بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

رؤيتنا

الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران

مرت خمسة أسابيع من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على الشعب الإيراني، استطاعت فيه أمريكا وإسرائيل اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد ضخم من القيادات الإيرانية، وإلحاق أضرار ضخمة بالبنية التحتية والمؤسسات الإيرانية العسكرية منها والمدنية، كما استهدفت فيه المدارس والجامعات والمراكز البحثية والمستشفيات، ودفع الشعب الإيراني أثمانًا باهظة من موارده البشرية والمادية. الشعب الذي يعاني حصارًا اقتصاديًا خانقًا منذ عقود طويلة، كما يعاني من نظام حكم ديكتاتوري قمعي، وعلى مدار عقود انتفض الشعب الإيراني مرات عديدة بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية والمزيد من الحقوق والحريات، وحقق بعض النجاحات وتعرض لكثير من الانتكاسات. في بداية العدوان ادعت الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل أنها تستهدف تغيير النظام، ودعتا الشعب الإيراني للخروج والتظاهر ضد النظام، بالإضافة إلى الحديث المتكرر عن أن النظام الإيراني يشكل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة وإسرائيل وضرورة التخلص من برنامجه النووي. وحدد ترامب إطارًا زمنيًا ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع، بينما تحدث نتنياهو عن ضربة سريعة وحاسمة. وكانت أغلب التحليلات الغربية في البداية تتحدث عن حرب ما بين أسبوع إلى ثلاثة أسابيع.

لكن كل هذه التقديرات والتصورات وكذلك الأهداف التي أُعلنت في بداية العدوان تغيرت تمامًا. فلم يخرج الشعب الإيراني، بل فوجئ الجميع بأن النظام الإيراني استعد بشكل جيد لحرب طويلة ومصيرية، وباستراتيجية أثبتت الأسابيع الخمسة الماضية فاعليتها.

أولًا، استوعب دروس حرب الاثني عشر يومًا، التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران في يونيو 2025، ومنها أنه من الصعب التغلب على الاختراق الأمني والقدرات التقنية والاستخباراتية لدى الطرف الأمريكي-الإسرائيلي، وأن أي استراتيجية إيرانية يجب أن تتعامل مع هذا التفوق باعتباره أمرًا لا مهرب منه. وتم بناء الاستراتيجية، فيما يبدو، على القدرة على استيعاب الضربات والخسائر في القيادات وفي الموارد. وفيما يبدو أن النظام الإيراني اليوم غير مركزي في إدارة العمليات الحربية، حيث لم يؤثر اغتيال أي مستوى من المستويات العليا للقيادة على أدائه العسكري، الذي تحسن مع مرور الوقت، رغم الخسائر البشرية والمادية الضخمة.

ثانيًا: يبدو أن إيران نجحت في ضرب عدد من الرادارات وقواعد المراقبة والتحكم الأمريكية في منطقة الخليج والأردن والعراق في الأيام الأولى للعدوان، مما قلل من التفوق الأمريكي-الإسرائيلي في مجال الدفاع وصد الصواريخ، لذا شاهدنا في الأسابيع الأخيرة مزيدًا من الاستهدافات الإيرانية المباشرة والدقيقة، ولم تنجح القبة الحديدية الإسرائيلية في صدها.

ثالثًا: بُنت الاستراتيجية الإيرانية على فهم نقاط القوة والضعف لدى الخصم، ولدى حلفائه، وكذلك نقاط القوة والضعف لديها. هنا ظهر التحكم في مضيق هرمز والتحكم في أسعار الطاقة عالميًا.

رابعًا: الحرب الحالية تمثل حرب تهديد مصيري ليس للنظام الإيراني، بل لوجود الدولة الإيرانية ككل، حيث من الواضح، رغم الدعاية الأمريكية-الإسرائيلية حول ضرورة تغيير النظام الإيراني، أن الهدف هو تفتيت إيران وتقسيمها، واستغلال الاختلافات الطائفية والعرقية في نسيج المجتمع الإيراني، واستغلال الاضطهاد الذي تتعرض له الأقليات في إيران كمبرر للتحرك ضد الدولة الإيرانية، كجزء من إعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط بحيث لا توجد فيه إلا كيانات طائفية متنازعة ومتحاربة إلى الأبد، مما يجعل الدولة الصهيونية كيانًا “طبيعيًا” ومبررًا، بحيث يكون لها التفوق العسكري على الشرق الأوسط بموارده وإمكانياته الضخمة، حين تعيش شعوبه في صراعات طائفية وعرقية لا تنتهي. فكرت الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية الحرب في تجهيز فصائل كردية معارضة للنظام الإيراني بالسلاح كي تتدخل عسكريًا من شمال شرق إيران ولتسريع سقوط النظام، لكن الخطة باءت بالفشل الذريع. البعض يتحدث عن اعتراض تركيا على تلك الخطوة.

