بعد مجزرة الفاشر: فلنضغط لتجميد العلاقات مع الإمارات.. ولندعم المبادرات الشعبية

في شمال دارفور، دخلت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر بعدما ظلت تحت حصارٍ طويل دام أكثر من سنة تقريبًا. المدينة التي كانت تُعدّ مركزًا إداريًا وإنسانيًا للهجرة والنزوح الداخلي، أصبحت نقطة محورية في معركة السيطرة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المدعومة من دولة الإمارات. عند حصارها، عانى المدنيون من انقطاع شبه كامل في الغذاء والدواء (مجاعة مؤكدة)، وارتفاع هائل في القصف والعمليات الجوية. مع كل هذا عندما دخلت مليشيا الدعم السريع الفاشر ارتكبت من الفظائع ما لا يستوعبه عقل؛ حيث وثقت جهات محلية ودولية اعدامات ميدانية، اغتصابات، ومجازر جماعية. كثيرٌ من هذه الجرائم صُوّر ونُشر على يد منفّذيها أنفسهم.. كل هذا في الوقت الذي اخلت فيه قيادة الجيش مقارها في قيادة الفرقة السادسة مشاة في خطوة وصفتها بالتكتيك الاستراتيجي تاركة خلفها إنسان الفاشر في ايدي المليشيا يسومونه سوء العذاب. ومع ذلك، لم يصدر عن المجتمع الدولي سوى بياناتٍ باهتة تدين وتشجب فقط وتدعو إلى «ضبط النفس» و«العودة إلى المفاوضات».
لكن سقوط الفاشر لم يكن حدثًا عسكريًا فحسب؛ كان نتيجة مباشرة لتحالفات اقتصادية وسياسية إقليمية، تقف في قلبها دولة الإمارات التي تمد المليشيا بالسلاح والذخائر والطائرات المسيّرة، في مقابل تدفّق الذهب السوداني نحو أسواق دبي، منذ سنوات، تحوّل الذهب المستخرج من دارفور إلى سلعة استراتيجية، لا تخضع لرقابة الدولة بل لشبكات تهريب تتداخل فيها مصالح رجال أعمال سودانيين وإماراتيين. وقد وثّقت منظمات دولية، مثل “ذا سنتري” و”غلوبال ويتنس”، أن عائدات هذا الذهب تموّل بشكل مباشر العمليات العسكرية لمليشيا الدعم السريع. هذا الصمت الدولي لا يمكن فصله عن المصالح الاقتصادية والسياسية التي تربط عواصم غربية وخليجية بدبي. فالإمارات ليست مجرد ممول؛ إنها بوابة لتدوير الأموال والذهب والسلع التي تُموّل الحرب. وأي مساءلة جادّة لها قد تعني تفكيك منظومة كاملة من الاستثمارات والعلاقات التي تُقدَّم دائمًا كرمز “للاستقرار”. لكن الاستقرار الذي تُشيّده الإمارات في الخارج قائم على الفوضى في الداخل. من اليمن إلى ليبيا إلى السودان، يتكرّر النمط ذاته: دعم لقوى مسلحة خارج الدولة، تمويل لاقتصاد الحرب، ثم ترويج لصورة “الوسيط الإنساني” في المحافل الدولية. ولهذا فإن الحديث عن “وقف إطلاق النار” أو “اتفاق سلام” لا معنى له دون مساءلة من موّل وسلّح ومكّن.
رغم الفظائع التي رافقت سقوط الفاشر على يد قوات الدعم السريع، فإنّ أكثر ما يلفت في المشهد ليس فقط حجم الدمار، بل ردّ فعل الناس عليه. في مقابل الانهيار الرسمي، كانت المبادرات الشعبية والتكايا في الخط الأول لنجدة الإنسان الفاشري الفارّ من ظلمات بعضها فوق بعض. تشكّلت شبكات تضامن محلية بسرعة مذهلة، جمعت التبرعات ووزّعت الطعام وأنشأت مراكز للإيواء دون انتظار توجيهات من سلطة غائبة أو مؤسسات دولية مترددة. في هذا الفعل، يظهر نموذج مختلف، حيث تتولّى المجتمعات المحلية بنفسها اتخاذ القرار والتنفيذ، وفق ما يخدم حاجاتها ومصالحها المباشرة. إنه شكل من المقاومة المدنية التي تعيد تعريف السياسة لا كمجال للنخب والسلاح، بل كممارسة جماعية للكرامة والبقاء.
