وخروجها من غزة، ووضع غزة تحت وصاية دولية بقيادة ترامب نفسه ومعه مجرم الحرب الآخر توني بلير. وذلك لاستكمال تطهير غزة من المقاومة، في المقابل خطة طويلة المدى لانسحاب قوات الاحتلال من غزة على مراحل.
المقترح الأمريكي الصهيوني ليس غريبًا. فترامب وإدارته ومن قبله بايدن وإدارته يؤيدون بالكامل إنهاء القضية الفلسطينية، من خلال إبادة وتهجير شعب غزة وضم ما تبقى من أراضي الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني. مقترح ترامب لا يشمل أي نوع من الضمانات، في حال موافقة المقاومة الفلسطينية عليها، حيث لا تنص على الانسحاب الكامل للجيش الصهيوني، ولا على أي خطوات تمهيدية نحو أي درجة من السيادة الفلسطينية على أراضي غزة والضفة، حتى في شكل حكم ذاتي محدود.
ربما كان الجديد في مقترح ترامب هو أولًا: أنها جاءت مصحوبة بالتهديد والوعيد من قبل ترامب ومن نتنياهو، أثناء الإعلان عن المقترح، وبأنها غير قابلة للتفاوض، وأن رفض حماس للمقترح سيعني استمرارا بل وتصعيدا لحرب الإبادة في غزة. وثانيًا: الموافقة العربية والإسلامية على المقترح كما هو، ليس فقط من حلفاء أمريكا وإسرائيل مثل مصر والإمارات والأردن ولكن توسع الأمر ليشمل تركيا وباكستان وإندونيسيا إلى جانب قطر بالطبع. وإن صرح بعضهم على استحياء مثل وزير خارجية باكستان أن ما عرض عليهم مختلف عما تم التصريح به.
تضغط الأنظمة العربية والإسلامية المؤيدة للمقترح على حركة حماس للقبول بالمقترح، أي الاستسلام التام. بل تستعد بعض تلك الأنظمة لتشكيل قوات مسلحة تراقب التحقق من نزع السلاح، وتسهم بشكل فعلي في حماية الكيان الصهيوني من أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية انطلاقًا من قطاع غزة.
المدافعون عن المقترح من الجانب العربي، خاصة النظام المصري، يعتبرنها خطوة إلى الأمام لأنها لا تطرح التهجير القسري للفلسطينيين من غزة، وأنها تتحدث عن “تطلعات الشعب الفلسطيني” نحو دولة مستقلة في الضفة وغزة في المستقبل البعيد، وإن ذكر هذا بشكل مبهم. وهذا على الرغم من تأكيد نتنياهو في الأمم المتحدة وفي تصريحاته الأخيرة أن مشروع الدولة الفلسطينية قد انتهى إلى الأبد، وعلى الرغم أيضًا من استمرار التوسع المتسارع في الاستيطان في الضفة الغربية.
نتذكر جميعًا كيف خرجت علينا أبواق نظام السيسي لتحيي مواقف النظام “الوطنية” ليس فقط لمناهضته لمشروع التهجير، ولكن أيضا لتحديه المُزعم للكيان الصهيوني بحشد قوات الجيش المصري في سيناء. وتحدث الكثيرون بما فيها أصوات من اليسار المصري، عن ضرورة الاصطفاف وراء النظام في هذه اللحظات “الحرجة”. ويتناسى هؤلاء، ليس فقط أن النظام المصري منذ نهاية السبعينات يستمد شرعيته الدولية ودعمه الاقتصادي وكامل تسليح جيشه من خلال التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي المصري الذي خلقته اتفاقيات كامب ديفيد. ويتناسون أيضا التعاون الوثيق بين النظام المصري والجيش – الإسرائيلي – خلال العشرة أعوام الأخيرة في إطار ما سُمي بالحرب على الإرهاب في سيناء، ويتغافل هؤلاء أيضا عن الدور الذي لعبه نتنياهو ومخابراته في التسويق لانقلاب السيسي لدى الإدارة الأمريكية في 2013 إلى جانب النظام السعودي والإماراتي. كما يتجاهلون عمدًا الدور الذي لعبه نظام السيسي في إحكام حصار التجويع والموت على قطاع غزة.