ليس هذا هو الفشل الأمريكي-الإسرائيلي الوحيد، بل يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية مبنية على سيناريو حرب سريعة يتم فيها القضاء على القيادات العليا في نظام شمولي، فتخرج الجماهير المعارضة لاستكمال إسقاط النظام، ويتم تنصيب نظام جديد أو الاتفاق مع حاكم أو مرشد جديد وفقًا للمعايير الأمريكية. لكن العدوان كشف لأغلب الشعب الإيراني أن المستهدف ليس النظام فقط، وأن المصالح الأمريكية-الإسرائيلية تتعارض مع مصالح الشعب الإيراني بشكل لا يمكن التوفيق بينهما، حيث خرج المعتوه ترامب يتحدث عن تدمير إيران، بينما شاهد المواطن الإيراني كيف ضربت الولايات المتحدة مدرسة “الروضة الخضراء” وقتلت أكثر من 140 طفلًا، وضربت المستشفيات والمؤسسات التعليمية، وكيف أن ترامب يتحدث عن السيطرة على البترول الإيراني.

لقد حدث تحول استراتيجي في مسار الحرب، التي بدأها الأمريكان والإسرائيليون، بهدف “تغيير النظام” والقضاء على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي. اليوم يحلم الرجل البرتقالي القاطن في البيت الأبيض بانتهاء الحرب في أسرع وقت، وبأقل الخسائر، حتى لو لم يتحقق أي من الأهداف السابقة، وأصبح الهدف الوحيد فتح مضيق هرمز. وحدثت مجموعة مفاجآت عسكرية غير متوقعة في 3 أبريل، حيث نجح الدفاع الإيراني في إسقاط عدة طائرات أمريكية، واعترف الجانب الأمريكي بإسقاط طائرتين وإصابة اثنتين، مما سوف يربك الخطط العسكرية التي كانت تفترض افتقار إيران إلى الدفاعات الجوية، وأن السماء الإيرانية مفتوحة بحرية أمام الطيران الأمريكي والإسرائيلي.

استغل الإيرانيون أهم نقاط القوة لديهم، وهي إغلاق مضيق هرمز والتحكم في أسعار الطاقة عالميًا، مما شكل ضغطًا رهيبًا على الإدارة الأمريكية ودول الخليج، وعلى كل حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية. هناك توقعات بكوارث اقتصادية إذا طال أمد الحرب، حيث سوف يحدث اضطراب في سلاسل التوريد عالميًا في مجال الطاقة والأسمدة وكذلك الصناعات التكنولوجية المتقدمة، فاليوم إيران، بإغلاقها مضيق هرمز، تتحكم في مرور 20% من البترول المنتج عالميًا، و20% من الغاز الطبيعي المسال، و33% من الأسمدة التي يتم تصديرها على نطاق عالمي، و30% من الهيليوم عالي الجودة المستخدم في صناعة الشرائح الإلكترونية المتقدمة. حتى الآن الاقتصاد العالمي قادر على التعامل بصعوبة مع تبعات الأزمة نظرًا لتوافر بعض الموارد المتاحة لدى الدول المنتجة، لكن من المتوقع خلال أسابيع قليلة، في حال استمرار الحرب، أن تنفد تلك الموارد، وربما تتوقف صناعات حيوية بأكملها. حاليًا ارتفع سعر خام برنت للبترول بأكثر من 55% خلال أربعة أسابيع، وارتفع سعر الغاز في أوروبا بحوالي 85%، بينما ارتفع في آسيا بأكثر من 140%.

