المشروع الأميركي حول الصحراء الغربية: تقنين الاحتلال وسلب لحق تقرير المصير

تتدخل واشنطن اليوم في ملف الصحراء الغربية بشكل غير مسبوق منذ عقود. فبعد أن منح دونالد ترامب المغرب اعترافًا رسميًا بـ”سيادته” على الصحراء الغربية في أواخر 2020، في خطوة وُصفت حينها بالاستعمارية الصريحة، تواصل الإدارة الأمريكية الحالية السير في الاتجاه نفسه. لكنها تفعل ذلك بطريقة أكثر مؤسسية، عبر محاولتها تثبيت هذا الموقف داخل منظومة الأمم المتحدة نفسها. وتستخدم الولايات المتحدة مجلس الأمن لتوفير غطاء قانوني وسياسي لهذا النهج، متذرعة بأن ما يجري هو مجرد “تجديد تقني” لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).
بدأت التحركات الفعلية في 10 أكتوبر، حين عقد أعضاء مجلس الأمن مشاورات مع المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، ورئيس بعثة المينورسو ألكسندر إيفانكو. ومنذ ذلك الوقت، ظهرت مؤشرات واضحة على أن واشنطن تعمل على إعداد مشروع قرار يتماشى مع الموقف المغربي. وفي 22 أكتوبر، وزعت الولايات المتحدة – بصفتها الدولة المسؤولة عن صياغة قرارات مجلس الأمن الخاصة بقضية الصحراء الغربية – المسودة الأولى للقرار. وبعد يومين، عقد المجلس جلسة مشاورات مغلقة في 24 أكتوبر. ورغم أن الجزائر وروسيا اقترحتا تعديلات تهدف إلى تصحيح الانحياز الواضح في النص، تجاهلت واشنطن تلك الملاحظات تمامًا وأعادت طرح المسودة نفسها من دون أي تعديل.
في تلك الجلسة الثانية، كسرت كلٌّ من روسيا والصين صمتهما، معتبرتين أن النص الأمريكي “غير متوازن” ولا يحترم قرارات الأمم المتحدة السابقة التي كرّست حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. ومع ذلك، ظلت الولايات المتحدة مصممة على تمرير المسودة كما هي، تمهيدًا لتقديمها للتصويت النهائي في 30 أكتوبر، في خطوة تُمهّد لتثبيت واقع الاحتلال المغربي بغطاء أممي.
النسخة الأمريكية الجديدة لا تقتصر على تمديد مهمة بعثة المينورسو، بل تُحدث تغييرات جوهرية في مضمون القرار الأممي السابق S/RES/2756 (2024)، الصادر في 31 أكتوبر 2024، والذي كان قد مدّد ولاية البعثة لعام كامل. فالمسودة الجديدة تحذف أي إشارة واضحة إلى الاستفتاء، وتستبدلها بعبارات مبهمة مثل “حل سياسي واقعي وعملي ودائم” قائم على “التوافق” – وهي صياغات تُستخدم فعليًا لطمس مبدأ تقرير المصير وإعادة تغليفه بخطاب “الواقعية السياسية”. كما تدعو المسودة إلى “بدء مفاوضات دون شروط مسبقة على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي”، بهدف “التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين قبل انتهاء ولاية البعثة”. وفي الوقت نفسه، تدّعي أنها “تحترم حق تقرير المصير”، لكنها تربط هذا الحق بـ”السيادة المغربية”، في إعادة إنتاج لمفهوم “فرض الأمر الواقع” بصيغة استعمارية جديدة.
يتجلى هذا التناقض بوضوح في المقترح الأمريكي الوارد في مسودة مشروع القرار المسمى بـ”السلام الواقعي”، والذي يحظى بدعم فرنسي واضح. فباريس كانت منذ عام 2007 صاحبة الدور الأساسي في صياغة خارطة الطريق التي وضعت فكرة “الحكم الذاتي” بالتنسيق مع الرباط، وسوّقتها داخل الأمم المتحدة باعتبارها “الحل الوحيد الممكن” لقضية الصحراء الغربية.
