بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

رؤية اشتراكية ثورية

أكبر مظاهرة مؤيدة لفلسطين في تاريخ ألمانيا

في السابع والعشرين من سبتمبر، خرجت في برلين أكبر مظاهرة تضامن مع فلسطين في تاريخ ألمانيا، حيث شارك فيها أكثر من 100 ألف شخص تحت شعار “معًا من أجل غزة”. شكّلت هذه المظاهرة فرصة لدفع حركة التضامن مع فلسطين إلى خارج عزلتها، وتفعيل قطاعات واسعة من الطبقة العاملة نحو تضامنٍ ملموس مع فلسطين. فهذه الطبقة العاملة المنظمة هي التي تمتلك القوة الحقيقية لوقف الدعم العسكري والأيديولوجي والسياسي الذي تقدمه الدولة الألمانية لإسرائيل في ارتكابها الإبادة الجماعية في غزة، ولدعم المشروع الصهيوني الاستيطاني الكولونيالي.

نُظّمت مظاهرة “معًا من أجل غزة” بمبادرة من أكثر من خمسين منظمة، طالبت بوقف الإبادة الجماعية، وفرض حظر على تصدير السلاح إلى إسرائيل، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. شارك في تنظيم المظاهرة حزب اليسار الإصلاحي دي لينكه (Die Linke)، والمنظمات غير الحكومية، والجاليات الفلسطينية، والمنظمات الثورية، ومجموعات يسارية أخرى.

تضمّنت المظاهرة عدة كتل؛ فقد كانت الكتلة الرئيسية تسير تحت لافتة “فلسطين مناهضة للاستعمار”، نظّمها أبناء الجالية الفلسطينية في برلين بالاشتراك مع منظمات اشتراكية ثورية ومناهضة للاستعمار ومجموعات من المهاجرين. كما تكوّنت كتلة أخرى تحت شعار “التضامن الأممي”، نظّمها ناشطون بيئيون وطلّاب ومهاجرون متضامنون مع فلسطين. أما الكتلة الثالثة فقد نظمها حزب دي لينكه نفسه.

إن سجل حزب دي لينكه فيما يخص فلسطين كان بائسًا؛ فالحزب يدعو إلى حل الدولتين، ويدين المقاومة الفلسطينية، ويكرر باستمرار الرواية الصهيونية حول ما يُسمى بـ”حق إسرائيل في الوجود”. ومع ذلك، اضطر الحزب هذه المرة إلى اتخاذ موقف تحت ضغط حركة التضامن مع فلسطين التي واظبت طوال نحو عامين على المطالبة بإنهاء الإبادة الجماعية ودعم حرية فلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن القاعدة الشعبية للحزب تتبنى مواقف أكثر يسارية — وبالتالي أكثر تأييدًا لفلسطين — من قيادة الحزب نفسها.

الضغط على حزب اليسار الإصلاحي والبيروقراطية النقابية
في ظل تنامي اليمين المتطرف الذي تجسده المكاسب الانتخابية لحزب “البديل من أجل ألمانيا” الفاشي (AfD)، انضم عشرات الآلاف من الأشخاص خلال النصف الأخير من العام إلى حزب اليسار الإصلاحي، ولا سيّما أولئك المتضامنين مع فلسطين والمعارضين لمواقف قيادة حزب “دي لينكه” (Die Linke).

وقد ظهرت التوترات بين قيادة الحزب وقاعدته بوضوح خلال التظاهرة. فقد أُحيطت رئيسة الحزب، إينيس شفِردتر (Ines Schwerdter)، التي لم تكن حتى 27 سبتمبر قد وصفت ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، بمجموعة من النساء الفلسطينيات اللواتي منعْنها في البداية من الصعود إلى المنصّة مطالباتٍ إياها بـ”الاعتذار عن الصمت”. وانضم أعضاء القاعدة في حزب “دي لينكه” إلى الهتافات في الحشد مردّدين: “اعتذري!”. وبعد أن صعدت شفِردتر إلى المنصّة اضطُرّت للاعتذار فورًا، معترفة بأنها التزمت الصمت لفترة طويلة جدًا، وهتفت مع الحشد “حرّروا فلسطين” و”ليست حربًا، إنها إبادة جماعية”. وبما أن الحشد أمامها كان متضامنًا بالكامل مع النضال الفلسطيني، لم تستطع زعيمة الحزب هذه المرّة إدانة المقاومة الفلسطينية كما فعلت مرارًا في مقابلاتها التلفزيونية السابقة.