بعد تورط الولايات المتحدة في الحرب، سعت إلى حشد الناتو وحلفائها لفتح مضيق هرمز، لكن دون استجابة تُذكر، ما وضع الرئيس الأمريكي أمام خيارين كلاهما مكلف: إما وقف الحرب دون تحقيق أهدافها أو دون فتح المضيق، بما يضر بصورة الهيمنة الأمريكية، أو الاستمرار فيها وربما التوسع بريًا، مع ما يحمله ذلك من خسائر بشرية وسياسية داخلية. وتزداد كلفة هذا المسار على ترامب لأنه يتناقض مع الخطاب الذي بنى عليه شعبيته، القائم على أولوية الداخل الأمريكي وتجنب الحروب. ومع تصاعد الانتقادات للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية واعتبار الحرب خدمة لمصالح إسرائيل، كما تتراجع شعبيته داخل قاعدته، بالتزامن مع اتساع المعارضة الشعبية، كما ظهر في مظاهرات المليونية، “لا للملوك”، يوم 28 مارس 2026، التي رفعت أيضًا شعارات مناهضة للحرب على إيران.

ومن أهم التهديدات الاستراتيجية للمصالح الأمريكية في المنطقة علاقتها مع دول الخليج العربي، حيث إنها علاقة تبعية وخضوع من دول الخليج للسيد الأمريكي، الذي يحمي الأنظمة الحاكمة بقواعده العسكرية المنتشرة في المنطقة. هذه العلاقات مستقرة منذ خروج الاحتلال البريطاني من منطقة الخليج ما بين 1961 و1971، حيث تزايد الوجود العسكري المباشر الأمريكي على مدار السنين لحماية كبار مشايخ الخليج الذين عُينوا حكامًا على المناطق الغنية بالنفط. لكن التحول الأكبر حدث بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وبعد الغزو السوفيتي لأفغانستان، عندها زادت الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج للولايات المتحدة، وبدأ تعزيز التواجد العسكري، كما دعمت وسلحت أمريكا ودول الخليج صدام حسين لضرب الثورة الإيرانية، في حرب استمرت ثماني سنوات، راح ضحيتها ما يقارب نصف مليون إنسان، وملايين الجرحى. لم يتورع نظام صدام حسين عن استخدام السلاح الكيماوي. تلك الحرب لعبت دورًا تاريخيًا في تشكيل النظام الإيراني وعقيدته وتماسكه، فهو نظام منذ اللحظة الأولى تحاربه الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة. قدم الشعب الإيراني خلال تلك الحرب مئات الآلاف من الضحايا.

اليوم تقف أغلب دول الخليج مع الجانب الأمريكي-الإسرائيلي في الحرب ضد الشعب الإيراني للمرة الثانية، بل تداولت بعض الصحف الغربية أن المملكة السعودية والبحرين والإمارات طالبت الولايات المتحدة بالتخلص من النظام الإيراني. ووصل الأمر إلى أن بعض السياسيين في الخليج يتحدثون عن الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج في التحالف مع إسرائيل، كما يتحدث بعض المحللين الخليجيين المقربين من دوائر صنع القرار عن أهمية تفتيت إيران على أسس عرقية وطائفية، باعتباره الضمانة الوحيدة لأمن واستمرار أنظمة الحكم في الخليج. تلك الأنظمة حققت رخاءً اقتصاديًا ضخمًا من عوائد البترول على مدار عقود، كما أن بعضها يحاول أن يلعب أدوارًا إمبريالية في المنطقة، ولعل الأكثر وضوحًا هو ما تفعله الإمارات في اليمن والسودان وليبيا بدعمها مليشيات عسكرية تحمي المصالح الإماراتية، ولا تتورع عن ارتكاب مجازر، بل تسعى لتفتيت تلك البلدان إلى كيانات متصارعة في حروب لا تنتهي. الأنظمة الحاكمة في دول الخليج تعي جيدًا أن بقاءها في سدة الحكم لا يستند إلى أي شرعية من شعوب المنطقة، بل فقط إلى القهر والقمع، مع تقليل التوتر الاجتماعي بتوفير وضع اقتصادي مريح لمواطني تلك البلدان، بجانب الحماية العسكرية الأمريكية. لذا لم يتورع حكام الإمارات والسعودية وقطر عن تقديم حوالي ثلاثة تريليونات دولار استثمارات لدونالد ترامب بمجرد وصوله لحكم البيت الأبيض للمرة الثانية. لكن نظم الحكم تلك غير مستدامة، بل إن الحرب الحالية تشكل التهديد الأخطر على أنظمة تلك الدول، أولًا لانكشاف مدى هشاشة الحماية الأمريكية، التي تحولت من وسيلة لحماية تلك البلدان إلى سبب لاستهداف تلك البلدان، فلأول مرة في التاريخ تنطلق الصواريخ من إيران إلى دول الخليج بسبب أن الطيران الأمريكي ينطلق من القواعد المنتشرة في دول الخليج، وكذلك أن إدارة العمليات الحربية الأمريكية-الإسرائيلية تُدار منها، لذا كان ضرب تلك القواعد نقطة فاصلة في مواجهة العدوان. الانكشاف الثاني هو مدى هشاشة اقتصاد هذه الدول، رغم الدعاية التي تم الترويج لها حول اللحظة الخليجية، وأسطورة دبي، والتنوع الاقتصادي غير القائم على النفط. اليوم، بمجرد إغلاق مضيق هرمز، أُصيبت موارد الدخل في تلك الدول في مقتل، الأمر الذي له تبعات مستقبلية.