ويواصل النص الأمريكي هذا النهج نفسه، إذ يسعى إلى فرض صيغة «حكم ذاتي ضمن السيادة المغربية» كحلٍّ وحيد ومُعترف به دوليًا. إنه مقترح يعيد إنتاج الاستعمار بلغة دبلوماسية ناعمة، يخضع مبدأ تقرير المصير لمنطق القوة، ويحوّل الأمم المتحدة من إطار يُفترض أنه لتصفية الاستعمار إلى أداة لتقنينه بشكل سافر.
تشير المسودة أيضًا إلى “الترحيب بدعوة دي ميستورا لعقد مشاورات غير رسمية” تضم المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا، إلى جانب الدول الخمس المشاركة في الملف (الولايات المتحدة، فرنسا، روسيا، إسبانيا، وبريطانيا). لكن تقرير الأمين العام الصادر في 9 أكتوبر يوضح أن هذه اللقاءات الثنائية لا تهدف إلى فتح مسار تفاوضي جديد بقدر ما تكرّس الوضع القائم، إذ تعيد إنتاج الثنائية المفروضة: المغرب الذي يتمسك بأن الحكم الذاتي هو الحل الوحيد، وجبهة البوليساريو التي تصرّ على أن الاستفتاء هو السبيل الوحيد لتقرير المصير.
منذ توزيع المسودة الأمريكية على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بدأت فرنسا والإمارات حملة دبلوماسية داخل المجلس لحشد الدعم والتصويت لصالحها، في تعبير واضح عن حجم النفوذ الذي تمارسه أبو ظبي في هذه الدوائر الدولية. ويكشف هذا الدور جوهر الصراع، باعتباره قضية تصفية استعمار تواجهها قوى تسعى لإدامة الهيمنة، تتقدمها الإمارات التي باتت تمثل اليوم نموذجًا للرأسمال الاستعماري في المنطقة. فهي تستخدم المال والضغط الاقتصادي والتدخل العسكري لفرض وقائع الاحتلال وسلب الشعوب حقها في تقرير مصيرها، كما يتضح من سياساتها في السودان، فلسطين، والصحراء الغربية.
وفي خضم هذه التحركات، أصدرت جبهة البوليساريو ممثل الشعب الصحراوي، ردًا رسميًا رافضاً لمشروع القرار. هذا الموقف الحازم من جبهة البوليساريو يعبّر عن إدراك عميق لطبيعة المشروع الأمريكي الذي يسعى لتحييد القضية من كونها مسألة تصفية استعمار.
فمنذ إدراج الصحراء الغربية في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي عام 1963، ظلت المنظمة الدولية تؤكد طابعها الاستعماري. وقد رسّخت قرارات عدة هذا المبدأ، منها القرار 379 (2 نوفمبر 1975) الذي دعا إلى عدم تنظيم “المسيرة الخضراء”، والقرار 380 (6 نوفمبر 1975) الذي ندد بتنظيمها وطالب بسحب المشاركين منها، وصولًا إلى قرارات 621 (1988)، و658 (1990)، و690 (1991) التي أقرت تنظيم استفتاء لتقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة.
لكنّ التنفيذ ظلّ معلقًا بفعل رفض النظام المغربي وانتهاكه الدائم لقرارات مجلس الأمن، وسط صمت غربي متواطئ. فالقضية الصحراوية، كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 1975، تظل قضية تصفية استعمار بامتياز، إذ أقرّ الرأي بوضوح أنه لا سيادة للمغرب أو لموريتانيا على الإقليم، وأن للشعب الصحراوي وحده الحق الحصري في تقرير مصيره.
تتولى الولايات المتحدة منذ سنوات دور “صاحبة القلم” في كل ما يتعلق بقرارات مجلس الأمن الخاصة بالصحراء الغربية، وهو موقع استخدمته لفرض رؤيتها وحجب أي صياغة لا تخدم الموقف المغربي. وكما جعلت من نفسها طرفًا وشريكًا في صياغة القرارات المتعلقة بفلسطين، تسعى اليوم إلى إحكام قبضتها على القضية الصحراوية وتحويلها إلى ملف تديره وحدها، فيما يمكن وصفه بـ”خصخصة سياسية” لآخر قضايا الاستعمار في إفريقيا.