إن الطابع التناقضي للأحزاب الإصلاحية ليس ظاهرة ألمانية خالصة، بل يتكرّر في سياقات مختلفة. ومع ذلك، ففي السياق الألماني، أدّت المواقف الصهيونية لقيادات الأحزاب “اليسارية” وكذلك النقابات العمالية إلى عزل تنظيمات التضامن مع فلسطين، لا سيما في ظل القمع الشديد وتجريم النشاطات المؤيدة لفلسطين من قبل الدولة.

وعلى النقيض من بلدان مثل إيطاليا، حيث دعت قيادات النقابات إلى إضرابات وتظاهرات تضامنية مع فلسطين، لم تدعُ قيادة اتحاد النقابات الألمانية (Deutscher Gewerkschaftsbund – DGB) إلى أي تظاهرة مؤيدة لفلسطين، حتى في يوم 27 سبتمبر. بل إن قيادة الـ DGB اتخذت موقفًا صهيونيًا واضحًا. ففي مطلع سبتمبر 2025، احتفل الاتحاد، بصفته المنظمة المظلّة لثماني نقابات ألمانية تمثّل أكثر من ستة ملايين شخص، بمرور خمسين عامًا على “الشراكة” مع ما يُسمّى باتحاد النقابات الإسرائيلي “الهستدروت”.

وبهذه المناسبة، نشرت مؤسسة “هانس بوكلر” (Hans Böckler Stiftung – HBS)، وهي الهيئة البحثية والداعمة للدراسات التابعة للـ DGB، كتيبًا من 90 صفحة يحتفل بخمسين عامًا من الشراكة بين DGB و”الهستدروت”. وقد كُتب هذا الكتيّب أثناء الإبادة الجارية في غزة، وامتلأ بالمقولات الصهيونية حول تأسيس دولة إسرائيل، وبالصور العنصرية للفلسطينيين، والدعوات إلى “التضامن مع إسرائيل”.

ومع ذلك، شهدت تظاهرة “معًا من أجل غزة” في 27 سبتمبر عددًا لا يُحصى من المتظاهرين الذين رفعوا أعلامًا ولافتات تحمل شعارات النقابات الألمانية. كما شاركت مجموعة “نقابيون من أجل غزة” (GewerkschafterInnen4Gaza) في التظاهرة، وألقت كلمة انتقدت فيها البيروقراطية النقابية، وطالبت بمواقف مؤيدة لفلسطين داخل النقابات، وأبرزت ضرورة تنظيم إضرابات عمالية من أجل فلسطين ووقف شحنات الأسلحة.

وهناك فجوات كبيرة بين مواقف قواعد النقابات والبيروقراطية النقابية، ويظلّ النضال من داخل النقابات من أجل تبنّي مواقف مناهضة للإبادة مهمة صعبة ولكنها حاسمة، لأن العمال يمتلكون القدرة على إيقاف النظام الرأسمالي (المؤيد للإبادة) وشلّه تمامًا.

العُصبوية، الانتهازية والموقف الاشتراكي الثوري
قد تؤدّي تجربة أعضاء القاعدة في حزب اليسار الإصلاحي، الذين ينظمون أنفسهم أيضاً داخل النقابات العمالية ويدفعون بقياداتهم البيروقراطية إلى تبنّي مواقف، إلى آثار مماثلة داخل النقابات. وفي الوقت نفسه، لن تتبنّى قيادة حزب اليسار موقفًا مؤيدًا بالكامل لفلسطين في أي وقت قريب، لأن ذلك يتعارض مع مصالحها المادية في رغبتها في إدارة الرأسمالية بصورة سلمية بالاشتراك مع الآخرين.

لذلك، كان من الأهميّة بمكان أن تشارك القوى الاشتراكية الثورية في التظاهرة في 27 سبتمبر لإظهار التناقضات وفشل قيادة الحزب أمام أعضاء القاعدة، وكسبهم لصالح مواقف مؤيدة تمامًا لفلسطين ومواقف ثورية.

لقد كانت المسألة الاستراتيجية والتكتيكية داخل حركة التضامن مع فلسطين موضع نقاش واسع.

القوى العُصبوية داخل حركة التضامن ببرلين دعت لمقاطعة تظاهرة 27 سبتمبر، بحجّة أن ليس كل المجموعات المنظمة للتظاهرة تؤيّد فلسطين حرة من النهر إلى البحر أو تدعم المقاومة المسلحة. لكنّ الرغبة في تنظيف اليدين والاحتكام للوقوف مع من يتشارك المرء معه بالاعتقادات نفسها بالتمام، هي وصفة للعزلة التامة. وفي هذا الإطار قررت بعض الجماعات اليسارية تنظيم تظاهرة مستقلة باسم التحرير الكلّي في جزء آخر من المدينة، وحضرها ألفان وتمّ الاعتداء عليهم بعنف من قبل الشرطة. كان يمكن لجموع مكوّنة من 100,000 شخص أن تحمي هذه المجموعات من عنف الشرطة وتوفّر مساحة لنشر أفكارهم.

