دماء مانزو تشعل غضب المكسيكيين
قوى يمينية تركب موجة الاحتجاجات لاستعادة السلطة

تشهد المكسيك موجة احتجاجات واسعة بعد اغتيال كارلوس مانزو، عمدة مدينة أوروابان في ولاية ميتشواكان، أثناء مشاركته في احتفالية يوم الموتى، أول نوفمبر الجاري.
كان مانزو من الأصوات القليلة داخل المؤسسات المحلية التي واجهت علنا نفوذ الجريمة المنظمة، ولذلك جاء اغتياله كشرارة فجرت غضبا شعبيا حقيقيا ضد العنف وتغاضي الدولة عن شبكات الفساد.
لكن الغضب الشعبي لم يكن وحده في الشارع. فقد سارعت قوى اليمين ورجال الأعمال والشخصيات السياسية المرتبطة بالمعارضة إلى استغلال موجة الاحتجاجات، حيث ظهر في مقدمة المسيرات رموز من التيار المحافظ، من بينهم شخصيات بارزة من حزب العمل الوطني، وقيادات سابقة في أحزاب يمينية، ورجال أعمال مقربون من الكتل النيوليبرالية، كما شارك في التظاهرات الدعوات شخصيات مؤثرة على رواد شبكات التواصل الاجتماعي ومكاتب علاقات عامة مرتبطة بوسائل إعلام يمينية.
وتشير تقارير صحفية إلى أن وكالات خاصة ومجموعات رقمية مدعومة من رجال أعمال ضخت كميات كبيرة من المحتوى الدعائي، ما ساهم في تضخيم صورة الحركة وجذب فئات خارج قاعدة المحتجين الأصلية.
ورغم أن التظاهرات رفعت لافتة حركة الجيل زد، فإن حضور الشباب كان أقل مما يوحي به الاسم، بينما كان الوجود الأكبر للشرائح الأكبر سنا من الطبقات الوسطى المحافظة.
تجمع الآلاف في شارع الإصلاح في العاصمة مكسيكو سيتي، ثم تحركوا نحو ساحة الزوكالو، حيث واجهوا حواجز الشرطة أمام القصر الوطني.
تحولت التظاهرة من السلمية إلى التصادم مع قوات الأمن، بعد استخدام الأخيرة الغاز المسيل للدموع، ما أسفر عن إصابة أكثر من 100 شرطي، إضافة إلى عشرات المتظاهرين، واعتقال ما لا يقل عن 20 شخصا.
وامتدت موجة الغضب إلى ولايات أخرى مثل ميتشواكان ونويفو ليون وأواكساكا. في أوروابان خرجت احتجاجات يومية منذ اغتيال مانزو بمشاركة آلاف من السكان المطالبين بالعدالة وبإنهاء حماية الدولة للعصابات المسلحة. وفي مدن أخرى توجه المحتجون إلى مبان حكومية محلية، بينما أغلق طلاب جامعات رئيسية عددا من الحرم الجامعية.
الأوضاع الحالية تعكس انهيارا أعمق في الثقة بين المواطنين والسلطات. يشعر كثير من المكسيكيين بأن الحكومة الفيدرالية فشلت في مواجهة العنف أو محاسبة المتورطين في الجريمة المنظمة، وأن النخب السياسية بمختلف أطيافها متورطة بدرجات متفاوتة في الفساد. هذا الاستياء الاجتماعي يفتح الباب أمام محاولات اليمين لإعادة تقديم نفسه كقوة قادرة على إدارة الملف الأمني، رغم أن هذه التيارات نفسها كانت جزءا من المشكلة خلال العقود الماضية من خلال السياسات النيوليبرالية التي عمقت الفقر وخصخصت الخدمات وأضعفت قدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة.
ورغم ادعاء حركة “الجيل زد” أنها حركة شبابية مستقلة وغير حزبية، فإن الواقع في الشارع كشف تناقضا واضحا بين الشباب الغاضب من كل الأحزاب وبين القوى اليمينية التي تحاول استغلال الحركة للدفع بأجندتها الخاصة.
ظهرت في الأيام الماضية شبكات اجتماعية وصفحات مؤثرة مرتبطة بوكالات تسويق رقمي معروفة بخدمتها لوسائل إعلام يمينية، ما يطرح أسئلة حول حجم التدخل المنظم في تشكيل الخطاب العام للحركة.
التصعيد الحالي يضع حكومة كلوديا شينباوم أمام اختبار سياسي صعب. إذا لجأت الدولة للحوار والشفافية فقد تنجح في احتواء الغضب الشعبي الحقيقي، أما إذا استمرت في الأساليب القمعية فقد تمنح اليمين مساحة أكبر لتقديم نفسه كبديل، رغم أن مصالحه بعيدة تماما عن احتياجات الطبقات العاملة والفئات الشعبية، التي تتحمل الجزء الأكبر من العنف اليومي.
التدهور الأمني والاغتيالات السياسية ليسا ظاهرتين معزولتين، بل نتيجة مباشرة لعقود من السياسات التي خدمت رأس المال وأضعفت قدرة المجتمع على حماية نفسه، كما أن الاحتجاجات الحالية تكشف أن الناس لم يعودوا قادرين على تحمل مستوى العنف والفساد، لكنها تكشف أيضا أن اليمين يحاول بكل إمكاناته ركوب الموجة وتحويل الغضب الشعبي إلى رأسمال سياسي يخدم إعادة إنتاج النظام نفسه.
يبقى مستقبل الحركة مرهونا بقدرتها على التمسك بمطالب الناس الحقيقية، وبقدرة التيارات التقدمية على فضح محاولات اليمين للهيمنة على الشارع، والدفع باتجاه بديل جذري يعالج جذور الأزمة بدل إعادة تسويق نفس الوجوه التي صنعتها.





