«التحاور ليس اتفاقًا»
الحبكة النيوكولونيالية لترامب في الصحراء الغربية لشرعنة الضمّ المغربي

تشير المعلومات المتداولة حول انطلاق محادثات في إسبانيا، قد تفتح الباب أمام «مفاوضات مباشرة بين جبهة البوليساريو والمغرب»، برعاية الولايات المتحدة وعلى الأراضي الإسبانية، إلى ضرورة التعامل مع هذا التطور بأقصى درجات الحذر. فالأمر لا يتعلق بمحطة دبلوماسية عابرة أو ثانوية، بل بمؤشر بالغ الدلالة على إعادة ترتيب المشهد الاستعماري في الصحراء الغربية، تحت وصاية إمبريالية، وفي سياق دولي يتسم بالتآكل المتسارع لمنظومة التعددية وللقانون الدولي.
وإذا ما تأكدت هذه الاتصالات، فإنها ستشكّل عملية سياسية رفيعة المستوى، تهدف إلى إعادة تموضع القضية الصحراوية ضمن إطار يخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن وللمَلَكية المغربية، من خلال إزاحة القضية عن موقعها في القانوني الدولي (كقضية تصفية استعمار على لائحة اللجنة الرابعة للأمم المتحدة)، ودفعها نحو ساحة «تفاوض» تُدار بمنطق الضغط، واللا تكافؤ، والابتزاز السياسي.
الهجوم الإمبريالي: تفكيك التعددية واستبدالها بمنطق القوة
في هذا السياق، تستعيد عبارة «التحاور ليس اتفاقًا» راهنيتها السياسية. وهي عبارة شاع تداولها في أميركا اللاتينية والكاريبي على يد مؤسس حزب الأبرا البيروفي، فيكتور راوول هايا دي لا تورّي، ويُنسب صوغها إلى راميرو بريالي. وتختزل هذه المقولة تمييزًا سياسيًا جوهريًا: فالحوار قد يكون ضروريًا في لحظات معينة، لكنه لا ينبغي أبدًا أن يُخلط بالتخلي عن الأهداف الاستراتيجية الأساسية.
ويكتسب هذا التمييز أهمية مضاعفة في مشهد دولي لا يكتفي فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإضعاف المؤسسات متعددة الأطراف، بل يعمل بصورة صريحة على استبدال القانون الدولي بمنطق القوة المباشرة والعارية. وقد شددنا في تحليلات سابقة على أن الجيوسياسة التي يعتمدها ترامب لا تمثل «انفصالًا» عن النظام الدولي القائم، بل إعادة ترتيب قسرية من موقع هيمنة أحادية وإمبريالية، تهدف إلى إزالة القيود المعيارية التي تعيق فرض إرادته الجيوسياسية.
لذلك، يجب التمييز بين هذه السياسة والانقطاع التحرري أو فك الارتباط — كما اقترحه سمير أمين — فهي في الواقع انفصال إمبريالي زائف، يهدف إلى تفكيك الحمايات القانونية وإعادة صياغة النظام العالمي على أسس الإكراه.
«النظام الجديد»: الصفقة السياسية وتآكل القانون الدولي
يشكّل إضعاف منظومة التعددية اتجاهًا عالميًا متصاعدًا. فقد روّج دونالد ترامب لسياسة خارجية أحادية الطابع وقائمة على منطق الصفقات، ما أسهم في تسريع تآكل القواعد والمعايير الدولية، وترسيخ مشهد دولي تتقدّم فيه التهديدات والعقوبات وفرض الأمر الواقع على حساب القانون الدولي.
وفي هذا السياق، تكتسب الحوارات التي يُعلن عنها — بين جبهة البوليساريو والمغرب، وتحت الرعاية الأميركية — دلالة مختلفة كليًا. فهي لا تُطرح بوصفها مسارًا جديًا لإعادة تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة شروط سلام حقيقي ودائم، ولا كآلية تهدف إلى وضع جدول زمني يُفضي إلى تجسيد الحق غير القابل للتصرف للشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال. بل تبدو، في جوهرها، مناورات سياسية ترمي إلى فرض توازن جيوسياسي جديد يُقصي الحقوق المعيارية للشعوب الخاضعة للاستعمار ويهمّشها.
