بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غارة الولايات المتحدة على فنزويلا تكشف درسًا قاسيًا

لا يخطئنّ أحدٌ! فغارة القرصنة التي شنتها الولايات المتحدة على فنزويلا لإلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس وسجنهما هي خطبٌ هائل. ذلك أن فنزويلا قضية مختلفة تمامًا عن غرينادا وبنما، آخر دولتين في الأمريكتين غزتهما الولايات المتحدة.

فغرينادا جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي، وبنما هي شريط ضيق من الأرض اقتطعته الولايات المتحدة من كولومبيا في بداية القرن العشرين. أما فنزويلا، فهي بلد كبير في أمريكا اللاتينية نال استقلاله من إسبانيا في صراع ملحمي عابر للقارات قاده سيمون بوليفار، “المحرِّر”، في أوائل القرن التاسع عشر.

وبعد تاريخ طويل من الخضوع للإمبريالية البريطانية أولًا، ثم الأمريكية، قادت فنزويلا تأسيس منظمة البلدان المصدرة للنفط (الأوبك) في عام 1960. وقد رمت الأوبك إلى انتزاع السيطرة على إنتاج النفط من الكارتل القوي للشركات الغربية المعروف باسم “الأخوات السبع”. وفي ظل حكم هوغو شافيز، بين عامي 1999 و2013، تحدت فنزويلا واشنطن وسعت إلى بناء “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”.

وبينما دفن مادورو ثورة شافيز البوليفارية، فإن دونالد ترامب ووزير خارجيته الكوبي الأصل ماركو روبيو عقدا العزم على محو تاريخ أمريكا اللاتينية في مقاومة الإمبريالية. وتُبيِّن غارة السبت الماضي أنه يتعيّن علينا أخذ استراتيجية ترامب للأمن القومي على محمل الجد. وتؤكد الوثيقة الأولوية الاستراتيجية المتمثلة، حسب تعبير ترامب يوم السبت الماضي، فيما يلي: “لن تكون سيطرة الولايات المتحدة في نصف الكرة الأرضية الغربي موضع تشكيك مرة أخرى”. “نريد نصف كرة أرضية تبقى بمنأى عن التوغل الأجنبي العدائي” و”تدعم سلاسل الإمداد الحيوية – كما نريد ضمان استمرار وصولنا إلى المواقع الاستراتيجية الرئيسية”.

والحال أن الولايات المتحدة حدّدت المنطقة كمصدر رئيسي للمواد الخام والسلع المصنعة ضمن التنافس الإمبريالي العالمي بين الولايات المتحدة والصين. وإذ تحوز فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية في العالم، فقد تعهد ترامب بعكس مسار تأميم فنزويلا للنفط في عام 1976، قائلاً: “سنتيح الدخول لشركاتنا النفطية الأمريكية الكبرى، وهي الأكبر في العالم”. ومثلما كتب المحلل أنوسار فاروقي على تويتر، “أقدم ترامب على تصعيد كبير لدفاعه عن النظام الأحفوري”. ولا شك أنه يرحب كذلك بأي تشتيت للانتباه عن فضيحة جيفري إبستين.

يهدف اعتقال مادورو إلى تخويف كل حكومة في أمريكا اللاتينية. وقد هدّد ترامب صراحة رئيسا المكسيك وكولومبيا. ولو كنتُ الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، لشعرت بقلق خاص. لكن تهديدات ترامب تمتد لأبعد من ذلك. والحاصل أن الضعف المخزي للإمبريالية الأوروبية لم يسبق له أن يتجلى بوضوح أكبر من مشهد تكالب حكامها على الترحيب بإقصاء مادورو. بيد أن الجرس يدق لأوروبا أيضاً. فمن ذا الذي سيراهن الآن على عدم استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند؟

لا شيء من هذا يعني أن تعهُّد ترامب بـ”حكم” فنزويلا سيكون سهلاً. فالغارة الأمريكية كانت ناجحة تقنيًا، لكن القوات المسلحة الفنزويلية المجهزة تجهيزًا جيدًا لم تُبدِ مقاومة تُذكر. ويُنبئنا هذا بالكثير عن عدم تمتع مادورو بالتأييد الشعبي. وهناك أدلة متزايدة على أن ترامب أبرم صفقة لإبعاد مادورو مع عناصر في النظام. وهذا الأخير تقوده الآن نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي قال ترامب وروبيو إنهما منفتحان على العمل معها.

والواقع أن الحفاظ على النظام هو خيار يتمتع بقدر من المعقولية. فقرار الولايات المتحدة في العراق بحل جيش صدام حسين وطرد جميع أعضاء حزب البعث الحاكم كان خطوة نحو الانفجار الداخلي للبلد. ومع ذلك، فإن أي صفقة ربما تكون قد أُبرِمت للتخلص من مادورو يمكن أن تنهار تحت الضغط المزدوج لمطالب ترامب من موارد فنزويلا والصراعات السياسية والاجتماعية الداخلية.

غير أن هذا كله متروك للمستقبل. والحال أننا تلقينا درسًا بالغ القسوة عن حقائق القوة في نظام رأسمالي واقع في براثن أزمات متعددة. وها نحن نشهد نافذة إخبارية ليبرالية مثل لوموند في فرنسا تشكو الآن بلغة شبه ماركسية عن “عودة الإمبريالية الأمريكية المفترسة”. لكن تحوُّل ترامب إلى القسر الوحشي هو رد فعل على تهاوي هيمنة الولايات المتحدة، وهو يعد بمزيد من الانحدار نحو الفوضى.

إن الجواب الوحيد لا يمكن أن يأتي سوى من أسفل: من مواصلة تطوير حركات جماهيرية مناهضة للإمبريالية على غرار الحركة الضخمة من أجل فلسطين.

*المقال مترجم من جريدة العامل الاشتراكي البريطانية