بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بين الثيوقراطية والديمقراطية

عوامل صمود النظام الإيراني في مواجهة التحديات

لم تُبنَ الجمهورية الإسلامية لكي تُحكَم من القمة. بل بُنيت بحيث يصعب على أي أحد—من الداخل أو الخارج—أن يُسقطها.

في صباح 28 من فبراير 2026، أسفرت ضربات أمريكية وإسرائيلية عن مقتل الرجل الذي حكم إيران خمسةً وثلاثين عامًا. كان علي خامنئي قد لقي مصرعه قبل الظهر. وبحلول المساء، كان مجلس الأمن القومي الأعلى قد انعقد. وفي غضون عشرة أيام، سُمِّي مرشد أعلى جديد، وواصلت الصواريخ تحليقها. ولم تتعثر الدولة بالشكل المتوقع.

أثارت قدرة «الجمهورية الإسلامية» في إيران على الصمود في وجه العدوان الإمبريالي‑الصهيوني، رغم اغتيال كبار قادتها وفي مقدمتهم المرشد الأعلى، موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة النظام الحاكم هناك، وأدواته في إعادة إنتاج نفسه رغم الحصار والحروب والاغتيالات.

هذه التساؤلات دفعتنا إلى فتح ملف بنية السلطة في طهران عبر سلسلة من المقالات. نبدأ في هذا المقال من الجذر النظري وهو نظرية «ولاية الفقيه»، التي مثّلت عند طرحها قطيعة مع السائد في الفكر الشيعي المحافظ آنذاك، قبل أن يعيد الخميني توظيفها مع انتصار «الثورة» الإسلامية عام 1979 وتحويلها إلى ركيزة لنظام سياسي كامل. نتتبع كيف جرى تطويع هذه النظرية وفق متطلبات السيطرة على الدولة والمجتمع، بما أفضى إلى تركيز السلطات الفعلية كافة في يد المرشد الأعلى تحت عنوان «الحق الإلهي»، مع بناء أجهزة موازية في كل مفاصل الدولة، بحيث لا يمر قرار استراتيجي خارج شبكة الولاء للولي الفقيه.

وفي قلب هذا التفكيك، يتوقف المقال عند حقيقة أن فشل الانتفاضات الجماهيرية المتكررة في إيران لا يعود فقط إلى تعقيد البنية المؤسسية وتشابك أجهزتها الأمنية والعقائدية، بل أيضًا إلى القمع الدموي الذي مارسه النظام بحق المنتفضين، من الرصاص الحي في الشوارع والاعتقالات الجماعية، إلى أحكام الإعدام والمحاكم الاستثنائية، في محاولة دائمة لعزل كل موجة غضب شعبي عن التحوّل إلى مسار ثوري قادر على كسر الحلقة المؤلمة بين الاستبداد الداخلي والابتزاز الإمبريالي الخارجي.

التفسير ليس غيبيًا وليس محض حظ.

فكرة وُلدت في المنفى
لا تبدأ القصة بثورة، بل بسلسلة محاضرات. في يناير وفبراير من عام 1970، جلس آية الله روح الله الخميني أمام مجموعة من الطلاب في مدينة النجف بالعراق، حيث كان يقيم منفيًا. وعلى مدار ثلاثة عشر درسًا، أرسى ما ظل التيار الرئيسي للفكر الديني الشيعي يرفضه صراحةً على مدى قرون وهي حجة مفادها أن الفقيه، أي العارف بأحكام الشريعة الإسلامية، لا ينبغي أن يكتفي بتقديم المشورة للحكام أو أن يتولى الولاية على القاصرين والأيامى، بل يجب أن *يكون* الحكومة ذاتها.

تُعرف هذه العقيدة بـ «ولاية الفقيه». ففي المذهب الشيعي، تعود السيادة السياسية إلى الإمام الغائب (الثاني عشر)، الذي دخل «الغيبة الكبرى» عام 874 للميلاد، ومن المنتظر أن يعود في آخر الزمان.