وفي الحالة الصحراوية تحديدًا، لا يمكن الحديث عن حوار متكافئ بين أطراف متساوية، بل عن محاولة لفرض إطار تفاوضي بين مَلَكية استعمارية تحتل الصحراء الغربية بصورة غير قانونية، وحركة تحرر وطني — هي جبهة البوليساريو — تمثّل الشعب الصحراوي بأكمله، المجسَّد سياسيًا في الجمهورية الصحراوية الديمقراطية، الدولة العضو في الاتحاد الإفريقي.
الولايات المتحدة كوسيط مفروض: حين تتحول الدبلوماسية إلى أداة استقطاب
إجراء هذه المحادثات داخل سفارة الولايات المتحدة في مدريد، يشير بوضوح إلى سعي واشنطن لإعادة تقديم نفسها وسيطًا دوليًا، رغم كونها أحد العوامل الرئيسية في تقويض النظام القانوني الدولي. ويبرز ذلك بجلاء في اعترافها الأحادي بضمّ المغرب غير القانوني للصحراء الغربية.
ولا تهدف هذه «الوساطة» إلى تيسير ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير، بقدر ما تسعى إلى إدارة النزاع ضمن المدار الجيوسياسي الأميركي، بما يضمن تغليب موازين القوى على قواعد القانون الدولي.
إنها وساطة لا تسعى إلى إحقاق العدالة الدولية، بل إلى ضمان استقرار استعماري ووظيفية جيوسياسية تخدم مصالح القوى المهيمنة.
دفن الاستفتاء: التلاعب بالإطار القانوني والتحوّل المفروض داخل الأمم المتحدة
منذ عام 1991، حدّد الإطار الشرعي لحل قضية الصحراء الغربية من خلال بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) وتنظيم استفتاء تقرير المصير. غير أن المغرب عمل بصورة منهجية على تعطيل هذا المسار، ويُدفع اليوم باتجاه اتصالات تهدف إلى تكريس تسوية سياسية منسجمة مع مصالحه، ومنفصلة عن المرجعيات القانونية للأمم المتحدة.
وقد تعزز هذا المسار مع اعتماد مجلس الأمن القرار 2797، الصادر في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025، برعاية الولايات المتحدة. إذ أعاد القرار التأكيد على صيغة «الحل السياسي»، ومنح أولوية لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا للتفاوض، ما أدّى عمليًا إلى إزاحة المحور التاريخي القائم على تقرير المصير عبر الاستفتاء، بما في ذلك خيار الاستقلال.
وتمثّل هذه الخطوة مناورة نيوكولونيالية واضحة، تهدف إلى إعادة تأطير النزاع بحيث لا يعود قضية تصفية استعمار، بل مجرد «تفاوض ثنائي»، مع شطبٍ فعلي للتفويض القانوني المتعلق بحق تقرير المصير.
فالهدف هو دفن حق الشعب الصحراوي في اختيار مصيره، واستبداله بصيغة استعمارية مموّهة: حكم ذاتي تحت سيادة القوة المحتلة. وهذه ليست تسوية سياسية، بل شرعنة للاحتلال.
إسبانيا: من قوة إدارية إلى فاعلٍ تابع
إن انعقاد هذه المحادثات في إسبانيا — الدولة التي تتحمّل مسؤولية تاريخية مباشرة عن مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية — لا يمكن اعتباره تفصيلًا عرضيًا أو مجرد صدفة رمزية. فقد انتقلت إسبانيا من موقع «القوة الإدارية» (بحكم دورها الاستعماري في الصحراء الغربية الذي لم تتم تصفيته بعد) إلى دور فاعل دبلوماسي تابع، خاضع لأجندات ومصالح الولايات المتحدة وفرنسا، ومستجيب لضغوط المغرب في ملفات حيوية، من بينها الهجرة والتجارة والأمن.
هذا الارتهان السياسي حوّل إسبانيا إلى منصة وظيفية تخدم استراتيجيات خارجية، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تمييع مسؤوليتها التاريخية تجاه استكمال عملية تصفية الاستعمار، والتنصّل من واجبها الأخلاقي والسياسي تجاه تحقيق العدالة في الصحراء الغربية.