ولفهم هذا المشهد لا بد من النظر إلى ما هو أوسع من الفاشر. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، انهارت مؤسسات الدولة تماما في أغلب مناطق السودان، وغابت الحكومة عن أبسط الخدمات. في هذا الفراغ، ظهرت المبادرات الشعبية كبديل فعلي: لجان المقاومة، التكايا (المطابخ المركزية) التي أنقذت آلاف الاسر التي بقيت في الخرطوم والولايات التي آوت النازحين-من الجوع بتوفير وجبات يومية، الشبكات الطبية التطوعية التي عملت على تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية بالجهود الشعبية من الأطباء ومقدمي الخدمة من أبناء المنطقة ومحاولة التشبيك فيما بينهم لتغطية أوسع مساحة لاستقبال المصابين من المدنيين، وايضا التوعية بالأمراض التي انتشرت كجزء من اثار الحرب. ومبادرات الإغاثة التي يديرها المواطنون من أحيائهم وبدعم من السودانيين في المنافي. هذه التجارب لم تكن مجرد ردّ فعل على الكارثة، بل استمرار لمسار طويل من التنظيم الذاتي بدأ منذ الثورة في 2019، حين علّم السودانيون أنفسهم كيف ينظمون انفسهم بصورة تعمل على خدمة المواطن في المقام الأول وكيفية إدارة أحيائهم ومدنهم وأسواقهم ومستشفياتهم في غياب الدولة. ومع امتداد الحرب، تحولت هذه الخبرة إلى شريان حياة حقيقي: الناس يطهون ويعالجون ويستقبلون النازحين ويصنعون شبكات اتصال ومعلومات بديلة. إنها دولة موازية بلا اعتراف رسمي، لكنّها أكثر حضورًا من كل ما تبقّى من مؤسسات الدولة القديمة.
في مقابل هذا التنظيم الأهلي من أسفل، يظهر على السطح شكل آخر من التنظيم من أعلى: تحالفات إقليمية واقتصادية تتعامل مع الحرب في السودان كفرصة للنفوذ والربح. تلعب الإمارات هنا الدور الأبرز، بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع مقابل ضمان تدفّق الذهب من مناجم دارفور إلى أسواق دبي. العلاقة ليست خفية ولا جديدة، لكنها اليوم أكثر وضوحًا: حرب تُدار بأموال الخليج وسلاح مستورد، بينما تُدفن ضحاياها في أطراف المدن. هذا الشكل من التحالفات يرسخ واقعًا استعماريًا جديدًا، تُدار فيه موارد السودان من الخارج، فيما يدفع المجتمع المحلي ثمن السيطرة. وبينما يكتفي المجتمع الدولي بالصمت أو البيانات، يصبح التمويل الإماراتي أحد المفاتيح الأساسية لاستمرار المأساة، وواحدًا من أكثر أشكال العنف غير المرئيّة في الحرب.
في ظل هذا الصمت الدولي والتواطؤ الإقليمي، لم يعد كافيًا انتظار المواقف الرسمية أو البيانات الحقوقية. ما يجري في الفاشر هو نتيجة مباشرة لاقتصاد حرب تغذّيه أموال وسلاح يأتيان من الإمارات عبر ليبيا والى غرب السودان. أمام هذا الواقع، تصبح المقاطعة الشعبية والضغط المدني أدوات ضرورية لا رمزية. مقاطعة منتجات الإمارات وشركاتها، والضغط على الحكومات والمنظمات لإنهاء العلاقات الاقتصادية والعسكرية معها، ليست مجرد فعل احتجاجي، بل محاولة لإعادة تعريف المسؤولية في زمنٍ تذوب فيه الحدود بين المال والدم. فكما ابتكر السودانيون في الفاشر أشكالًا جديدة للتكافل من تحت، يمكن أن يمتد هذا الفعل خارج حدود السودان ليكوّن جبهة تضامن أوسع، تواجه شبكات الحرب بالوعي والمقاطعة والتنظيم. فلقد بات واضحًا أن صمت العالم لم يعد خيارًا، وأن استمرار العلاقات الاقتصادية مع الإمارات يعني المشاركة غير المباشرة في تمويل الجرائم في السودان.