فمن يحكم في غيابه؟ على مدى معظم التاريخ الشيعي، كان الإجماع الفقهي هو أن يحكم الزعماء الدنيويون، ويحافظ رجال الدين على الدين. قلب الخميني هذا الفهم رأسًا على عقب وقال أن في غياب الإمام، يجب على الفقيه الجامع للشرائط أن يتولى الولاية على الأمة الإسلامية بأسرها.

راجت المحاضرات داخل إيران تحت عنوان مستعار للتحايل على رقابة الشاه. ولم تكن وقت إلقائها تمثل التيار السائد؛ بل كانت راديكالية ومثلت ضربةً مباشرة للتقليد الصامت السائد الذي جسّده المرجع الديني الأعلى آية الله أبو القاسم الخوئي في النجف، الذي رأى أن رجال الدين ينبغي أن يبتعدوا عن السياسة. ورفض معظم كبار المرجعيات الشيعية أطروحة الخميني. وما غيَّر كل شيء كانت ثورة 1979—وما صنعه الخميني بدستورها.

الدستور الذي لم يخطط له أحد
لم يتضمن المسودة الأولى للدستور الإيراني عقب الثورة أي ذكر لولاية الفقيه. فقد أعدّتها لجنة عيّنتها الحكومة المؤقتة ونُشرت في يونيو 1979، وكانت تشبه إلى حد كبير الوثيقة الجمهورية المعتادة؛ ثلاث سلطات منتخبة، رئيس جمهورية، برلمان، وثيقة حقوق. وكان الخميني نفسه قد أشار في البداية إلى ارتياحه لطرح هذه المسودة للاستفتاء مع تعديلات طفيفة.

ما جرى بعد ذلك يُعدّ من أشد مناورات الهندسة الدستورية. تحت ضغط من حلفاء الخميني، أُحيلت المسودة إلى مجلس الخبراء المنتخب للمراجعة النهائية. كان المجلس، الذي انعقد من أغسطس حتى نوفمبر 1979، يهيمن عليه تلامذة الخميني. وفي جلسته الافتتاحية، حذّر الخميني المندوبين من أن الدستور يجب أن يكون «إسلاميًا بمئة بالمئة»، وأن النقاش في أي مقترحات «مخالفة للإسلام يخرج عن نطاق صلاحيات المجلس». وقاد العملية اثنان من أقوى حلفائه؛ آية الله منتظري، رئيسًا للمجلس، وآية الله بهشتي. وحين انتهى الأمر، كان مبدأ ولاية الفقيه قد أُدرج في الوثيقة على الرغم من اعتراضات الأقلية. وأُقرَّ الدستور في استفتاء ديسمبر 1979 والبلاد لا تزال في حالة النشوة الثورية.

وفي تصريح ظل صداه يتردد حتى اليوم، قال الخميني للمجلس «إن ولاية الفقيه ليست شيئًا اخترعه مجلس الخبراء. إنها أمر أوجبه الله.»

هذا الإعلان بأن التعيين الإلهي، لا الإرادة الشعبية، هو المصدر الأعلى لسلطة المرشد يمثل الشقّ التأسيسي في الواجهة الديمقراطية للنظام. كما أنه يفسر كل شيء عن الدولة التي شُيِّدت لاحقًا حوله.

إعادة البناء عام 1989، الأيديولوجيا تنحني لتبقى
جاء الاختبار الأول والأكثر كشفًا للنظام لا من الأعداء الخارجيين، بل من مشكلة التوارث في السلطة. حين توفي الخميني في يونيو 1989، واجهت إيران أزمة لم يكن الدستور قد حلّها بصورة كافية. فقد اشترط الدستور الأصلي أن يكون المرشد الأعلى مرجعًا دينيًا—مجتهدًا كبيرًا تعترف به جماعة دينية واسعة. والمرشح الوحيد الذي استطاع النظام التوافق عليه كان علي خامنئي، الذي كان يحمل رتبة دينية متوسطة ولا يحمل لقب المرجعية البتة. بل اعترف حتى مؤيدوه بهذه الفجوة.

