الشرطة التونسية تحاصر أسطول الصمود: حين تصبح الدولة حارسةً للحصار

منعت السلطات التونسية، لليوم الثاني على التوالي، أنشطة وفعاليات نظمتها هيئة أسطول الصمود الداعمة لكسر الحصار عن غزة. وأكد منظمو الفعاليات أنهم أُبلغوا قبل نحو ساعة من انطلاق نشاط كان مقرراً في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس برفض السلطات السماح بتنظيمه، رغم أنه كان يتضمن ندوة صحفية وعروضاً وثائقية وتظاهرات تضامنية.
وجاء المنع بعد يوم واحد من حصار الشرطة التونسية لنشطاء أسطول الصمود العالمي ومنعهم من الوصول إلى الميناء ذاته الذي انطلق منه الأسطول العام الماضي، والذي كان من المزمع تنظيم فعالية مرتبطة بالتحضير للأسطول الثاني المتوقع انطلاقه في 12 أبريل المقبل، واعتدت على المنظمين وحالت دون أي استعدادات لوجستية.
واحتج ناشطون في العاصمة تونس على القرار، مؤكدين أن المنع لن يدفعهم إلى التراجع عن المشاركة في الأسطول أو عن أنشطتهم الداعمة للقضية الفلسطينية.
وفي تطور لاحق، أعلنت صفحة أسطول الصمود المغاربي توقيف خمسة من أعضاء الهيئة من قبل قوات الأمن التونسية، من بينهم وائل نوار وجواهر شنة والدكتور محمد أمين بالنور ونبيل الشنوفي وسناء مسهلي. وأكد محامون أن النيابة العامة في القطب القضائي الاقتصادي والمالي أذنت بفتح تحقيق يتعلق بشبهات تدفقات مالية “مشبوهة” وجمع تبرعات دون ترخيص، في إطار قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
تأتي هذه التطورات في وقت تُعد فيه تونس إحدى أبرز الدول العربية التي شهدت خلال العامين الماضيين حراكاً شعبياً ومدنياً واسعاً دعماً لغزة، خصوصاً منذ بدء حرب الإبادة في غزة في أكتوبر 2023.
وخلال تلك الفترة، شهدت البلاد مظاهرات متكررة وفعاليات تضامنية وقوافل دعم، كما تحولت مبادرات مثل القافلة البرية وأساطيل الإغاثة إلى منصات دولية تجمع ناشطين من دول عربية وأجنبية لكسر الحصار البحري المفروض على غزة.
غير أن الأسابيع الأخيرة شهدت مؤشرات على تضييق متزايد على الأنشطة المرتبطة بالقضية الفلسطينية داخل البلاد، سواء عبر منع فعاليات عامة أو تعطيل تجمعات احتجاجية مرتبطة بها.
ما جرى في تونس لا يمكن قراءته كحادثة أمنية معزولة أو خلاف إداري حول ترخيص نشاط. فالتسلسل الزمني للأحداث—منع نشاط في الميناء، ثم منع فعالية في العاصمة، ثم توقيف عدد من منظمي الحراك وفتح تحقيقات مالية بحقهم—يشير إلى نمط من التضييق المؤسسي على المبادرات المدنية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
المشهد في جوهره بسيط: حكومة تستخدم أجهزتها القمعية لا لحماية مواطنيها، بل لخدمة منظومة حصار دولية تقتل الأطفال في القطاع المحاصر.
ليس هذا طارئاً على بنية الأنظمة العربية في علاقتها بالقضية الفلسطينية. الأنظمة التي تنتهج سياسة اقتصادية وأمنية تجاه شعوبها من الغلاء والاستبداد تجد في قمع المتضامنين مع غزة ورقةً تفاوضية مريحة مع القوى الغربية والإقليمية. القمع هنا ليس زلةً أمنية، بل هو اقتصاد سياسي: تُقدّم الحكومة خدماتها لمنظومة الضغط الدولية مقابل صمت على ممارساتها الداخلية.
والأخطر أن هذا السلوك يجري في سياق متصاعد.
منذ أن بدأت الإبادة في غزة، تتسابق حكومات عربية عدة على تقديم أوراق اعتماد حسن السيرة لواشنطن وتل أبيب، لا بالتطبيع العلني دائماً، بل بالقمع الهادئ، مثل منع الاحتجاجات وتضييق الخناق على المنظمات، في محاولات مستمرة لإجهاض التضامن الشعبي قبل أن يتبلور.
أسطول الصمود في حد ذاته ليس مشروعاً عسكرياً، بل هو حركة مدنية دولية تحاول كسر حصار بحري تقول المحكمة الدولية إنه جزء من ممارسات تستوجب التحقيق. أن يُواجَه هذا الجهد المدني بالاعتداء من شرطة دولة عربية يضع تلك الدولة في خانة واضحة: ليست محايدة، بل هي طرف فاعل في إدامة الحصار.
في النهاية، ما جرى في سيدي بوسعيد ليس خبراً عابراً في نشرة أخبار مزدحمة. إنه مرآة تعكس حالة الجسم السياسي العربي، كاشفًا عن أنظمة تخاف من سفن الإغاثة أكثر مما تخاف من الإدانة الأخلاقية، وتُفضّل إرضاء القوى الكبرى على حساب أبسط التعبيرات عن التضامن الإنساني.





