رؤيتنا
العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران

يأتي العدوان الأمريكي‑الصهيوني الهمجي على إيران ولبنان في سياق تحوّلات كبرى في شكل وطبيعة الإمبريالية الأمريكية وامتداداتها. ترتبط هذه التحوّلات بالصعود السريع للصين كقوة إمبريالية منافسة للولايات المتحدة ومهدِّدة للهيمنة التي تمتّعت بها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، كما ترتبط بالنتائج طويلة المدى للزلزال الاقتصادي الذي ضرب الرأسمالية العالمية بين عامي 2008 و2015.
في هذا الإطار فقط يمكن فهم حرب أوكرانيا، وتفكك التحالفات التقليدية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى، وحرب الإبادة الجماعية في غزة وتداعياتها، وكذلك العدوان الحالي على إيران ولبنان.
إن العدوان الأمريكي‑الصهيوني المتصاعد والدموي على إيران هو، بلا شك، امتداد مباشر لحرب الإبادة في غزة، وللاعتداءات الصهيونية المستمرة على لبنان واليمن وسوريا، وللحرب على إيران في صيف 2025. وهي حروب تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة لتخضع للهيمنة الكاملة للكيان الصهيوني. ولا يمكن فصل هذا العدوان المسعور عن التحالف الجديد بين دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، والكيان الصهيوني على المستويات العسكرية والتقنية والاقتصادية.
وقد تصوّر ترامب ونتنياهو أن اغتيال المرشد الإيراني في بداية الحرب سيؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني، وهو ما لم يحدث حتى الآن، رغم اغتيال الصف الأول من القيادات الإيرانية، ورغم القصف الوحشي والمستمر لجميع المدن الإيرانية لليوم الثامن على التوالي، ورغم تجاوز عدد الضحايا 1100 قتيل، من بينهم أكثر من 200 طفل.
ومن أغرب ردود الفعل على القصف الإيراني للقواعد والمصالح الأمريكية في دول الخليج اعتبار ذلك القصف اعتداءً على “سيادة” تلك الدول. فهذه الدول لا تتحالف مع الولايات المتحدة منذ نشأتها فحسب، بل سمحت لها أيضًا بإنشاء واستخدام أكبر القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، وبتمويل مباشر منها. ومن البديهي أن استهداف إيران لتلك القواعد والمصالح يُعد حقًا مشروعًا في إطار دفاعها عن نفسها في مواجهة حرب أمريكية‑صهيونية تحظى بدعم كامل من دول الخليج، وعلى رأسها السعودية.
وفي سياق هذه الحرب، يُعد استهداف إيران للبنية التحتية لإنتاج النفط والغاز في تلك الدول أيضًا حقًا مشروعًا وجزءًا من دفاعها عن نفسها. ففي هذه الحرب غير العادلة، يُعتبر سلاح البترول أحد الأسلحة القليلة المتاحة لإيران للضغط من أجل وقف العدوان. إن محاولات تعطيل تصدير النفط من الخليج، سواء عبر الهجمات أو من خلال السعي إلى إغلاق مضيق هرمز، لا تستهدف فقط الإضرار بالمصالح الأمريكية، بل أيضًا المصالح الأوروبية التي ستتضرر من نقص إمدادات الطاقة والارتفاع السريع في أسعار النفط والغاز، ما يزيد من الضغوط باتجاه إنهاء الحرب.
تكمن المشكلة الأساسية في هذه الاستراتيجية في اعتمادها على استمرار الحرب لفترة طويلة نسبيًا تسمح بحدوث تأثير ملموس في الإمدادات والأسعار. صحيح أن أسعار النفط ارتفعت بالفعل وتجاوز سعر برميل برنت 90 دولارًا، وهي قفزة كبيرة، لكنها لا تزال غير كافية لإحداث أزمة تضخمية حادة. ويرتبط سقف هذا الارتفاع بتوقعات عدم استمرار الحرب لأكثر من شهر أو شهر ونصف، وهو توقع منطقي في ظل حجم واتساع العدوان الأمريكي‑الصهيوني.
إذا كان ترامب يسعى إلى فرض استسلام إيراني عبر ما يمكن تسميته بـ“الحل الفنزويلي”، أي الدفع بظهور قيادات من داخل النظام مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية دون انهيار كامل للنظام، فإن لنتنياهو أهدافًا أكثر طموحًا وجنونًا. فالمشروع الصهيوني لا يهدف فقط إلى هزيمة النظام الإيراني، بل إلى تفكيك إيران وإغراقها في حرب أهلية. وقد نشرت صحيفة جيروزالم بوست قبل أكثر من عام مقالًا يدعو ترامب إلى “خلق تحالف شرق أوسطي لتقسيم إيران” من خلال تقديم “ضمانات أمنية للأقليات السنية والبلوشية والكردية والآذرية”. وقد شهدنا بالفعل خلال الأيام الماضية اتصالات مكثفة من قبل المخابرات الأمريكية والموساد مع قيادات كردية وآذرية، بهدف تمويل وتسليح حركات انفصالية.
