احنا اسفين يا "مبارك"
النظام يطارد اللاجئين السودانيين من أجل عيون البرهان

ليست وفاة مبارك قمر الدين حادثة فردية معزولة، بل تأتي في سياق سياسي أوسع تُدار فيه قضايا الهجرة واللجوء بمنطق أمني صرف، لا بمنطق إنساني أو قانوني. رجل في السابعة والستين، يعاني أمراضًا مزمنة، يحمل مستندات سارية من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ويسلك المسار القانوني لتوفيق أوضاعه، يُحتجز لأيام تنتهي بوفاته. هذه الواقعة تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تتحول إجراءات يفترض أن تكون تنظيمية إلى إجراءات تهدد الحياة نفسها؟
تتعامل السلطة في مصر مع ملف اللاجئين باعتباره ملفًا أمنيًا واقتصاديًا في آن، لا بوصفه قضية حقوق إنسان وتضامن مع شعب شقيق يواجه حرب أهلية بين طرفي الثورة المضادة. في لحظات الضغط الاقتصادي والسياسي الحاد، يصبح اللاجئ مادة سهلة في الخطاب العام: يُتهم باستهلاك الدعم، والمساهمة في ارتفاع الأسعار، والضغط على سوق العقارات،
وتتعالى أصوات حملات عنصرية بعضها مدفوع من النظام، وبعضها شعبي للأسف، تطالب بطرد اخوتنا السودانيين، وهي حملات لا تختلف كثيرا عن حملات اليمين المتطرف ضد اللاجئين العرب والأفارقة في أوروبا.
رغم أن غالبية اللاجئين لا يحصلون على دعم حكومي مباشر، ويعتمدون على شبكاتهم الاجتماعية أو مساعدات أممية متواضعة لا تجاوز الـ 400 جنيه للفرد فإن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي واسعة، تضخيم صورة “اللاجئ المترف بالدولار” يخدم وظيفة سياسية واضحة: إعادة توجيه الغضب الاجتماعي بعيدًا عن جذور الأزمة الاقتصادية البنيوية.
في الوقت ذاته، تُطرح بشكل دوري مبادرات “توفيق الأوضاع” بمبالغ مالية كبيرة بالدولار، وهو ما يعمّق مفارقة لافتة: من جهة يُقدَّم اللاجئ كعبء اقتصادي، ومن جهة أخرى يُطلب منه دفع مبالغ تفوق قدرة شريحة واسعة منه، في سياق تتدهور فيه الدخول في المنطقة بأكملها. النتيجة أن سودانيين كثر في مصر يجدون أنفسهم عالقين بين استحالة الدفع واستحالة العودة. مهددين بشبح الملاحقة.
ولا يمكن فصل ذلك عن سياق سوداني داخلي معقد، حيث تتصاعد دعوات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الذي يتحالف معه النظام المصري للسودانيين للفارين من جحيم الحرب بالعودة لبلادهم ليعطي صورة زائفة بالاستقرار رغم غياب شروط العودة الآمنة والكريمة. إعادة الإعمار لا يمكن أن تُبنى على عودة قسرية أو ضغط اقتصادي يدفع الناس دفعًا نحو خيار لم يتهيأ له الحد الأدنى من الاستقرار.
أما على المستوى الدولي، فإن الصمت أو الاكتفاء بالتصريحات العامة يثير تساؤلات حول فعالية منظومة الحماية نفسها. عندما يحمل طالب اللجوء مستندات رسمية، ثم يواجه خطر الاحتجاز أو الترحيل، فإن فجوة الحماية تصبح واقعًا يوميًا لا مجرد خلل إداري.
في الظل، ينمو اقتصاد موازٍ قاسٍ: رشاوى، إتاوات، مبالغ تُدفع من أسر مرهقة أصلًا، أملاً في الإفراج عن قريب أو إدخال دواء أو تخفيف معاناة محتجز. هذا العالم غير المرئي يضاعف هشاشة مجتمعات أنهكتها الحرب والنزوح.
القضية هنا ليست مصر ضد السودان، ولا شعبًا ضد شعب. بل هي سؤال عن كيفية إدارة الأزمات في دول الجنوب. يجب التوقف عن تحميل الفئات الأضعف تكلفة الأزمات لأن ذلك لم ولن يحل جذورها. اللاجئ ليس خصمًا اقتصاديًا، بل إنسان يبحث عن الأمان والعمل والتعليم والعلاج — وهي حقوق لا تسقط بالحدود. قرار اللجوء لم يكن ترفًا، بل اضطرارًا فرضته الحرب. والعودة لا ينبغي أن تكون نتيجة ضغط أو خوف، بل خيارًا حرًا وآمنًا. الأزمات الاقتصادية. السياسية أعقد من أن يختزلها وجود لاجئ. العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتضييق الخناق على الأضعف، بل بمساءلة السياسات التي أنتجت التفاوت.