يلعب نظام الحاكم في مصر ومعه أنظمة تركيا وقطر اليوم دورًا أساسيًا في الضغط على المقاومة الفلسطينية لقبول هذا المقترح الاستسلامي. وبالطبع ستهاجم المقاومة من قبل أبواق تلك الأنظمة والمصطفون معها، من الليبراليين وبعض اليساريين، سواء قبلت المقاومة بالمقترح أو رفضته. فإذا قبلته سيقولون أن هذا يثبت أن طوفان الأقصى لم يجلب إلا الهزيمة والاستسلام ودمار غزة. وإذا رفضته فسيقولون بالطبع أن المقاومة لا يفرق معها موت أهل غزة بالمئات كل يوم ولا يريدون وقف المذبحة.
تواجه المقاومة بلا شك موقف شديد الصعوبة، ليس فحسب بحكم ما يطرحه الصهاينة العرب من نقد لفكرة المقاومة في حد ذاتها. فهؤلاء يريدون الاستسلام بلا أي معارك أصلًا. لكن تنبع صعوبة الموقف من أن المقاومة تواجه اليوم ليس فقط أعدائها التقليديين في الكيان الصهيوني وحليفه الأمريكان بل أيضًا حصارًا وضغطًا من كافة الأنظمة العربية والإسلامية.
على الرغم من الصمود البطولي للمقاومة الفلسطينية في معركته الحالية إلا أن المعطيات العسكرية ليست في صالح المقاومة، قد يعتبر البعض أن المقاومة خسرت المعركة عسكريًا، لكن من المهم التأكيد أنها ليست الهزيمة الأولى في تاريخ من المعارك التي خاضتها المقاومة الفلسطينية خلال مائة عام، كما أنها ليست المعركة الأخيرة. المذهل في هذا التاريخ الثوري الطويل ليس أن الاستعمار والاستيطان هم المنتصرون حتى الآن، لكن المذهل بالفعل هو قدرة المقاومة الفلسطينية على إعادة البناء والعودة إلى القتال رغم المذابح والدمار. هذه القدرة على الصمود، جيل وراء جيل، والعودة إلى النضال بكل الوسائل الممكنة رغم التضحيات الأسطورية هي ما يخيف الاستعمار الأمريكي الصهيوني على المدى الطويل، وهو أيضًا ما يخيف الأنظمة العربية المتواطئة مع ذلك الاستعمار، وعلى رأسها النظام المصري. إن المقاومة الفلسطينية التي تصمد أمام آلة القتل الصهيونية المدعومة من أمريكا وأوروبا وغالبية الدول العربية ستظل مصدر إلهام لكل فعل مقاوم في مصر وفي بقاع كثيرة من العالم، من أبسط إضراب إلى أكبر حراك ثوري.
لقد تمكن النظام المصري ليس فقط من المشاركة في حصار وتجويع شعب غزة، بل أيضًا من حصار وقمع الشعب المصري ومنعه من أبسط أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني. ولكن النظام يبدو غير مدرك لأي درجة تآكلت شرعيته ولحجم الغضب المتصاعد تجاه مجمل سياساته. لقد أعطى الشعب الفلسطيني ومقاومته أكبر إلهام لمقاومة الظلم والاستغلال عالميًا وخلق حوله أكبر حركة تضامن عالمية منذ حرب فيتنام. أيًا كانت نتيجة محاولات فرض الاستسلام الحالية، فالثورة الفلسطينية ستصعد من جديد لتبث الرعب في صدور الصهاينة في تل أبيب وواشنطن والعواصم الأوروبية وفي القاهرة والرياض وإسطنبول والدوحة.
أما المهمة الآنية فهي تكثيف كل الجهود لوقف حرب الإبادة وفك الحصار عن شعب غزة بكل الوسائل الممكنة. ولعل محاولة أسطول الصمود الدولي لكسر الحصار والإضرابات والمظاهرات الداعمة لها والرافضة لوقفها من قبل جيش الاحتلال، هي نموذج للحراك الجماهيري القادر على تغيير موازين القوى رغم انف الاحتلال وحلفاؤه على المدى المتوسط والطويل.





