تحت بصر العالم
الاحتلال الصهيوني يسرع من إجراءات ضم الضفة الغربية

تعيش الضفة الغربية حالة إرهاب استعماري متصاعد ومتواصل، معابر مغلقة وطرق مُحكَمة وحركة مخنوقة، ومساجد تُحرق في رمضان، ومواقع أثرية تُنهب، وأراضٍ تُصادَر، ومكاتب قنصلية أمريكية تفتح أبوابها داخل مستوطنات بنتها يد الاحتلال. وازداد الوضع سوءا عندما شنّت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضربات عسكرية على إيران، فتم غلق كافة المعابر بالضبة والمفتاح.
وفي السطور التالية نرصد خطوات الصهاينة لضم الضفة عبر مشروع استعماري قائم على الاستيلاء على الأراضي من خلال تشريعات وقوانين وإجراءات بيروقراطية وحماية إرهاب المستوطنين والدعم الأمريكي اللامحدود، تحت سمع وبصر العالم العربي والنظام الدولي.
ضم فعلي للضفة
سارعت حكومة الكيان الصهيوني الشهور الماضية إلى تسريع ضم فعلي للضفة الغربية المحتلة، ففي 8 فبراير الماضي، أقرّ مجلس الأمن الوزاري للكيان حزمةً من الإجراءات الجارفة تستهدف توسيع صلاحيات الكيان في الضفة الغربية المحتلة، وتشمل: إلغاء قوانين أردنية كانت تحظر بيع الأراضي لغير العرب، وفتح سجلات عقارية عثمانية وأردنية طالما أُبقيت طي الكتمان، وتمديد الصلاحيات للمستوطنين الصهاينة إلى المناطق (أ) و(ب) اللتين كان يُفترض بموجب اتفاقيات أوسلو أن تخضعا للسلطة الفلسطينية. وبموجب هذه الإجراءات، بات بإمكان المستوطنين تملك الأراضي وتشييد العقارات في قلب المدن الفلسطينية، في انتهاك صريح للاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي 15 فبراير، صعد مجلس وزراء الاحتلال الضربة حين خصص أكثر من 244 مليون شيكل (نحو 78 مليون دولار أمريكي) لإنشاء آلية حكومية تنقل تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) التي تمثل قرابة 60 بالمئة من الضفة الغربية. هذه عملية للاستيلاء على الأراضي باستهداف الفلسطينيين العاجزين عن إثبات الملكية أمام منظومة قانونية مصممة أصلاً لتجريدهم من أراضيهم وحقوقهم.
وجاءت هذه الخطوات متجاهلةً حكمَ محكمة العدل الدولية عام 2024 القاضي بعدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي وردت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية بان “هذا ليس تحركاً نحو الضم؛ نحن نعيش الضم حادثاً الآن.”
رافق الهجومَ التشريعي تصاعدٌ موثق في عنف المستوطنين المدعوم رسمياً في شهر فبراير. ونشرت جماعة “شبيبة التلال” الاستيطانية المتطرفة سجلاً شهرياً افتخارياً بعملياتها عبر الضفة: 29 مركبة أضرمت فيها النيران، و12 منزلاً أحرقته، و40 فلسطينياً أصابته بجروح، وتدمير مئات النوافذ وقطع أشجار الزيتون في 33 بلدةً وقرية.
وفي منطقة الخليل، أطلقت قوات الاحتلال في 25 فبراير رصاصاً حياً ومطاطاً، فيما شنّ عشرات المستوطنين هجوماً منسقاً على قرية خربة سوسيا في مسافر يطا أوقعوا فيه 4 إصابات، وأحرقوا 6 منشآت، وأشعلوا النيران في مركبة.
وقرب رام الله، اقتحم المستوطنون تجمعاً بدوياً دفع بسكانه إلى الفرار في برد قارس، فيما قتلوا 30 رأساً من الأغنام في بني نعيم شرقي الخليل ودمروا منازل عائلات بأكملها.
كما اقتحم مستوطنون مسجد أبو بكر الصديق قرب بلدة تل غرب نابلس، وخطوا على جدرانه شعارات عنصرية وأضرموا فيه النيران خلال شهر رمضان.