النهج الأمريكي في قضية الصحراء الغربية يعيد إنتاج الاستعمار بأساليب جديدة، مستبدلًا السلاح بالقانون الدولي الذي تتحكم فيه القوى الكبرى. فكما حاولت فرنسا فرض “الجزائر الفرنسية” عبر تشريعات بعد فشلها عسكريًا، وكما يسعى الكنيست الإسرائيلي إلى إضفاء طابع قانوني على الاستيطان، تعمل واشنطن اليوم على منح الاحتلال المغربي غطاءً قانونيًا باسم الشرعية الدولية، تمامًا كما حاول ترامب فرض “صفقة القرن” على الفلسطينيين. لكن الشعوب التي تقاوم لا تُهزم بالقوانين التي تكتبها العواصم الإمبريالية.
تاريخ التدخلات الأمريكية في الصحراء الغربية
منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، شكلت الصحراء الغربية مسرحًا مركزيًا للتدخل الأمريكي في شمال غرب إفريقيا، حيث تباينت أساليب واشنطن بين دعم دبلوماسي صريح، ومساندة اقتصادية، وعسكرية، وسياسية، بهدف إحباط أي تجربة تحرر وطني ثورية تهدد مصالح الهيمنة الامبريالية في المنطقة. بدأت هذه المرحلة مع بروز التطلعات التوسعية للنظام المغربي نحو المستعمرة الإسبانية، فقد شكلت الصحراء الغربية فريسة سهلة بفضل عدد سكانها القليل وحجم الإقليم الكبير وثرواته واستكمالاً لرغبة المغرب التوسعية التي هدفت في الأساس إلى ضمان النفوذ الامبريالي في شمال غرب إفريقيا، فمنذ استقلال المغرب عام 1956، طالب بمساحات شاسعة تشمل الجزائر (أصل الخلاف بين البلدين وليس الصحراء الغربية) ومالي وموريتانيا والصحراء الغربية، لكن الثورة الصحراوية الاشتراكية التي أعلنتها جبهة البوليساريو شكلت تهديداً مباشراً لهذا المشروع.
حينها رأت الولايات المتحدة في المغرب حليفًا استراتيجيًا يمكن استخدامه كقوة عميلة لضمان استمرار النفوذ الأمريكي الفرنسي في المنطقة، واحتواء أي تطورات ثورية، خاصة بعد إعلان البوليساريو ثورة تحررية وطنية بخطاب وسياسات اشتراكية مستوحاة من تجارب التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، واعتماد خيار العنف الثوري للكفاح ضد الاستعمار ووكلائه المحليين.
بين عامي 1974 و1977، بدأت الولايات المتحدة تقديم الدعم الدبلوماسي المباشر للمغرب، بينما استمر بيع الأسلحة ضمن اتفاقية 1960، وهي أسلحة مصنفة نظريًا للدفاع، لكنها مكنت المغرب من شن هجوم واسع على الأراضي الصحراوية. لعب كيسنجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية آنذاك، دورًا حاسماً في صياغة تلك السياسة الأمريكية، حيث نشرت الصحافة الإسبانية في 2016 وثائق من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بعد رفع السرية عنها، تثبت أن الولايات المتحدة في عام 1975 كانت تخشى انهياراً محتملاً لنظام فرانكو لصالح الاشتراكيين، قد يؤدي إلى استقلال الصحراء الغربية لصالح التمدد الشيوعي في إفريقيا. لهذا هندس وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975 التي تقضي بتقسيم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا وإجهاض قيام الدولة الصحراوية، وكان قد وضع الأسس لتنظيم “المسيرة الخضراء” مع الملك الحسن الثاني، يوم 6 نوفمبر من نفس السنة كغطاء للغزو العسكري المغربي وارتكاب حرب إبادة في حق الشعب الصحراوي وتهجيره من أرضه. كمت دعم قيام الملكية مجدداً في إسبانيا عن طريق دعم وصول خوان كارلوس إلى السلطة.