كان الحل في إعادة كتابة القواعد. قبل أسابيع من وفاة الخميني، انعقد مجلس مراجعة الدستور المؤلف من عشرين عضوًا. وحين انتهى عمله، كان شرط المرجعية لمنصب المرشد الأعلى قد حُذف. وفي المقابل، جرى توسيع صلاحيات المنصب. منح الدستور المعدَّل المرشدَ الجديدَ صلاحيةَ تعيين أعضاء مجلس صياغة الدستور من الفقهاء وإقالتهم، وإصدار أوامر الاستفتاء، وتفويض الصلاحيات، والبتّ في مسألة مراجعة الدستور ذاتها. وظل مجلس الخبراء الذي تخضع عضويته لفرز مسبق يجريه مجلس صياغة الدستور المعيَّن بصورة غير مباشرة من قِبل المرشد ذاته المفترض أن يشرف عليه يُمثّل الضابطَ الرسمي الوحيد على سلطة المرشد الأعلى.

المنطق دائري بتصميم مقصود. غير أن الدائرة، كما أدرك مهندسو النظام الإيراني، بنية مستقرة هيكليًا ليس لها نقاط خارجية يمكن اختراقها.

أرست مراجعة 1989 الانتقال من ولاية الفقيه إلى ما بات الدستور يسميه «الولاية المطلقة للفقيه». وقد أوضح خامنئي نفسه تداعيات ذلك بجلاء لافت حين قال «يجب تقديم قرارات وصلاحيات الولي الفقيه في المسائل المتعلقة بالمصالح العامة للإسلام والمسلمين، حتى وإن تعارضت مع إرادة الشعب.» وذهب المنظّر المتشدد آية الله مصباح يزدي إلى أبعد من ذلك حين أعلن أن الانتخابات قائمة فقط لأن المرشد قد أجازها وأن بإمكان المرشد أن يُعلن عن شكل آخر للحكم يستغني كليًا عن مشاركة الشعب.

عمودان لنظام واحد
مع استتباب الأساس العقدي، شيّد مهندسو الجمهورية الإسلامية دولةً لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلًا. والأداة المفاهيمية الجوهرية لفهمها هي مصطلح «الدولة الموازية» أو «الحكومة الظل».

ظل علماء الدستور الإيرانيون والمحللون الإصلاحيون يستخدمون هذا المصطلح لعقود لوصف ما يتجلى هيكليًا لكل قارئ متأمل للدستور، فالسلطة لا تتوزع بين ثلاث سلطات كما في معظم الجمهوريات، بل بين مسارين متوازيين كليًا؛ المسار الجمهوري المنتخب، والمسار «الثوري»-الديني الخاضع لسلطة المرشد الأعلى. وقد أُدرج المساران في الدستور في آنٍ واحد، ولم يكن التوتر بينهما حادثةً عرَضية، بل كان هو المقصود بالذات.

المسار المنتخب يبدو مألوفًا، رئيس جمهورية، وبرلمان (مجلس الشورى الإسلامي)، وسلطة قضائية. يصوّت المواطنون ويتناقشون ويُنتخب ممثلوهم. شكليًا، يُشبه أي جمهورية في العالم.

أما المسار «الثوري» فهو شيء مغاير تمامًا. فوق كل مؤسسة منتخبة—لا بجوارها بل فوقها— قبع مجموعة من الهيئات التي تدين بوجودها كله لسلطة المرشد الأعلى.