من جهةٍ أخرى، يُعدّ الموقف الانتهازي أن يذهب المرء إلى التظاهرة في 27 سبتمبر من دون نقد لقيادة (دي لينكه) وأن يسير معهم ببساطة. فهذا يُشكّل استسلامًا لخطاب قيادات الإصلاحيين من دون تحدٍّ أو تجاوز لمطالبهم.

على المنظِّمين الذين يسعون لتحقيق مكاسب مادية للقضيّة الفلسطينية أن يرفضوا كلًّا من العُصبوية والانتهازية. يجب أن تتبنّى مقاربتهم موقفًا اشتراكيًا ثوريًا؛ يتجلّى بالمشاركة في تظاهرة 27 سبتمبر، والتحرّك بدعاية ثورية خاصة بهم، وذكر ونقد تناقضات ونفاق قيادات القوى الإصلاحية بصراحة. وهذا يعني كسب الناس لصالح سياسة اشتراكية ثورية تدعو إلى إنهاء الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وحلّ الدولة الواحدة، والتضامن مع المقاومة الفلسطينية، والحاجة إلى إسقاط النظام العالمي الرأسمالي بوصفه السبب الجذري للإمبريالية الإباديّة.

هذه المواقف الثورية هي مواقف لا تسمح للدعاية البرجوازية بأن يسمع بها أغلب الناس، ولهذا فإن التعبئة في احتجاج يضم أكثر من 100,000 شخص توفّر فرصة للقوى الاشتراكية الثورية المتضامنة مع فلسطين للوصول إلى جمهور شعبي واسع.

كذلك لا يكفي مجرّد إعلان المواقف لفظيًا؛ بل يجب وضع إستراتيجيات حول كيفية بلوغ هذا الجمهور. وفي الوقت نفسه يمكن تحقيق دعم مادي ملموس للمقاومة الفلسطينية عبر تعبئة جماهيرية للمطالبة بحظر تسليح لأجل إسرائيل داخل ألمانيا، لا سيما وأنّ الدولة الألمانية تُرسِل 30% من مجموع الأسلحة (إلى إسرائيل).
ولا يمكن الوصول إلى هذه الجموع إلّا عبر جبهة واسعة موحّدة تطالب بحرية نشر المحتوى (بمعنى آخر، حرية نشر الدعاية الثورية التي تواجه الدعاية المهيمنة) والاستقلال التنظيمي. فبوجود جموعٍ واسعة من طبقة عاملة تمتلك القدرة على إيقاف آلة الحرب وإعطائها وقفة، فقط حينئذٍ نستطيع إيقاف الإبادة في فلسطين ودعم المقاومة الفلسطينية من الخارج.

خطاب اشتراكي ثوري
مظهر عملي للموقف الاشتراكي الثوري الذي يتدخل في التظاهرات الحاشدة يمكن رؤيته في الخطاب التالي الذي ألقي في قسم «فلسطين المقاومة» الرائد في تظاهر «معا من أجل غزة»:

“تجري الآن مجزرة تبث على الهواء مباشرة في غزة منذ ما يقرب من السنتين. هذا استمرار لطرد الفلسطينيين لأكثر من 77 سنة، منذ النكبة التي ارتكبها المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري، المدعوم من الإمبريالية الغربية.

المقاومة ضد الإبادة في غزة، وضد النظام العالمي الإمبريالي أيضا، ممكنة. نرى كيف أوقف الإضراب العام في إيطاليا البلاد تضامنًا مع فلسطين. نرى ماذا يفعل عمال الموانئ في بلجيكا وإسبانيا عندما يحجبون شحنات الأسلحة ويقولون صريحا: «لن نتواطأ في تصدير أسلحة مستخدمة للإبادة”.

نرى كيف أن أسطول الصمود العالمي المكون من أكثر من أربعين سفينة في طريقه الآن إلى غزة لإيصال المعونات الإنسانية وقد تعرض بالفعل لهجمات واسعة من الدولة الإسرائيلية. نرى كيف أن طبقتنا الحاكمة هنا في أوروبا تقدم تمجيدًا شفويًا لمعاناة الفلسطينيين، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب حتى في إيصال المعونات الإنسانية، ناهيك عن وقف شحنات الأسلحة أو دعم حقوق الفلسطينيين! لأن الطبقة الحاكمة الألمانية ليست إلى جانبنا.

