رغم أهمية فوزه المرتقب
تراجع موقف مممداني بشأن فلسطين وأزمة اليسار الاصلاحي

تعيش مدينة نيويورك واحدة من أكثر الحملات الانتخابية سخونة في تاريخها الحديث، بعد أن دخل زهران ممداني، المرشح الديمقراطي ذو الجذور الأوغندية والهندية، مرحلة حاسمة في سباقه نحو رئاسة بلدية المدينة، وسط تصاعد في الاستقطاب السياسي وتكثيف الهجمات الإعلامية عليه من خصومه الجمهوريين والديمقراطيين المحافظين.
فبعد فوزه المفاجئ في الانتخابات التمهيدية الصيف الماضي على الحاكم السابق أندرو كومو، بدا أن ممداني يملك فرصة حقيقية لقيادة واحدة من أكبر المدن في العالم. لكن مع اقتراب موعد التصويت النهائي، تغيّرت المعادلة جزئيًا: فقد بدأت شعبية ممداني تتعرض للاهتزاز نتيجة الضغوط المتزايدة من الإعلام اليميني، إضافة إلى الجدل حول مواقفه من القضية الفلسطينية. وفي نفس الوقت يتعرّض ممداني لانتقادات واسعة من ناشطين يساريين ومنظمات تضامن مع فلسطين، بعد أن خفّف من لهجته السابقة التي كانت تصف إسرائيل بدولة فصلٍ عنصري. اكتفى ممداني مؤخرًا بدعوات “لوقف إطلاق النار” و”الحوار بين الجانبين”، وهو ما اعتبره كثيرون تراجعًا عن مواقفه الجريئة السابقة، وخضوعًا لضغوط القوى الصهيونية المؤثرة في السياسة النيويوركية.
لا يجب أن نقرأ هذا التراجع كتحوّل فردي فحسب، بل كأحد مظاهر أزمة اليسار الإصلاحي داخل المراكز الإمبريالية. فممداني، المنتمي إلى تيار “الاشتراكيين الديمقراطيين”، ينفصل، رغم جذوره المهاجرة، عن الحراك الشعبي التقدمي الذي دُعم به بتخفيف حدة مواقفه الجذرية الداعمة لتحرر فلسطين. أصبحّ التضامن في الخطاب الممداني الجديد رمزيًا وإنسانيًا أكثر من كونه سياسيًا ومناهضًا للاستعمار، وهو ما يضعه في موقع تناقض واضح مع المبادئ التي بنى عليها شعبيته.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن شعبيته في أحياء مثل كوينز وبروكلين لا تزال مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، والعمّال، والمهاجرين. هذه الفئات ترى فيه تمثيلًا نادرًا لصوتٍ يعارض هيمنة رأس المال العقاري والمالي في المدينة وكذلك معارضته لقمع الشرطة ووضع حدود قصوى للإيجارات. لكن بالمثل يتراجع ممداني عن مواقفه الحادة في تلك القضايا. كان ممداني سابقاً ناقداً لعنصرية الشرطة ويدعو لتقليل مسئوليات الشرطة وتمويلها ولكنه تراجع عن حدة النقد وأصبح يتحدث عن دعم الشرطة لتقوم بعملها. وبعد فوزه في الانتخابات التمهيدية مباشرة تواصل ممداني مع مؤسسة “الشراكة من أجل مدينة نيو يورك” النافذة لأصحاب الأعمال والمليارديرات وكبار أصحاب العقارات لترتيب اجتماعات معهم لطمأنتهم. لتصرح المؤسسة بعدها عن احتمال تعديل برنامج ممداني فيما يتعلق بحدود الإيجارات. اعتمدت حملة ممداني على حراك كبير من المتطوعين والداعمين وعلى مطالب جذرية جذبت إليه مؤيدين من الطبقة العاملة حتى من المعارضين لمواقفه الجذرية السابقة تجاه فلسطين. وقفه للحراك والاعتماد على اللوبيهات والبرلمان وحده، كما فعل الحزب الديمقراطي سابقاً مع حراك “حياة السود مهمة”، يسير به في طريق التخلي عن برنامجه ووعوده الجذرية، وبالتالي يكلفه قاعدته الانتخابية اليسارية التي دعمته. ومن هنا تأتي مراوغته السياسية: محاولة التوفيق بين قاعدة يسارية متضامنة مع فلسطين من جانب، وعلى الجانب الآخر مع مؤسسات حزبية وإعلامية ومالية لن تقبل التحدي المباشر للوبي الصهيوني.
في السياق الحالي ومع استمرار الإبادة الجماعية في غزة، تجعل المواقف الحذِرة من القضية الفلسطينية ممداني أمام اختيارين: إما أن يستعيد الخطاب الصريح والمبدئي الذي مكّنه من الزخم، أو يواصل التراجع فيخاطر بأن يُنظر إليه على أنه مرشّح يتنازل عن المبادئ، ما قد يُضعف حماسة القاعدة التقدّمية التي كانت تدعمه أساسًا. وبهذا يصبح السباق ليس فقط حول من سيقود نيويورك، بل حول مدى قدرة ممداني على ترجمة الزخم الانتخابي إلى تغيير حقيقي، وكم هي المسافة التي يمكن أن يقطعها قبل أن يتمادى في التنازل عن مبادئه أو أن يخسرها كلياً.
نعتبر الانتخابات الحالية اختبارًا لمدى قدرة مشروع “اليسارية الإصلاحية” على الصمود أمام تناقضاتها الداخلية. فممداني يجسّد بوضوح مأزق يسار يسعى لتغيير البنية الاجتماعية من الداخل دون أن يصطدم ببنية الهيمنة الإمبريالية والمؤسسات الرأسمالية ذاتها. وفي ظل الإبادة الجارية في غزة، تبدو مواقفه أكثر هشاشة من أي وقت مضى، إذ يظهر كمن يحاول موازنة العدالة والمصالح، في لحظة لا تحتمل الحياد.
هذه اللحظه تكشف أنّ المعركة الحقيقية ليست بينه وبين خصومه الليبراليين أو المحافظين، بل بين المبادئ الجذرية للتحرر والقيود الصهيونيه البنيوية للنظام الانتخابي الأميركي. فإما أن يتحوّل التضامن مع فلسطين إلى محورٍ نضاليّ حقيقي داخل برنامجه، أو سيبقى مجرّد شعار يُعيد إنتاج حدود اليسار المروَّض.