مجلس صياغة الدستور يتشكل من اثني عشر عضوًا، ستة منهم فقهاء يعيّنهم المرشد مباشرةً، وستة آخرون من القانونيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية الذي يعيّنه المرشد أيضًا. يملك المجلس حق نقض أي تشريع يراه منافيًا للشريعة الإسلامية، ويمارس ما يُعرف بـ «النظارة الاستصوابية» على الانتخابات كافة، بمعنى قدرته على استبعاد أي مرشح من أي استحقاق انتخابي، من البرلمان إلى رئاسة الجمهورية، بذريعة عقدية ودون إبداء أي مسوِّغ.

مجلس الخبراء هيئة منتخبة تملك دستوريًا صلاحية انتخاب المرشد الأعلى وعزله. غير أن المرشحين لعضويتها يخضعون لفرز مسبق يجريه مجلس صياغة الدستور. وفي عام 2011، كان خمسة من الأعضاء الفقهاء الستة في مجلس صياغة الدستور يجلسون في الوقت ذاته في مجلس الخبراء. والهيئة المنوط بها محاسبة المرشد تتشكل من رجال أجاز جهازُ المرشد ذاته ترشيحهم.

مجمع تشخيص مصلحة النظام أنشأه الخميني عام 1988 بمرسوم، لا بتفويض انتخابي، لحسم الخلافات بين البرلمان ومجلس صياغة الدستور. لم يكن في الدستور الأصلي؛ وأُدرج في مراجعة 1989. ويعيَّن أعضاؤه من قِبل المرشد الأعلى.

مجلس الأمن القومي الأعلى يترأسه رئيس الجمهورية، ويُنسِّق الأبعاد السياسية والاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية للأمن القومي. ولا تنفذ قراراته إلا بعد تأكيد المرشد الأعلى عليها. وهو أقرب إلى ساحة تنسيق تحتل فيها المؤسسة الأمنية مكانة هيكلية راسخة منه إلى آلية رقابة مدنية.

والحصيلة هي بنيةٌ دائرية متكاملة. تبدو المؤسسات المنتخبة ذات صلاحيات، لكن كل بوابة يمكن أن تتدفق السلطة منها، تزكية المرشحين، وإقرار التشريعات، والتفسير القضائي، والتنسيق الأمني، تخضع لسيطرة المسار «الثوري». والانتخابات، كما فهم مصباح يزدي، ليست مصدر الشرعية في هذا النظام، بل هي أداؤها المسرحي.

الجيشان وسبب وجود كليهما معًا
لا شيء يجسِّد تصميم السيادة المزدوجة بصورة أكثر ملموسية من وجود قوتين عسكريتين مستقلتين كليًا.

القوات المسلحة النظامية المعروفة بـ«الأرتش» هي الجيش التقليدي لإيران. تتولى الدفاع الإقليمي وحماية الحدود والسواحل وخوض المعارك التقليدية. تحظى بالاعتراف في القانون الدولي. وتقضي مهمتها كما نصّ عليها الدستور بـ«الدفاع عن الاستقلال والسيادة الإقليمية ونظام الجمهورية الإسلامية.»

أما «الحرس الثوري الإسلامي» (أو الحرس الثوري) فولايته الدستورية المُكرَّسة في المادة 150 ليست الدفاع الإقليمي، بل «حراسة الثورة ومكتسباتها». وحماية النظام هنا وظيفة دستورية صريحة. والفارق ليس لفظيًا، إنه التجسيد التنظيمي للشق القائم بين الدولة والثورة الذي يخترق النظام بأسره.

رصد العالم السياسي الأمريكي «جيمس كوينليفان» في عام 1999 هذا النمط في الأنظمة الاستبدادية بالشرق الأوسط؛ إنشاء جيش موازٍ يُضاهي القوات المسلحة النظامية بوصفه الآلية الأولى لمنع الانقلابات. يرتبط الجيش الموازي برئيس النظام عبر سلسلة قيادة مستقلة عن وزارة الدفاع. ويجب أن يكون قادرًا على مواجهة الجيش النظامي في أي مواجهة محتملة. وغرضه ليس الحرب مع الخارج — بل منع الحرب في داخل بنية السلطة.

