بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المسألة الإيرانية بين استثمار الامبريالية والغضب الجماهيري

لا يمكن فهم إيران من خلال اختزالها في صورة واحدة. فهي ليست مجرد “دولة مقاومة” كما يُراد لها أن تظهر في الخطاب الإقليمي، ولا مجرد “نظام قمعي” كما تُقدَّم في الخطاب الليبرالي الغربي. إيران هي نتاج مسار تاريخي خرج من ثورة شعبية كبرى، راكم مشروعية حقيقية في مواجهة الإمبريالية والصهيونية، لكنه أعاد في الوقت نفسه بناء دولة طبقية ذات مصالح محددة، تمارس القمع في الداخل، وتدير نفوذًا إقليميًا محكومًا بمنطق الدولة لا بمنطق التحرر الاجتماعي.

أحد أعمدة مشروعية النظام الإيراني، داخليًا وإقليميًا، هو عداءه الصريح للولايات المتحدة وإسرائيل، ودعمه السياسي والعسكري لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمنية. هذا البعد لا يمكن إنكاره أو التعامل معه كدعاية. ففي سياق عربي شهد انهيارًا شبه كامل للأنظمة الرسمية أمام المشروع الصهيوني، شكّلت المواجهة الإيرانية، بما فيها وصول الصواريخ إلى تل أبيب وإرباك معادلة الردع، لحظة فارقة في الوعي الشعبي العربي. هذا الرصيد حقيقي، وهو أحد أسباب الالتباس المستمر في الموقف من إيران.

لكن هذا الرصيد، حين يُفصل عن طبيعة الدولة الإيرانية نفسها، يتحول من عنصر قوة إلى أداة تعمية. فالمواجهة مع الإمبريالية لا تلغي التناقضات الطبقية في الداخل، ولا تجعل من الدولة بالضرورة أداة تحرر للجماهير. هنا يظهر التناقض المركزي في التجربة الإيرانية: دولة تواجه الخارج، لكنها تضبط مجتمعها من أعلى، وتمنع تحوّل الصراع الاجتماعي إلى مسار سياسي منظم.

السلطة في إيران لا تتمركز في مؤسسة واحدة، بل في كتلة طبقية حاكمة تشكّلت من تداخل المؤسسة الدينية، والأمنية، والعسكرية، مع شبكات اقتصادية واسعة. هذه الكتلة لا تمثل برجوازية إنتاج، بل برجوازية دولة–ريع–تجارة، راكمت ثروتها عبر السيطرة على النفط والغاز، والتجارة الخارجية، والعملات الصعبة، والعقود الكبرى، والاقتصاد الموازي. قوتها لا تقوم على توسيع قاعدة الإنتاج الاجتماعي أو تحسين شروط حياة المجتمع، بل على احتكار قنوات التوزيع والوساطة، وتحويل الأزمات إلى أدوات نفوذ وربح.

لهذا لا تعمل الدولة الإيرانية كدولة إنتاج، بل كدولة توزيع انتقائي. الريع النفطي لا يُستخدم لبناء عقد اجتماعي شامل، بل لإعادة إنتاج الولاءات داخل الكتلة الحاكمة، وشراء السكون الاجتماعي عند الضرورة. ومع تراجع القدرة الريعية بفعل العقوبات، لم تتجه الدولة إلى تمكين المجتمع من تعويض الخسارة عبر الإنتاج والتنظيم، بل شددت قبضتها، ووسّعت نقل الكلفة إلى الطبقات الأدنى. الغلاء هنا ليس خللًا طارئًا، بل نتيجة بنيوية لطريقة الحكم.

العقوبات الخارجية لم تُضعف مراكز السلطة، بل أعادت ترتيب المجتمع طبقيًا لصالحها. ارتفعت الأسعار، تآكلت الأجور، اتسعت البطالة، وتدهورت الخدمات، بينما استطاعت شبكات مرتبطة بالدولة تحويل الحصار إلى فرصة عبر الاحتكار والتهريب والسيطرة على الموارد. هكذا تحوّل الصراع الدولي إلى أداة داخلية لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي، حيث تدفع الجماهير كلفة المواجهة الخارجية دون أن تملك أي دور في تحديدها أو إدارتها.

الطبقة العاملة الإيرانية واسعة ومتشعبة، لكنها تعاني من غياب شبه كامل للتمثيل السياسي والتنظيم المستقل. النقابات محاصَرة أو مُفرغة من مضمونها، والإضرابات تُقابل بالقمع أو التجريم، والمطالب المعيشية تُؤوَّل بوصفها تهديدًا للأمن القومي. لذلك تظهر الاحتجاجات العمالية غالبًا بصيغة مطلبية متفرقة، عالية الكلفة، قصيرة النفس، لا تتحول إلى قوة تفاوضية مستدامة. هذا ليس ضعفًا في الوعي، بل نتيجة مباشرة لبنية دولة تمنع تشكّل أي وسيط جماعي بين الفرد والسلطة.

