رؤيتنا.. دروس معركة غزة.. ومهام الثوريين

تمر القضية الفلسطينية اليوم بمفترق طرق صعب وضبابي، فبعد حرب إبادة جماعية شنتها إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية بدعم إمبريالي غربي، حرب وحشية استمرت لعامين قُتل وأصيب فيها مئات الآلاف، مع تدمير شامل ومنهجي لكل البنى التحتية والمرافق والمباني في قطاع غزة بهدف القضاء على أهالي غزة وتهجيرهم من أراضيهم كخطوة في سبيل تصفية القضية الفلسطينية، اضطرت الولايات المتحدة في النهاية للتدخل لوقف الحرب حمايةً لإسرائيل وصورتها.
فقد أصبحت إسرائيل لأول مرة دولة منبوذة على المستوى الجماهيري في الغرب وخاصة في أواسط الشباب، وأصبحت القضية الفلسطينية قضية سياسية داخلية في كثير من الدول الغربية، ولعبت دورًا أساسيًّا في تسييس وتثوير قطاعات واسعة من الشباب في العالم اليوم.
مما لا شك فيه أن الإبادة كانت قاسية على الشعب الفلسطيني، لكن صموده المذهل كان مصدر إلهام لحركة التضامن عالميًا، التي تصاعدت على مدار عامين وبلغت ذروتها قبل توقيع ترامب خطته بعدة أيام في محاولات كسر الحصار عبر أسطول الصمود، وفي المظاهرات المليونية في المدن الأوروبية، بالإضافة إلى الإضرابات العمالية التضامنية مع الشعب الفلسطيني؛ كل هذا شكّل عامل ضغط على الحكومات الغربية لوقف حرب الإبادة، والأمر ذاته في الولايات المتحدة التي أصبحت فيها القضية الفلسطينية قضية سياسية داخلية.
وعلى المستوى العربي، فيسود إحباط سياسي في أعقاب هزيمة ثورات الربيع العربي وانتصار الثورة المضادة، التي يقبع في سجونها عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، والمحاولات الجماهيرية المحدودة للتضامن مع الشعب الفلسطيني قوبلت بعنف كبير.
أوضحت الإبادة أنه لا أمل للشعب الفلسطيني وكذلك للشعوب العربية إلا بالتخلص من الأنظمة الحاكمة المتحالفة مع الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، حيث فشلت الجماهير العربية في إدخال الطعام للجوعى في القطاع والعلاج للمرضى والمصابين. بل و تواطأت الانظمة العربية وشاركت في الحصار، فرأينا نظام السيسي يغلق المعابر و يعتقل النشطاء من حركات التضامن مع فلسطين ومبادرة أسطول الصمود المصري، ويعتدي على النشطاء من مبادرة “المسيرة العالمية لغزة” من مختلف الجنسيات ويرحلهم قسرًا على بلادهم، في رسالة واضحة أن القمع، بدرجات مختلفة، سيطال الكل عند التضامن الفعلي مع فلسطين بغض النظر عن الجنسية.
وشهدنا قمع النظام الأردني العنيف لمظاهرات التضامن مع غزة. وفتحت الإمارات و السعودية موانئها البحرية وطرقها، لتخفيف أثر الحصار الذي فرضه الحوثييون في اليمن بمهاجمة السفن الاسرائيلية والسفن المتجهة إلى إسرائيل في البحر الأحمر. هذا الحصار البطولي، الذي أدى إلى إفلاس ميناء إيلات في النهاية.
وتتناثر بعض الأخبار عن تمويل الإمارات لبعض الجماعات المسلحة المتعاونة مع المحتل الإسرائيلي في قطاع غزة بهدف إزاحة فصائل المقاومة وفرض واقع جديد على الأرض. رغم عدم القدرة على التأكد من صحة تلك الأخبار، لكن عداء الأنظمة في السعودية والإمارات للمقاومة واضح جدًا من خلال أبواقهم الإعلامية، التي تشنّ حربًا إعلامية على المقاومة.
إن موقف النظام المصري والأردني وكذلك حكام الخليج العربي، وبشكل خاص الإمارات والسعودية، من حركات المقاومة في المنطقة معروف، حيث تناصب تلك الأنظمة المقاومة العداء وتتمنى زوالها، لكن تلك الأنظمة أضعف من الدخول في مواجهة مباشرة مع المقاومة، وكانت تتمنى أن تنجح إسرائيل في التخلص من حماس بشكل سريع في بداية الحرب، لكن طول الحرب، وفشل إسرائيل في تحقيق ما سُمّي “النصر الكامل” باستئصال المقاومة، ربما يكونان قد لعبا دورًا أساسيًا في سعي تلك الأنظمة لدى ترامب للتدخل في وقف الحرب، وخاصة بعد ضرب إسرائيل لمقر قادة حماس في قطر، الأمر الذي شكّل خطوة غير مسبوقة من ضرب إسرائيل لأحد العواصم الخليجية. ونظرًا لحرص الولايات المتحدة على أموال وبترول الخليج، جاءت خطوة وقف إطلاق النار في أعقاب مهاجمة إسرائيل لقطر.
إن موازين القوى على المستوى العسكري فرضت نفسها على كل الأطراف، فأولًا رغم أن إسرائيل ضربت غزة بما يزيد على 85 ألف طن من المتفجرات (أكثر من خمسة أضعاف قنبلة هيروشيما النووية) فإنها فشلت في تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة، كما فشل سلاح التجويع على مدار عامين في ضرب البيئة الحاضنة للمقاومة.
إن اللحظة الراهنة وتطورها يتوقف بشكل أساسي على موازين القوى وما تفعله الأطراف المختلفة اليوم على الأرض، كما تتوقف على حركة جماهير الشعب الفلسطيني والملايين المتعاطفين مع حقوقه المشروعة واستمراريتها. إن دعم الولايات المتحدة الأمريكية للإبادة الجماعية الوحشية المستمرة لعامين وكذلك تأييد الكثير من الحكومات الغربية لإسرائيل، وصمت وتواطؤ الأنظمة العربية، لعب دورًا هامًّا في كشف حقيقة المشروع الصهيوني وحقيقة الأنظمة الحاكمة في الغرب وفي منطقتنا أمام أعين الشعوب.
ربما يصمد وقف الحرب في قطاع غزة مع تصاعد حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، مما يجعل عودة الإبادة بشكلها الوحشي أمرًا مُزعجًا للأنظمة الحاكمة في عدة عواصم غربية، كما أنه أمرٌ مزعجٌ للأنظمة القمعية العربية، المتلهفة للتطبيع مع إسرائيل إرضاءً للولايات المتحدة.
ولذلك ترى حركة الاشتراكيين الثوريين أنه يجب الاستمرار في فعاليات التضامن مع الشعب الفلسطيني والتبرع لمساندة أهالي غزة، بالإضافة إلى دعم المقاومة الفلسطينية بكل الطرق والوسائل المتاحة.