وكما أكدت التحليلات العسكرية الصادرة في مارس 2026، فإن إيران «لا تعتمد على سلسلة قيادة عسكرية موحدة. منظومتها الأمنية متعددة الطبقات، ومُضاعَفة بتصميم مقصود.» فقوة الفضاء الجوي التابعة للحرس الثوري تسيطر على الترسانة الصاروخية والمسيَّرات بالكامل. و«فيلق القدس»، أي الذراع الخارجي للحرس الثوري، يدير شبكات في 7 دول. و«الباسيج»، القوة شبه العسكرية المتطوعة الخاضعة رسميًا للحرس الثوري، تمتد بالهيكل الثوري إلى الأحياء والمدارس والمساجد وأماكن العمل. أما الجيش النظامي فيتولى الدفاع الإقليمي التقليدي. وتتعمد إيران الإبقاء على هذه القوات منفصلة، إذ يُشكّل التضاعف هنا ضمانة ضد الانقلابات والتهديدات الداخلية والانهيار المنظومي.

الحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو دولة موازية قائمة بذاتها، تمتلك جهازها الاستخباراتي الخاص، وإمبراطوريتها الهندسية والإنشائية (شركة خاتم الأنبياء)، وذراعها الاستثماري (بنياد تعاون سپاه)، وتنظيماتها السياسية-الأيديولوجية المزروعة في كل مستويات القيادة، وممثليها الدينيين المُراقِبين لمدى الالتزام بالقيم «الثورية». والعلاقة بين الحرس الثوري والمجتمع الإيراني، تعتبر بأنها لا تشكّل مجرد مؤسسة عسكرية رقابية، بل شبكة اجتماعية موازية تجمعها روابط الأسرة، والمصاهرة بين الأسر النخبوية، والمصالح الاقتصادية المشتركة، ودورات إعادة إنتاج الولاء في دائرة مغلقة.

الحلقة التي تُغذّي نفسها بنفسها
براعة هذا النظام، إن جاز التعبير، تكمن في الطريقة التي تتعزز بها مكوناته في حلقة مغلقة لا تملك نقاط دخول خارجية واضحة.

يعيَّن المرشد الأعلى قائد الحرس الثوري ورؤساء الأجهزة الأمنية الكبرى. ويعيَّن رئيس السلطة القضائية. ويعيَّن 6 أعضاء في مجلس صياغة الدستور. ويفرز مجلس صياغة الدستور المرشحين المسموح لهم بالترشح لعضوية مجلس الخبراء. ويختار مجلس الخبراء المرشد الأعلى. وكان الحرس الثوري الذي يعيَّن المرشدُ قادتَه القوةَ المؤسسية الحاسمة وراء تسمية مجتبى خامنئي خلفًا لوالده في مارس 2026.

وصف المفكرون الإيرانيون هذا النظام بأنه لا يُنتج مجرد دولة موازية بل حكومة ظل ابتلعت تدريجيًا الدولة الرسمية. وأشارت دراسة نُشرت عام 2016 في المنبر الإصلاحي «زيتون» إلى أن المؤسسات الموازية التي أفرزتها ولاية الفقيه ليست ظاهرة هامشية، بل بنيوية، ضاربة جذورها في التوتر الذي لم يُحسم بين «الجمهورية» و«الإسلامية» اللذين صُبَّا معًا في دستور 1979. إذ يستطيع أئمة الجمعة المعيَّنون من قِبل المرشد، والسلطة القضائية، ومجلس صياغة الدستور، والحرس الثوري جميعهم إصدار توجيهات ملزمة فعليًا تعلو على القوانين التي يسنّها البرلمان المنتخب.