قدمت الولايات المتحدة الدعم الدبلوماسي والعسكري لضمان تحويل ميزان القوى لصالح المغرب في الغزو العسكري. وكان الهدف واضحاً حماية مصالح الإمبريالية في شمال إفريقيا، وحماية خطوط النفوذ في غرب المتوسط، وتأمين الوصول الاستراتيجي عبر مضيق جبل طارق، إلى جانب استخدام المغرب كأداة لضبط المجتمعات الثورية والأنظمة الوطنية التحررية في القارة.
وبين 1977 و1980، خلال إدارة كارتر، تبنى البيت الأبيض سياسة محايدة نسبياً، لكنها لم تمنع تقديم الدعم الجزئي للمغرب، إذ اعتبرت واشنطن أن فشل المغرب في السيطرة على الصحراء قد يؤدي إلى توسع الحركات الاشتراكية في المنطقة. وبحلول عام 1980، قررت الإدارة الأمريكية دعم المغرب بشكل كامل، في حين كانت البوليساريو تستعيد بشكل متزايد الأرض وتثبت سلطتها على معظم المناطق الصحراوية، مؤكدة أن الثورة التحررية لم تكن موجهة ضد المستعمر الإسباني فقط، بل ضد كل وكلاء الإمبريالية في شمال غرب إفريقيا.
مع وصول رونالد ريغان إلى الرئاسة في يناير 1981، شهد الدعم الأمريكي للمغرب طفرة نوعية، إذ أرسلت واشنطن مساعدات عسكرية واسعة، ومستشارين ميدانيين، ومهندسين عسكريين، بهدف ضمان بقاء المغرب القوة المسيطرة في الصحراء، وصد أي تقدم للبوليساريو. في هذه المرحلة، استخدم المغرب الجدار العازل الاستراتيجي، مستفيدًا من خبرة الفرنسيين والإسرائيليين، لتقييد قدرات البوليساريو على المناورة، وتثبيت الهيمنة المغربية، وبالتالي الحفاظ على مصالح الإمبريالية الغربية. وقد مكنت هذه الاستراتيجية المغرب من السيطرة على نحو 75% من الأراضي الصحراوية حتى اليوم.
استمرت الحرب على الأرض حتى إعلان وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1991، بهدف إجراء استفتاء لتقرير المصير. غير أن إصرار المغرب حول إدراج المستوطنين في الناخبين، حال دون إجراء الاستفتاء، خصوصاً أن اعتماد الإحصاء الإسباني لعام 1974 الذي قدمته البوليساريو يفضح مساعي المغرب لفرض غير الصحراويين كناخبين في الاستفتاء.
استمرت الولايات المتحدة في توجيه الضغط لصالح المغرب، طيلة سنوات وقف إطلاق النار الثلاثين، حيث حرصت على تقديم الدعم السياسي للمغرب، واستمرار عرقلة التسويات والمقترحات التي يقدمها مبعوثي الأمم المتحدة في مجلس الأمن لحل القضية.
بينما حاول المغرب مدعوماً من فرنسا وبدعم خلفي من أمريكا تحريض المجتمع الدولي ضد جبهة البوليساريو ووصمها بالإرهاب، وذلك لضمان عدم نجاح أي تجربة تحررية ثورية قد تعيد تشكيل موازين القوى في شمال غرب إفريقيا.
مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان المغرب يخرق اتفاق وقف إطلاق النار وهو ما دفع بعودة الحرب في 13 نوفمبر 2020. واستمر الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي والصهيوني للمغرب، بما في ذلك صفقات تسليح بمليارات الدولارات، وتثبيت وجود “افريكوم” في القارة عبر مناورات الأسد الإفريقي 21 في 2021، التي جمعت الجيشين الأمريكي والمغربي، وأكدت الدور المركزي للولايات المتحدة في الصحراء الغربية.