المغرب وإسرائيل: تحالفات في خدمة استعمار جديد
إن تعميق التحالفات بين المغرب وإسرائيل يندرج ضمن دينامية جيوسياسية أوسع، تتجاوز البعد الثنائي، وتعكس تحولات في بنية النظام الإقليمي والدولي. فقد نجح المغرب في توظيف علاقاته الاستراتيجية مع القوى الغربية، ومع تل أبيب على وجه الخصوص، من أجل تعزيز قدراته العسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، والتموضع كأحد أعمدة النيوكولونيالية المعاصرة.
ولا يمكن فصل دور المغرب في تطبيع العلاقات مع إسرائيل — في سياق الإبادة الجماعية والتوسّع الاستعماري الإسرائيلي في فلسطين وقطاع غزة — عن سياسته الاحتلالية في الصحراء الغربية.
فهذا التحالف لا يكتفي بمنح شرعية إضافية لسياساته التوسعية، بل يساهم في ترسيخ بنية جيوسياسية جديدة تُستبدل فيها العدالة الدولية بمنطق الواقعية السياسية، القائم على صفقات ثنائية تخدم المصالح الغربية.
الصحراء الغربية وفلسطين: نضالان لا ينفصلان
إن القضيتين الصحراوية والفلسطينية غير قابلتين للفصل. فكلتاهما تعبّران عن نضالين مناهضين للاستعمار، من أجل تقرير المصير، في مواجهة احتلالات غير قانونية وانتهاكات صارخة للقانون الدولي. كما تشتركان في أصل بنيوي واحد، يتمثل في إنكار القانون الدولي من قبل القوى المهيمنة وحلفائها.
إن الدفاع المشترك عن فلسطين والصحراء الغربية لا يشكّل موقفًا خطابيًا أو تعبيرًا رمزيًا، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على الشرعية الكونية لمطالب الشعبين، كما أكدنا مرارًا في تحليلات ومقابلات سابقة.
ويُظهر هذا الترابط أن أي مسار تفاوضي لا يعترف بالجذر الاستعماري للصراع الصحراوي — كما هو الحال في فلسطين — يظل مهددًا بإعادة إنتاج آليات الاستيعاب والاحتواء الإمبريالي، التي أضعفت تاريخيًا مسارات التحرّر الوطني.
خاتمة: التحاور قد يكون تكتيكًا؛ أمّا الاتفاق فاستسلام
في زمن الهجوم الإمبريالي المتواصل على التعددية، وعلى القانون الدولي، وعلى حقوق الشعوب المقهورة، لا يمكن النظر إلى الدبلوماسية بوصفها أداة محايدة. فهي قد تتحول إلى ساحة صراع، لكنها في يد الإمبريالية غالبًا ما تُختزل إلى أداة إخضاع وهيمنة.
وأي حوار يُدفع به تحت رعاية الولايات المتحدة — الدولة التي اعترفت بضمّ المغرب غير القانوني للصحراء الغربية — لا ينبغي قراءته على أنه مبادرة سلام، بل كجزء من استراتيجية أوسع لفرض وقائع نيوكولونيالية.
تقرير المصير لا يُساوَم عليه بوصفه سلعة.
الاستقلال لا يُستبدل بحكم ذاتي مُدار. والعدالة لا يمكن أن تولد على طاولة صاغها المُحتل.
قد يكون التحاور ضرورة تكتيكية في لحظات معينة، لكنه في سياق ميزان قوى معادٍ لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، يتحول إلى فخّ. فالاتفاق، في هذه الحالة، لا يعني سوى الاستسلام.
وفي الصحراء الغربية، يعني الاستسلام شرعنة الاستعمار في القرن الحادي والعشرين.
فحين تدعو الإمبريالية إلى الحوار، غالبًا ما يكون الهدف هو الفرض. وحين تطرح «حلولًا»، غالبًا ما يكون المقصود هو إدامة الاحتلال.
لأن السلام الحقيقي لا يُبنى على تنازل المُستعمَر،
بل على انتصار حق الشعوب في الوجود، والمقاومة، والقرار.
إستيبان سيلفا كوادرا هو عالم اجتماع ومحلل سياسي تشيلي، ومناضل يساري بارز. يشتهر بقيادته للحركات الاشتراكية ودفاعه عن القضايا الدولية، ولا سيما قضيتي الشعبين الصحراوي والفلسطيني.
المقال الأصلي نشر على INFO SUR GLOBAL





