بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

استراتيجية ترامب الجديدة لمكافحة التراجع الأمريكي

استراتيجية الولايات المتحدة للأمن القومي تؤكد حدوث تحولات مهمة في توجهات الإمبريالية الأمريكية نحو روسيا والصين.

نشر دونالد ترامب استراتيجيته للأمن القومي (NSS) نهاية الأسبوع الأول من الشهر الجارى. في الغالب لم يكتب أي كلمة منها بنفسه، ولكنها تزال لافتة للنظر.

تُصدر كل إدارة أمريكية استراتيجيتها للأمن القومي، حيث تحدد فيها رؤيتها لأولويات الإمبريالية الأمريكية. ومن أبرز هذه الاستراتيجيات تلك التي أصدرها جورج بوش في سبتمبر 2002 عشية غزو العراق.

عكست تلك الاستراتيجية ثقة الطبقة الحاكمة الأمريكية التي، بعد انتصارها في الحرب الباردة، كانت تسعى إلى عولمة الرأسمالية النيوليبرالية المدعومة بقوة البنتاغون العسكرية.

أدت هزيمة بوش في العراق وأفغانستان إلى اتخاذ الإدارتين الديمقراطيتين اللاحقتين، إدارات باراك أوباما وجو بايدن، الحذر من استخدام القوة العسكرية الأمريكية بشكل مباشر.

لكن بايدن كان بنفس حدة بوش في إعلانه عن صراع عالمي بين “الديمقراطية” و”الأوتوقراطية”.

أما استراتيجية الأمن القومي الجديدة فهي مختلفة تمامًا. يبدأ الأمر بالفعل بتباهي ترامب بأن “هذه الوثيقة بمثابة خارطة طريق لضمان بقاء أمريكا أعظم دولة وأكثر دولة نجاحًا في تاريخ البشرية، ومهد الحرية على وجه الأرض”. لكنها تنص أيضًا على أن “الولايات المتحدة ترفض مفهوم الهيمنة العالمية المشؤوم”.

ويعلن القسم الخاص بالشرق الأوسط أن ترامب “يتخلى عن تجربة أمريكا الخاطئة في إجبار هذه الدول – وخاصة ممالك الخليج – على التخلي عن أنظمتها التاريخية”.

لكن ترامب لا يتغاضى فقط عن حلفائه الخليجيين المستبدين، بل إنه وصف روسيا والصين، حتى خلال فترته الرئاسية الأولى، بأنهما “منافسان” “وقوى تحريفية”.

ولا تظهر روسيا الآن في الاستراتيجية إلا في سياق انتقاد أوروبا بسبب “توقعاتها الغير واقعية” بالنصر في أوكرانيا بينما تستمر في شراء الغاز الروسي.

ويتم تصوير الصين في المقام الأول كمنافس اقتصادي يجب التعامل معه من خلال سياسة ترامب التي تسعى إلى “تجارة متوازنة” عبر فرض الرسوم الجمركية.

وقد حظي جزء أوروبا في الاستراتيجية بالاهتمام الأكبر. حيث يتجاوز القسم المطالبات الروتينية لحلفاء الولايات المتحدة في الناتو بالزيادات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي.

تكرر الاستراتيجية تنديدات حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (MAGA) التي أطلقها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير. ويُقال لنا إن أوروبا تعاني من خطر “محو حضارتها” بسبب الهجرة الجماعية وسياسات “الصحوة (woke policies)”.

وتعمل إدارة ترامب على “إنماء المقاومة للمسار الأوروبي الحالي داخل الدول الأوروبية”. وبناءً على ذلك، يرحب مجلس الأمن القومي الأمريكي بـ”تزايد نفوذ الأحزاب الأوروبية الوطنية” – أي اليمين المتطرف.

لا عجب إذًا أن وصفت روسيا الوثيقة بأنها “تتوافق إلى حد كبير مع رؤيتنا”. ويبدو أن ترامب يُؤيد النظام العالمي “متعدد الأطراف” الذي تدعو إليه كل من الصين وروسيا.

ويبدو مؤكد أن ما يُسمى بـ”التحول نحو آسيا” لمواجهة الصين قد انتهى.

وتُفيد صحيفة فايننشال تايمز بأن الحكومة اليابانية “منزعجة” من فشل الولايات المتحدة في دعم رئيسة الوزراء الجديدة سنا تاكيوتشي. التي تعرضت لإساءات من مسؤولين صينيين عند تصريحها بأن اليابان قد تتدخل عسكريًا إذا سعت الصين لغزو تايوان.

لكن هذا لا يعني نهاية الإمبريالية الأمريكية. فقد أعلنت استراتيجية الأمن القومي عن “ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، الذي حذرت فيه الولايات المتحدة القوى الخارجية من التدخل في الأمريكتين. وقال في الملحق: “نريد نصف كرة أرضية خاليًا من التوغل الأجنبي العدائي ومن ملكية أصول هامة”.

واليوم، وإن لم يذكر ذلك تفصيلًا، يُعد هذا تحذيرًا للصين، التي تُمثل سوقًا ضخمة لصادرات المعادن والمنتجات الزراعية من أمريكا اللاتينية.

وتؤكد الوثيقة مجددًا هدفًا تقليديًا للسياسة العالمية الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى، وهو: “يجب علينا منع الهيمنة العالمية، وفي بعض الأحيان حتى الإقليمية”. ومرة ​​أخرى، المرشح الوحيد لهذا الدور هو الصين.

إذًا، فإن استراتيجية ترامب تتعلق فعلاً بتحديد كيفية استدامة الإمبريالية الأمريكية بينما يقوم بتحدي هيمنتها منافسين يستشعرون ضعفها.

وستصبح الأمور أكثر صعوبة بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين مثل أوروبا واليابان. وقد لخص ترامب الأمر مؤخراً بقوله: “الكثير من حلفائنا ليسوا أصدقاءنا”.

*مقال مترجم من جريدة العامل الاشتراكي البريطانية