أما الانتقادات الموجهة إلى دخول حزب الله المعركة في مواجهة الكيان الصهيوني فهي مدهشة بالفعل. فالكيان الصهيوني لم يتوقف يومًا واحدًا عن الاعتداء على لبنان واستهداف مواقع حزب الله منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024. وكان على حزب الله الدفاع عن نفسه وعن أرض لبنان عاجلًا أم آجلًا، إذ كان الهجوم الصهيوني على لبنان قادمًا ومخططًا له، بل ومعلنًا. إن الحرب الحالية على لبنان وإيران بدأت فعليًا في السابع من أكتوبر 2023، ولا يسعى الصهاينة إلى إنهائها إلا بعد تحقيق انتصار ساحق يعيد تشكيل المنطقة بأكملها لمصلحة الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية.
لكن ماذا عن النظام المصري؟ إذا كان هذا النظام قد استنكر الهجوم الأمريكي‑الصهيوني على إيران بصوت خافت وعبارات مبهمة، فإنه اكتشف فجأة شجاعته ورفع صوته دفاعًا عن “الأشقاء” في الخليج ضد “الهجمات الإيرانية غير المبررة” وما سماه اعتداءً على سيادة تلك الدول. وهو موقف مفهوم، إذ يدين النظام المصري لهؤلاء ليس فقط بتمويل انقلابه ووصوله إلى الحكم، بل أيضًا بتمويل بقائه خلال العقد الماضي. إن تبعية النظام المصري للسعودية والإمارات، وتبعية هاتين الدولتين بدورهما للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، توضّح بجلاء موقع النظام المصري ووزنه الحقيقي في خريطة توازن القوى في المنطقة.
ويعاني النظام المصري في الوقت نفسه من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة الحرب الحالية. فقد توقفت إمدادات الغاز من حليفه الصهيوني، كما توقف تصدير الغاز القطري، في وقت تضاعفت فيه أسعار الغاز عالميًا. ويعتمد إنتاج الكهرباء في مصر اعتمادًا شبه كامل على استيراد الغاز، سواء للاستهلاك المباشر أو للصناعة. ولا تهدد هذه الأزمة بشلل الصناعة وانقطاعات جديدة في الكهرباء فحسب، بل تنذر أيضًا بأزمة مالية حادة بسبب الحاجة إلى الدولار لاستيراد الغاز، وما قد يصاحب ذلك من انهيار جديد في قيمة الجنيه وارتفاع حاد في معدلات التضخم. وإذا أضفنا إلى ذلك هروب الاستثمارات الأجنبية وتعطل قناة السويس، يصبح واضحًا أننا مقبلون على عدوان جديد من قبل النظام لإجبارنا على دفع ثمن الأزمة عبر رفع الأسعار، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، ورفض أي زيادات حقيقية في الأجور، متذرعًا كعادته بظروف الحرب والأزمة الإقليمية، ومروجًا لفكرة أنه “جنّب الشعب ويلات الحروب”. ومن هنا تبرز ضرورة الاستعداد للمعارك الطبقية التي ستفرزها الأزمة المقبلة، والعمل على فضح أكاذيب النظام.
وفي هذا السياق، يجب أن تكون مواقفنا من الحرب الحالية واضحة ومبدئية. نحن لا نؤيد ديكتاتورية الملالي في إيران، ونقف إلى جانب نضال الجماهير الإيرانية من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية. لكن التغيير لا يأتي عبر القنابل الأمريكية‑الصهيونية، ولا من خلال مؤامرات الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية. وفي مواجهة العدوان القائم، فإننا نقف مع هزيمته بكل السبل الممكنة.
إن هزيمة العدوان الأمريكي‑الصهيوني لن تكون انتصارًا للشعب الإيراني وحده، بل ستكون أيضًا انتصارًا للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ولكل القوى المتضامنة معها. فإيران تواجه بمفردها عدوان أقوى قوة إمبريالية في العالم، بعد عقود طويلة من الحصار الاقتصادي. ومن البديهي أنها لا تستطيع تحقيق نصر عسكري مباشر في مواجهة هذه القوة الهائلة، لكن مجرد صمودها وبقائها وإفشال أهداف العدوان سيُعد نصرًا تاريخيًا في حد ذاته.