وقد وصف تحليل موقع «إيران واير» هذه العملية بأنها أربعة عقود من «الازدواجية المتعمدة»، أي سياسة واعية لتكاثر المؤسسات الموازية لا بوصفها خللًا وظيفيًا، بل بوصفها التكنولوجيا البقائية الأولى للنظام. فكل مؤسسة تُستحدث تُضيف عقدة ولاء جديدة وعقبة إضافية أمام أي فاعل واحد يسعى إلى الاستيلاء على ما يكفي من الدولة ليهدد المرشد.

ما يعنيه ذلك في فهم متانة النظام
يمكن صياغة دلالات البنية الأفقية على صمود الأنظمة بعبارة موجزة: لا يُفضي أي إخفاق منفرد إلى الانهيار.

في المنظومة الرأسية، أزِح الرأس يسقط الجسد. أما في المنظومة الأفقية، فلكل عضو جهاز احتياطي، ولكل وظيفة مزوِّد موازٍ، ولكل سلسلة قيادة عقد متكررة ومتعددة. ويتوقع إطار «كوينليفان» هذا بالضبط. الأنظمة التي تمتلك تنظيمات عسكرية موازية، وأجهزة أمن داخلي متعددة، ومجتمعات ثقة أيديولوجية راسخة، تمتص الصدمات التي تُدمِّر التسلسلات الهرمية التقليدية.

وقد تجاوزت إيران هذا المنطق إلى ما هو أبعد من دول أخرى. فهي تمتد بالتكرار الأفقي لا إلى الجانب العسكري فحسب (الحرس الثوري والأرتش) والاستخباراتي (وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري واستخبارات الشرطة — ثلاثة أجهزة مستقلة ذات اختصاصات متداخلة ومراقبة متبادلة)، بل تمتد كذلك إلى القضاء (المحاكم الثورية العاملة بموازاة المحاكم العادية)، والاقتصاد (المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري العاملة بموازاة القطاعين العام والخاص الرسميين)، والإعلام (الإذاعة والتلفزيون الحكوميان المعيَّن رئيسهما من قِبل المرشد بموازاة الوزارات الحكومية)، بل وصولًا إلى المجتمع المدني ذاته (خلايا الباسيج في الجامعات والمدارس والمساجد، التي تعمل شبكةً دائمة للرصد الأيديولوجي).

والباسيج ليس ميليشيا فحسب، بل مجتمع موازٍ منغرس في النسيج الاجتماعي الإيراني، حاضر في المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والمكاتب الحكومية، يعمل في آنٍ معًا آليةً للمراقبة، وجهازًا للتعبئة، وحارسًا لشبكات الرعاية المرتبطة بالنظام.

هذا هو السبب في أن النظام نجا لا من اغتيال مرشده الاعلى في فبراير 2026 وحده، بل من اقتران ذلك بتفجّر احتجاجات شعبية في الثلاثة والثلاثين محافظة كافة، وبانقطاع الاتصالات الذي أمر به مجلس الأمن القومي الأعلى في الثامن من يناير 2026، وبأشد الضربات العسكرية على الأراضي الإيرانية منذ الثمانينيات. وكان الرد، وفق ما وثّقته بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان الأممي، متعدد العقد. تصعيد أمني، وسيطرة على المعلومات، وإطار خطابي يصف المحتجين بأنهم عملاء أجانب، وإجراء دستوري لانتقال السلطة أُنجز في غضون عشرة أيام.

السؤال الذي تركه المهندسون بلا جواب
ثمة سؤال كامن في صميم هذا التصميم كله أجاب عنه الخميني بمرسوم، لكن النظام لم يحسمه حتى اليوم. ماذا يحدث حين يكفّ الفقيه عن أن يكون فقيهًا بالمعنى الحقيقي للكلمة؟