أما الطبقة الوسطى الحضرية، فقد شهدت تآكلًا طويل الأمد. التعليم لم يعد ضمانًا للترقي الاجتماعي، الوظيفة فقدت استقرارها، وكلفة الحياة تجاوزت الدخل. هذه الطبقة حاضرة بقوة في الاحتجاجات، لكنها تعيش تناقضًا داخليًا حادًا: غضب متراكم من القمع والغلاء، يقابله خوف عميق من الفوضى والتدخل الخارجي. هذا التردد يفسر الطابع المتقطع للحراك، وقابليته للتشويه أو الاحتواء.

قمع النساء والأقليات في إيران ليس مسألة ثقافية أو دينية معزولة، بل جزء من آلية حكم شاملة. الدولة التي تمنع التنظيم السياسي المستقل، تضبط المجتمع عبر الجسد والهوية والفضاء العام. لذلك تتحول قضايا النساء والأقليات إلى بؤر اشتعال متكررة، لأنها تمسّ جوهر السيطرة اليومية، لا مجرد الخطاب الأيديولوجي، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من الصراع الاجتماعي العام.

ما يميز الدولة الإيرانية ليس القمع وحده، بل طريقة إدارة الصراع الاجتماعي. فهي لا تسعى إلى حل التناقضات، بل إلى إدارتها زمنيًا: امتصاص جزئي، قمع انتقائي، انتظار، ثم إعادة الدورة. هذه الإدارة الزمنية للصراع، عبر تفكيك المجتمع كقوة مستقلة ومنع تراكم الخبرة التنظيمية، تفسر قدرة النظام على البقاء رغم تكرار الانتفاضات.

في هذا الإطار، تلعب الأيديولوجيا دورًا حاسمًا. خطاب “المقاومة” لا يُستخدم فقط في السياسة الخارجية، بل كأداة داخلية لإعادة ترتيب الوعي الاجتماعي. يُعاد تعريف الصراع الطبقي بوصفه صراعًا وجوديًا مع عدو خارجي، بحيث يصبح أي مطلب اجتماعي محل تشكيك، وأي احتجاج قابلًا للتجريم. هذا لا ينفي حقيقة الصراع مع الإمبريالية، لكنه يوظفها كآلية ضبط داخلي.

إقليميًا، تتحرك إيران بوصفها دولة تسعى لتعظيم نفوذها وتحسين موقعها التفاوضي داخل النظام العالمي، لا بوصفها حركة تحرر دائمة. دعمها للمقاومة حقيقي، لكنه مشروط بحسابات الدولة. هذا ما يفسر دعمها للنظام السوري دفاعًا عن موقع جيوسياسي حتى لو تطلّب سحق ثورة شعبية، ودورها في احتواء المسار الثوري في لبنان عبر دعم منظومة سياسية أعادت إنتاج الانهيار الاجتماعي. ويظهر المنطق نفسه بعد 7 أكتوبر 2023، حين جاء الدعم لغزة محكومًا بالتردد والحساب، لا بالاستعداد لتحمل كلفة مواجهة شاملة، وهو ما ساهم، ضمن عوامل أخرى، في إضعاف جبهة المقاومة في غزة ولبنان.

في الداخل، تتكرر الانتفاضات لأن التناقض الاجتماعي لم يُحلّ. الغلاء، القمع، وانسداد الأفق يدفع الجماهير إلى الشارع دوريًا. هذه الاحتجاجات ليست مؤامرات خارجية، لكنها تتعرض دائمًا لمسارين متوازيين: قمع وتشويه داخلي باسم الأمن والسيادة، ومحاولات ركوب خارجية باسم الحرية والديمقراطية. كلا المسارين يصادر الحراك من الجماهير ويمنع تحوّله إلى قوة اجتماعية مستقلة.

من هنا، يصبح الموقف الثوري تجاه إيران موقفًا مركبًا وواضحًا في آن واحد. من الضروري رفض أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني عبر الإمبريالية أو الصهيونية، لأن ذلك يعني إحلال تبعية أشد وضرب ما تبقى من إمكانات مقاومة في المنطقة. لكن هذا الرفض لا يمكن أن يتحول إلى تبرير لقمع الجماهير الإيرانية أو الصمت على استغلالها واضطهادها.

الاصطفاف الحقيقي هو مع الشعوب، لا مع الدول. مع حق الجماهير الإيرانية في النضال ضد الإفقار والقمع، ومع حق شعوب المنطقة في مقاومة الإمبريالية والصهيونية، دون تحويل أي من المعركتين إلى ذريعة لإلغاء الأخرى. لا مقاومة بلا جماهير، ولا سيادة بلا عدالة اجتماعية، ولا تحرر من الهيمنة الخارجية دون تحرر من الدولة الطبقية التي تعيد إنتاج القهر في الداخل.

إيران اليوم ليست ساحة صراع أخلاقي بين خير وشر، بل ميدان تناقضات مفتوحة. وحسم هذه التناقضات لن يأتي من الخارج، ولا من فوق، بل فقط حين تتحول الجماهير من موضوع للسياسة إلى فاعلها الرئيسي. التاريخ لا تصنعه الدول، بل الشعوب، والثورة لا تُقاس بما ترفعه الأنظمة من شعارات، بل بما تملكه المجتمعات من قدرة على التنظيم والضغط وفرض شروطها.