من خلال هذا التسلسل الزمني، يتضح أن السياسة الأمريكية في الصحراء الغربية لم تكن مجرد دعم لمستعمرة سابقة أو لحليف تقليدي، بل كانت جزءًا من استراتيجية أوسع لإبقاء الهيمنة الأمريكية والفرنسية في شمال وغرب إفريقيا، واحتواء أي ثورة اشتراكية أو تحررية، واستخدام المغرب كأداة لضمان استمرار النفوذ في المنطقة، بينما كانت الثورة الصحراوية الاشتراكية تمثل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا حقيقيًا قائمًا على تحرر الشعوب من الاستعمار ووكلائه المحليين، ومواجهة الإمبريالية بكل أشكالها.
حاجة النهب الرأسمالي لثروات الصحراء الغربية لتأبيد الاحتلال
الصحراء الغربية تمثل نموذجًا فريدًا لاستمرار الاستعمار والاستيطان الاستعماري، حيث تتحول الأراضي المحتلة إلى مواقع لاستغلال الموارد الطبيعية على نحو يخدم الرأسمالية العالمية ويعزز من السيطرة السياسية والاقتصادية للاحتلال المغربي، وهو ما يفسر السعي المستمر للقوى العالمية لفرض هذه السيطرة بأي ثمن كان.
لم تنشأ السيطرة واستغلال الموارد الصحراوية مع المغرب فقط، بل هي امتداد مباشر للتاريخ الاستعماري الإسباني الذي ركز على استخراج الموارد مثل الفوسفات والأسماك ونقلها مباشرة إلى البلد المستعمر، مع حرمان السكان الأصليين من أي استفادة اقتصادية حقيقية، وهو ما جعل جبهة البوليساريو تنفذ معظم عملياتها العسكرية ضد الاستعمار الإسباني من خلال استهداف سلاسل نقل الفوسفات وبواخر الصيد البحري.
بعد انسحاب إسبانيا، جاء الاحتلال المغربي ليعمّق هذا الهيمنة، مستفيدًا من شبكة المصالح الاقتصادية الدولية التي ترى في الأراضي المحتلة مناطق مربحة للاستثمار ونهب الموارد، مما يجعل المغرب الضامن الرئيسي لاستمرار هذا النهب.
من أبرز الموارد التي يستغلها الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية الفوسفات، الذي اكتُشف عام 1947 وأصبح أساسًا لربط الاقتصاد المغربي بالأسواق العالمية. كما تحوّل قطاع صيد الأسماك خلال العقود الماضية إلى مصدر دخل ضخم، إذ تمثل المصايد في الإقليم نحو ثلاثة أرباع عائدات الصيد الساحلي للمغرب. ويعود ذلك إلى غنى السواحل الصحراوية بأنواع مثل السردين والماكريل والأخطبوط، التي تُصدَّر عالميًا. وقد استثمر المغرب، بدعم من شركات أجنبية وخبرة أمريكية أحيانًا، في بناء الموانئ والبنى التحتية وتشجيع استيطان المغاربة في مدن مثل العيون والداخلة، ما غيّر التركيبة السكانية ورسّخ السيطرة الاقتصادية والسياسية على السكان الصحراويين.
تحولت مصايد الصحراء الغربية من نشاط محلي في الحقبة الإسبانية إلى جزء من سلاسل الإنتاج العالمية، لتصبح الموارد البحرية مصدر أرباح ضخمة تُحتكر من قبل النخب المغربية وشركات كبرى مثل OMP وMarona وKing Pelagique. في المقابل، يُهمَّش الصحراويون ويُدفعون إلى الأعمال الهامشية، بينما تُفرض عليهم قيود مشددة تمنعهم من الاستفادة من قطاع الصيد الذي كان يشكل مصدر رزقهم الأساسي.
وهكذا تتحول السيطرة على الثروات البحرية إلى ركيزة أساسية في مشروع الاستيطان الرأسمالي الذي يقوم على استغلال الموارد، فإدماج الصحراء الغربية في سلاسل القيمة العالمية لا يمثل فقط نهبًا اقتصاديا، بل هو جزء من عملية استعمارية مستمرة تُعيد إنتاج الهيمنة في شكل رأسمالي حديث. رغم مخالفة التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، التي تشمل موارد الإقليم للقانون الدولي وقوانين محكمة العدل الأوروبية -مثل حكم محكمة العدل الأوروبية 2024 الذي ألغي اتفاقيات الصيد والفلاحة لكونها تنتهك سيادة الشعب الصحراوي- إلا أنها تُستخدم لإضفاء شرعية اقتصادية على الاحتلال وضمان استمرار تدفق الأرباح نحو الشركات متعددة الجنسيات والنظام المغربي.
