توابع العدوان الأمريكي
إغلاق مضيق هرمز يهدد الخبز العالمي

لا تكتفي الآلة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة بإشعال الحروب في الشرق الأوسط، بل تدفع ثمنها المباشر من أطباق طعام العالم. فمع استمرار الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة ضد إيران أواخر فبراير الماضي، وإغلاق مضيق هرمز، يواجه النظام الغذائي العالمي خطر انهيار وشيك يهدد الملايين بانعدام الأمن الغذائي الحاد، في أزمة يتوقع الخبراء أن تكون أسوأ من صدمة عام 2022.
يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لا يقتصر على النفط والغاز (نحو %35 من التجارة العالمية)، بل يمر عبره نحو %30 من تجارة الأسمدة الدولية. ووفقاً لبيانات السوق، فإن قرابة نصف صادرات اليوريا العالمية (%49) و%30 من الأمونيا تمر عبر هذا المضيق. إغلاق هذا الممر بفعل الحرب يضع المزارعين في دول الجنوب والشمال على حد سواء أمام ما وصفه كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ماكسيمو توريرو، بـ «الخنق المزدوج»، اي ارتفاع تكلفة الأسمدة من جهة، والقفزة الجنونية في أسعار الوقود اللازم لتشغيل سلاسل الإنتاج من جهة أخرى.
وقد انعكس ذلك فوراً على الأسواق، حيث قفزت أسعار اليوريا إلى 585 دولاراً للطن، بزيادة تفوق %56 مقارنة بالعام الماضي. وفي دول مثل الهند وباكستان، بدأت مصانع الأسمدة المحلية تشهد تراجعاً في الإنتاج بسبب تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، مما يهدد الموسم الزراعي القادم بوضوح.
تداعيات هذه الحرب الإمبريالية لن تظل حبيسة الأسواق المالية، بل ستُترجم إلى مجاعة. فالمزارعون، العاجزون عن تحمل تكلفة الأسمدة، سيضطرون لتقليل استخدامها أو تغيير دوراتهم الزراعية، مما يعني انخفاضاً حتمياً في المحاصيل العالمية في الموسم القادم.
برنامج الأغذية العالمي حذّر من أن استمرار الأعمال العدائية قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي نحو انعدام الأمن الغذائي الشديد. وبحسب باحثين، فإن مجرد زيادة بنسبة 5% إلى %10 في أسعار الغذاء ستكون مدمرة لمئات الملايين من العائلات في العالم النامي، مما يضع الأطفال بشكل خاص تحت خطر سوء التغذية المباشر. كما أشار الفاو إلى أن العمال المهاجرين الذين يعتمدون على التحويلات المالية سيتلقون ضربة قاسية نتيجة تضرر اقتصادات المنطقة.
ما تكشفه هذه الأزمة ليس فقط هشاشة سلاسل الإمداد المعولمة، بل الطبيعة التدميرية للسياسات الإمبريالية التي تضع الهيمنة الجيوسياسية فوق حق البشر في الغذاء. فبينما تقصف الطائرات الأمريكية والصهيونية طهران، تُترك اقتصادات دول الجنوب، وحتى المزارعين الأمريكيين الذين يستعدون لـ «أغلى موسم زراعي للذرة في التاريخ»، لمواجهة التضخم وانهيار المحاصيل.
تحويل الغذاء والزراعة إلى رهينة لمعارك النفوذ العسكري يُثبت مجدداً أن النظام الرأسمالي العالمي عاجز بنيوياً عن تأمين أبسط حقوق الإنسان، وأن العدوان على إيران ليس صراعاً إقليمياً معزولاً، بل حرب طبقية غير معلنة على العالم بأسره.