وفي بيت لقيا غرب رام الله، هدمت قوات إسرائيلية برفقة جرافات ثلاثة منازل قيد الإنشاء ومزرعة دواجن، متذرعةً بغياب التصاريح في المنطقة (ج)، وهو سلاح بيروقراطي يُشهر بانتظام في وجه البناء الفلسطيني، بينما تنمو مستوطنات المحتل دون أي قيد.
تهجير واستيلاء على مواقع أثرية
أفادت منظمة العفو الدولية بأن 21 تجمعاً فلسطينياً واجهت تهجيراً كاملاً أو جزئياً خلال عام 2025 جراء عنف وإرهاب المستوطنين المدعوم من دولة الاحتلال، مع تسجيل 86 بؤرة استيطانية جديدة. وروت أم لثلاثة أطفال من رأس عين الأوجا لمنظمة العفو الدولية: “دفعنا الخوف من الهجمات إلى إنامة أطفالنا بأحذيتهم، لأننا قد نضطر للفرار في أي لحظة.”
وفي 17 فبراير، أصدر جيش الاحتلال أمراً بمصادرة الموقع الأثري الفلسطيني العريق “سبسطية” شمال نابلس أحد أعرق المواقع التاريخية في الضفة الغربية. وأكد المسؤولون الفلسطينيون أن هذه المرة الأولى التي تُقدم فيها حكومة الاحتلال على إصدار أمر علني بالاستيلاء على موقع أثري، إذ تشمل المصادرة نحو 2 كيلو متر مربع وتُقيم حديقة فصل تعزل الموقع عن البلدة المحيطة به.
وقال وكيل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، لـ”العربي الجديد”: “هذه المرة الأولى التي تجرؤ فيها حكومة إسرائيلية على إصدار قرار علني بالاستيلاء على مواقع أثرية.” وحذّر المسؤولون الفلسطينيون من أن نحو 7000 موقع أثري وديني وسياحي في الضفة الغربية بما فيها 1800 موقع في المنطقة (ب)، تواجه إجراءات مصادرة مماثلة تُعبّد الطريق أمام التوسع الاستيطاني مع قطع صلة الفلسطينيين بجذورهم التاريخية.
اعتقالات رمضانية
مع حلول شهر رمضان، نشرت إسرائيل وحدات كوماندوز معززة في أنحاء الضفة الغربية، وأعدت العدة لعمليات اعتقال واسعة. خطة إرهابية للاحتلال لاحتجاز فلسطينيين تصنفهم بـ”الناشطين الإرهابيين البارزين” أو “المحرضين” وهي تسميات تُوظَّف بمرونة مفرطة تطبق على أي فلسطيني.
وقيّدت إسرائيل الوصول إلى المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة، لتسمح لعشرة آلاف فلسطيني فحسب من الضفة بأداء الصلاة فيه طوال شهر رمضان كاملاً.
وأُلزم الرعاة الفلسطينيون بإبلاغ اللواء العسكري الصهيوني المختص عن وجهاتهم قبل التحرك بمواشيهم. وأكد نادي الأسير الفلسطيني أن قوات الاحتلال اعتقلت أكثر من مئة فلسطيني في الضفة الغربية خلال الأسبوع الأول من رمضان وحده، استمراراً في إرهاب وقمع الفلسطينيين.
واشنطن تشرعن المستوطنات
في 25 فبراير، وفي مشهد كثّف التواطؤ الإمبريالي الأمريكي مع الاستعمار الإسرائيلي بصورة جلية، أعلنت السفارة الأمريكية في القدس أن ضباط القنصلية سيُقدمون خدمات جوازات السفر داخل مستوطنة إيفرات جنوبي بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة.
وتُمثّل هذه الخطوة السابقة الأولى من نوعها التي يُقدّم فيها مسؤولون قنصليون أميركيون خدماتهم للمستوطنين داخل الضفة الغربية.
ووصفت حماس الإجراء بأنه “سابقة خطيرة” و”اعتراف عملي بشرعية المستوطنات الاستعمارية وسيطرة الاحتلال على الضفة الغربية”.
فيما أكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن الخطوة تُشكّل “انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي”. وطالبت السلطة الفلسطينية الولايات المتحدة ومجلس الأمن بالتدخل، وهو نداء مخزي، يكشف السلطة العميلة التي تستجدي الحماية من الجهة ذاتها التي تُموّل الاحتلال وتُسلّحه.