لا يقتصر استغلال الموارد على الفوسفات والأسماك، بل يشمل أيضًا الثروات الزراعية ومشاريع الطاقة المتجددة حيث تم بناء مشاريع الطاقة الريحية والشمسية في الصحراء الغربية بالتعاون مع الشركات الأجنبية الكبرى، مثل Siemens وSan Leon وKosmos Energy، وذلك بهدف توسيع نطاق الاستغلال الرأسمالي لموارد المنطقة بما في ذلك استخدام الاستعمار الأخضر كمدخل استراتيجي للسيطرة على الطاقات المتجددة في إفريقيا.
فرض الاستعمار الجديد والاستعمار الاستيطاني كقانون دولي
إدارة ترامب لم تكن خروجًا عن النهج الأمريكي، بل تجسيدًا صريحًا له. فهي استمرار لإمبراطورية تدير العالم بمنطق القوة ومصلحة رأس المال، سواء في دعم إسرائيل رغم إبادة غزة، أو في تمكين الشركات الكبرى من استنزاف الكونغو، أو في التعامل مع قوات الدعم السريع كممثل شرعي وهي تمارس الإبادة، أو في محاولة فرض “الحكم الذاتي” كغطاء قانوني للاحتلال المغربي.
تكشف هذه السياسات زيف الخطاب الأممي وهشاشة القانون الدولي، الذي لم تكتبه الشعوب المستعمَرة، بل القوى المنتصرة التي صاغته لضمان استمرار هيمنتها. فالقانون الدولي والأمم المتحدة ليسا أدوات لتحرير الشعوب، بل آليات لإدارة الاستعمار بوسائل جديدة: تحويل المقاومة إلى ملفات تفاوضية، وتقديم “السلام” كبديل عن الكفاح.
الأمم المتحدة، التي تسيطر عليها الدول الكبرى، فشلت في فلسطين، الصحراء الغربية، الكونغو، وهايتي، لأنها لم تُنشأ لتُنهي الاستعمار، بل لتُعيد إنتاجه في ثوب قانوني وأخلاقي جديد. فالإمبريالية اليوم لا تحتاج جيوشًا لفرض سيطرتها، بل منظومة أممية تمنحها شرعية “السلام” وهي في الحقيقة تُدير الاستعمار المقنّع.
نضال الشعب الصحراوي هو نضال لكل الشعوب المقهورة
ما يجري في الصحراء الغربية هو جزء من مشهد أوسع لإعادة إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة، حيث تستخدم القوى الإمبريالية قرارات الأمم المتحدة، وشعارات “الاستقرار” و”التنمية”، لتبرير النهب والسيطرة. من الكونغو والساحل إلى السودان وفلسطين، تتكرر الصورة نفسها: تُمنح شرعية للاحتلال، وتُنهب الثروات باسم “الواقعية السياسية”، وتُهمَّش إرادة الشعوب. ما يُسمى بـ“الشرعية الدولية” ليس سوى شرعية القوى المنتصرة التي تحمي مصالحها. لذلك، تبقى معركة الشعب الصحراوي امتدادًا لنضال إفريقيا ضد الاستعمار الجديد والرأسمالية الاحتكارية، وضد سعي واشنطن وباريس وتل أبيب لتقاسم القارة كمنطقة نفوذ.
* المقال بقلم ناشطة من الصحراء الغربية المحتلة.
هوامش:
[18] EU Court ruling: occupied Western Sahara not part of EU-Morocco agreements
Commission Pushes EU-Morocco Trade Deal, Ignoring Democratic Processes and Saharawi Rights [19]
Oppressive Energopolitics in Africa’s Last Colony: Energy, Subjectivities, and Resistance [20]