لا يمكن توقع مستقبل أو نهاية الحرب الحالية، لكن من الواضح أن الخطط الأمريكية-الإسرائيلية لم تكن واقعية، بل متسرعة، وأثبت النظام الإيراني وكذلك حلفاؤه في لبنان واليمن أنهم استعدوا للحرب الحالية بشكل أفضل مما توقعت أمريكا وإسرائيل. لكن أيًّا كانت نتائج أو نهاية الحرب الحالية، فهناك مكاسب للشعوب، حيث إن أي هزيمة أو ضعف أو عرقلة للمخططات الإمبريالية هي مساحة أكبر للشعوب.

أولًا: انكشاف مدى هشاشة وتدهور الإمبريالية الأمريكية، وعدم قدرتها على فرض إرادتها بسهولة، وأن الشعوب المقهورة والمحاصرة تستطيع المواجهة والتحدي، وأن التبعية والخضوع ليسا قدر شعوب المنطقة، ثانيا: أن الإمبريالية والأنظمة الحاكمة التي تعمل بدأب على إثارة النعرات الطائفية والعرقية لا تخدم مصالح الشعوب، وأن مصالح الشعب الإيراني بطوائفه المتعددة وشعوب المنطقة العربية تكمن في الاتحاد للتخلص من الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية والأنظمة الحاكمة التي لا تخدم مصالح شعوبها، وبناء مجتمعات قادرة على تحديد مصيرها بشكل جمعي ديمقراطي يحقق التنمية والرخاء والحرية.

هذا ما يشعر به أغلب الشعوب في المنطقة منذ حرب طوفان الأقصى وحتى الحرب الحالية، فكل ضربة تُوجَّه من إيران أو حزب الله أو اليمن أو من غزة إلى قلب الكيان الصهيوني أو القواعد الأمريكية تلقى صدى في قلوب شعوب المنطقة، رغم المحاولات المضنية للأنظمة الحاكمة لشيطنة المقاومة أو زرع النعرات الطائفية.

ترى حركة الاشتراكيون الثوريون أن الدعم غير المشروط والنقدي في الوقت نفسه لفصائل المقاومة وكذلك دعم الشعوب التي تواجه الإمبريالية هو الطريق الوحيد للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي ومن النفوذ الأمريكي في المنطقة، بل ربما يكون المنطلق لخلق مستقبل أفضل ليس فقط لشعوب المنطقة، بل ربما يكون هو الطريق للتخلص من الإمبريالية الأمريكية وهيمنتها عالميًا، بل ولفضح زيف الليبرالية الغربية ذات الطابع الرأسمالي ومعاييرها المزدوجة في التعامل مع قضايا التحرر والحريات وقضايا حقوق الإنسان. كل انتصار تحققه المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن وإيران هو هزيمة للإمبريالية والأنظمة الحاكمة المتحالفة معها، كل انتصار يمهد الطريق لمستقبل أفضل، لذا علينا دعم المقاومة وحق الشعوب في محاربة القوات المعتدية.