وفي حين تُصادَر الأراضي وتُهدم المنازل وتُعتقل القيادات الميدانية، تستمر السلطة الفلسطينية في التنسيق الأمني مع الاحتلال، “لحماية الاحتلال من مقاومته الشعبية.”
إدانات كلامية!
وفي مشهد مخز بات مألوفاً من مشاهد هذا العصر الإمبريالي، اكتفى العالم بما يُجيده: إدانات “شديدة العبارة” تتعالى في الخطاب وتتلاشى في الفعل.
ثمان دول ذات أغلبية مسلمة أصدرت بيانات استنكار، وبحلول الرابع والعشرين من فبراير وقّع وزراء خارجية تسع عشرة دولة، بينها فرنسا والبرازيل وتركيا، على بيان مشترك وصف المخططات الإسرائيلية بأنها “ضم فعلي” و”اعتداء متعمد ومباشر” على قابلية الدولة الفلسطينية للحياة. كلمات دقيقة التوصيف غائبة التأثير، إذ صدرت عن دول تربطها بإسرائيل والولايات المتحدة شراكات اقتصادية وأمنية تجعل التصعيد الحقيقي كُلفةً لا تستعد لدفعها. وهكذا يتحوّل الموقف الدولي إلى طقس دبلوماسي متكرر: يُدان الاستعمار بالكلمة، ويُصان بالصمت. ودليل على خواء الإدانات هو تفاخر وزير المالية الصهيوني بسرقة أراضي الفلسطينية وتسمية هذه العملية الإرهابية بـ”ثورة استيطانية”. يعلن الاحتلال بكل وقاحة وعلنية استمر في تمهيد الطريق للمستوطنين ليقتحموا البيوت الفلسطينية في وضح النهار.
خنق جديد للمعابر
ازداد الوضع سوءا عندما شنّت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضربات عسكرية مشتركة على إيران، استهدفت قيادتها ومنشآتها النووية وبنيتها العسكرية.
رصدت عيون سكان الضفة الغربية المحتلة في مدينة الخليل وغيرها خطوط الصواريخ الإيرانية تشقّ السماء فوق رؤوسهم. وسارع الاحتلال إلى إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى غزة والضفة الغربية المحتلة “حتى إشعار آخر”، مستندةً إلى “متطلبات الوضع الأمني” المرتبطة بالحرب مع إيران، بحسب بيان الجهة الاحتلال المسؤولة عن إدارة شؤون الأراضي الفلسطينية (كوغات).
وضمن هذه التضييقات إغلاق الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية والعديد من مناحي الحياة تتأثر بفعل استمرار سلطات الاحتلال مما أثر على الأسعار ووفرة مختلف السلع في بعض المناطق بسبب تقييد الحركة على الطرق الرابطة بين البلدات.
كذلك أغلق الاحتلال المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين لأربعة أيام متتالية. وفي الضفة الغربية، أُحكم الإغلاق على نقاط التفتيش التي تربط المدن والبلدات الفلسطينية بعضها ببعض، فتعذّر على المواطنين الوصول إلى أماكن عملهم والمستشفيات والمدارس. وأشار الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إلى أن إسرائيل «أغلقت جميع المعابر وعلّقت الحركة الإنسانية» ووصف الوضع بأنه «خنق جديد» للأراضي الفلسطينية.
وفي اليوم الخامس على التوالي من الإغلاق وتشديد الحواجز، وفي ظل استمرار إغلاق المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي ومنع إقامة الصلوات فيهما، يتصاعد عنف المستوطنين بالتوازي مع كل ذلك. وفي تقرير ميداني موثّق نشره العربي الجديد، كشفت وقائع يوم واحد عن حجم الآلة العسكرية الصهيونية المنهمكة في تمشيط الضفة من شمالها إلى جنوبها في حملة اقتحامات واعتقالات متزامنة تؤكد أن ما يجري ليس عمليات أمنية معزولة، بل منظومة قمع ممنهجة تستهدف كل مناحي الحياة الفلسطينية.
وتختصر أرقام هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم ما يجري: 1,965 اعتداءً في الضفة الغربية خلال فبراير 2026 وحده، منها 1,454 نفّذها جيش الاحتلال و511 نفّذها مستوطنون أي ما يتجاوز 65 اعتداءً في اليوم الواحد طوال الشهر.