إن مصلحتها المادية تقتضي دعم إسرائيل أيديولوجيا وعسكريا وسياسيا. علينا أن نقاوم ذلك! لأننا الأغلبية، لنا قوة تعطل هذا النظام الإبادي!

يجب ألا نتصرف من مواقف انتهازية؛ لا ندع محتوانا تحدده الصحافة البورجوازية، أو المنكرون للإبادة، أو العنصريون! على قيادة حزب اليسار (Die Linke) أن تلاحظ ذلك بوضوح في المرة القادمة قبل أن تشهر بالتشويه وتسفه نضال الفلسطينيين المناهض للاستعمار!

هناك من يرغب فقط في إظهار التضامن بعد أن ذبح ستمئة ألف فلسطيني بالفعل؛ يرون الفلسطينيين كأنهم أشقاء الأرض الذين يجب حكمهم ولا يملكون حق المقاومة.

وفي الوقت نفسه، تبرم الطبقات الحاكمة في الغرب صفقات مع النظام الفاسد الـ «فيشي»[1] للسلطة الفلسطينية، وتخرج أداء مسرحيا «الحل المتحلل ذي الدولتين» من سطل النفايات! هذا مخزٍ! منذ اتفاقيات أوسلو، أخبرنا اليسار الفلسطيني أن «حل الدولتين» ليس فقط ظالمًا وغير عادل، بل هو ولادة ميتة بفعل الدولة الإسرائيلية ذاتها!

نحن ندعو إلى حل دولة بلا فصل عنصري، بلا استيطان استعماري! بحقوق متساوية للجميع، وفلسطين حرة في كامل فلسطين التاريخية من يافا وحيفا حتى طابا، إلى صفد وطبريا، إلى أريحا وعسقلان وغزة! التضامن مع جماهير فلسطين عندما تقاوم الاستعمار والقهر، وهذا منذ أكثر من 77 سنة، هذا حقكم!

تسلم ألمانيا 30٪ من جميع الأسلحة لإسرائيل، أسلحة تنتج أيضا هنا في برلين. أسلحة تستخدم في غزة لذبح رجال ونساء وأطفال. تُصنع الذخائر هنا في برلين وتسلم لإسرائيل. إذا استطعنا تنفيذ حظر على الأسلحة فهذا دعم مادي مباشر للمقاومة الفلسطينية ضد الدولة الإسرائيلية، وهذا أثمن من أي شعارات مجردة.
لا نحتاج فُرقات بيروقراطية ومصطنعة بين التسليح وتصدير الأسلحة!

نحن نحتاج حظر أسلحة الآن! الحكومة الاتحادية الألمانية أصدرت 500 مليون لصادرات السلاح لإسرائيل في السنتين الأخيرتين! علينا أن نناهض ذلك! لا نريد تحديث الناتو ولا التجنيد الإلزامي! يجب تحويل إنتاج الأسلحة إلى إنتاج مدني!

لا يجب أن ندفع إلى الزاوية بواسطة السردية العنصرية لما يسمى «مصلحة الدولة» (الدعم الألماني غير المشروط لإسرائيل) ولا نجعلهم يفرقون بيننا!
الدولة الإسرائيلية تغتصب وتغتال وتذبح عائلات كاملة في غزة! وليس فقط غزة في السنتين الماضيتين؛ فخلال 77 سنة يُمحى الفلسطينيون بانتظام على يد هذا الكيان الاستيطاني الاستعماري. وفي الوقت نفسه، تهاجم إسرائيل إيران وسوريا واليمن ولبنان وترسل حتى طائرات مسيرة لشن هجمات في المياه الدولية ضد أسطول الصمود العالمي!

نحن نقف من أجل حظر فوري على الأسلحة، ومن أجل حق العودة للفلسطينيين، ومن أجل فلسطين حرة! نقف من أجل حق المستعمر في الدفاع عن نفسه، كما حدث في الجزائر وناميبيا وكينيا وأنجولا وأفغانستان وفيتنام! النضال من أجل فلسطين الحرة هو نضالنا!

ونقول: عولموا الانتفاضة! لأن نضالنا هنا ضد طبقتنا الرأسمالية هو قتال مباشر ضد النظام العالمي الإمبريالي وضد إنتاج الأسلحة والإبادة! لنجمع نضالاتنا!
لا حل إلا واحد: انتفاضة ثورية! فلسطين حرة حرة! يلا انتفاضة! تحيا التضامن الدولي!»