حين توفي الخميني وخلفه خامنئي عام 1989، أُعيدت كتابة الدستور لإسقاط شرط المرجعية تحديدًا لأن المرشح المؤهَّل الذي يحظى في الوقت ذاته بتأييد الجهاز الأمني لم يكن موجودًا. فرُفع خامنئي بين عشية وضحاها من رجل دين متوسط الرتبة إلى مرشد أعلى، ثم جرى في الأشهر والسنوات التالية بناء سقالة من السلطة الدينية المُصطنعة حوله، ترقية الموالين المنتقَين في الحوزة العلمية، وإسكات الشيوخ والعلماء المعارضين عبر المحكمة الخاصة لرجال الدين (التي تعمل خارج منظومة القضاء العادي، تحت إمرة المرشد مباشرةً، لضبط رجال الدين المعارضين)، وإخضاع المرجعية الدينية المستقلة في مدينة قم تدريجيًا لمتطلبات المنظومة السياسية في العاصمة طهران.

مجتبى خامنئي، الذي سمّاه مجلس الخبراء مرشدًا أعلى في مارس 2026، يواجه الإشكالية ذاتها بصورة أحدّ. فهو لم ينتخبه الشعب الإيراني، ولم تعترف به الحوزات العلمية مجتهدًا كبيرًا، وجاء تعيينه في الأساس عبر الثقل المؤسسي للحرس الثوري وشبكة والده الباقية. والحصيلة هي خلافة ترث معضلة شرعية من عام 1989، سلطة بلا مصداقية دينية، وسلطان بلا الأساس العقدي الذي يدّعي النظام أنه المصدر الأسمى لوجوده.

وهذه ليست مجرد إشكالية لاهوتية مجردة. فمطالبة الجمهورية الإسلامية بالحكم تستند إلى مقولة مفادها أن المرشد يُمثّل الإرادة الإلهية ريثما يعود الإمام الغائب. وحين يُختار المرشد عبر جهاز أمني لا تعترف به مرجعية دينية مستقلة، تغدو تلك المقولة دائرية ظاهرة، ليست تعيينًا إلهيًا، بل تعيين ذاتي مغلف بلغة دينية. هنا التناقض الجوهري الداخلي في النظام؛ فالدستور يُنشئ الهيئات المفترض أنها تختار الولي الفقيه وتشرف عليه، بيد أنه الولي الفقيه ذاته من يُنشئ تلك الهيئات ويتحكم فيها.

بُني لكي لا يسقط
صُمِّمت إيران—بتدبّر بالغ— وصفها دولة لن تنهار حين يضغط عليها الخارج، ولن تُطاح من الداخل، ولن تُشلّ باغتيال قياداتها. شيّد مهندسو 1979 ومعمارو 1989 نظامًا من التكرار الأفقي تمتلك فيه كل عقدة عقدة موازية، وكل سلسلة قيادة نسخة احتياطية، ولكل مؤسسة قانونية نظيرة «ثورية»، كما يُضيِّق الفرز الأيديولوجي للكوادر على كل المستويات دائرة المتآمرين المحتملين.

وصف هذا النظام بالديكتاتورية يُغفل تعقيده؛ فالديكتاتوريات شخصية وتسقط بسقوط صاحبها. ووصفه بالديمقراطية يخلط بين المسرحية وحقيقة الأشياء. ما بنته إيران هو «نظام دستوري مُصمَّم للاستدامة الذاتية»، نظام تقوم فيه الانتخابات والقوانين والمؤسسات لا لنقل الإرادة الشعبية إلى صنع القرار، بل لتشريع قرارات تُتخذ في مكان آخر، ولامتصاص الاحتجاج قبل أن يتبلور في معارضة منظمة.

وفهم هذه البنية هو شرط فهم كل ما يتعلق بإيران. لماذا تعاقب على الرئاسة فيها تكنوقراط وشعبويون دون أن يتغير الطابع الجوهري للدولة؟ ولماذا عجزت كل من العقوبات والحروب والاغتيالات والاحتجاجات الشعبية الحاشدة، كل واحدة على حدة، عن إسقاط النظام؟ ولماذا الجواب عن سؤال من «يحكم إيران؟» ليس اسمًا، بل هو بنيان.