بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

المطر الأسود فوق طهران

دراسة أممية: مخاطر بيئية وصحية وخيمة لحروب النفط

في السابع من مارس الماضي، شنّت قوات الاحتلال ضربات جوية استهدفت 4 مستودعات للوقود ومصافٍ نفطية في طهران ومدينة كرج المجاورة، مما أشعل حرائق ضخمة أطلقت سحباً كثيفة من الدخان فوق منطقة تضم أكثر من 15 مليون نسمة. وحين هطل المطر بعد ساعات، لم تسقط قطرات ماء عادية، بل ما وصفه السكان بـ «المطر الأسود»، ظاهرة نادرة تتشكل حين تتحول جزيئات السخام والملوثات المتصاعدة من الحرائق إلى نواة تتجمع حولها قطرات المطر لتتساقط محملةً بها على الجلود والتربة والمياه. دراسة نشرها باحثون من معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة في العاشر من أبريل تُحذّر من أن ما بدا حادثةً آنية قد يكون بداية أزمة صحية وبيئية تمتد لأجيال.

قياسات جودة الهواء المتاحة أشارت إلى أن تركيزات الجسيمات في طهران بعد الضربات بلغت نحو 20.2 ميكروغرام لكل متر مكعب، أي أربعة أضعاف الحد السنوي الذي توصي به منظمة الصحة العالمية. دخان حرائق النفط ليس مجرد تلوث عادي، بل مزيج من جسيمات دقيقة وأكاسيد الكبريت والنيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة والمعادن الثقيلة والهيدروكربونات متعددة الحلقات العطرية. يعاني الأطفال وكبار السن والحوامل والمرضى المزمنون من أعلى مستويات التعرض، وهم في الوقت ذاته من يملكون أقل قدر من الحماية الشخصية، لا سيما أن النصيحة الرسمية بالبقاء في المنازل تفقد معناها بالنسبة لمن دُمرت منازلهم في الضربات.

السجل التاريخي يمنح هذا التحذير ثقلاً لا يمكن تجاهله. فبعد حرائق آبار النفط الكويتية في حرب الخليج 1991، كشفت الدراسات الوبائية عن معدلات مرتفعة من أمراض الشعب الهوائية لدى السكان المعرضين. وبيانات أحدث من دراسة نُشرت عام 2025 حول محاربي حرب الخليج وجدت أن من تعرضوا لدخان حرائق النفط بين 37 يوماً كانت لديهم 3 أضعاف احتمالية الإصابة بـ”التصلب الأثيروماتوسي” للأوعية القلبية مقارنةً بغير المعرضين. وتتشكل صورة تدريجية من أمراض مزمنة في الرئة والقلب والجهاز العصبي والخصوبة وزيادة في معدلات السرطان، أي أزمة صحية طويلة الأمد تُلقي بثقلها على الأسر والمنظومة الصحية لسنوات بعد انتهاء الحرب.

ما يميز الحالة الإيرانية عن نظيراتها هو أن المطر الغزير الذي هطل في أعقاب الضربات أعاق انتشار الملوثات في الجو، لكنه دفعها في الوقت ذاته إلى التربة والمياه الجوفية بصورة أعمق وأكثر تركيزاً. وشبكات الصرف في طهران ستحمل على الأرجح الجريان الزيتي السطحي إلى خزانات المياه المحيطة بها والأراضي الزراعية التي يعتمد عليها الملايين، وذلك في مدينة تعاني أصلاً من شُح مائي حاد وصفه خبراء الأمم المتحدة بـ«الإفلاس المائي». والهيدروكربونات حين تتسرب إلى طبقات المياه الجوفية تبقى لعقود، وتدخل السلاسل الغذائية وتصل إلى مياه الشرب بصورة لا تظهر آثارها دفعةً واحدة بل تتراكم عبر الزمن.

تكشف الأبحاث المقارنة في مناطق النزاع أن النساء والأطفال يحملون العبء البيولوجي الأكبر من ملوثات الحرب، وذلك بسبب الهشاشة الفسيولوجية والانتقال العابر للأجيال عبر الحمل والرضاعة. وقد وثّق الباحثون في الفلوجة بعد عام 2003 ارتفاعاً بمقدار 12 ضعفاً في معدلات سرطان الأطفال و17 ضعفاً في التشوهات الخلقية في السنوات التالية للقصف. هذه الأرقام ليست تفاصيل أكاديمية بل قياس لما تعنيه الحرب في أجساد الأجيال القادمة في إيران وغيرها من مناطق النزاع.

يطرح التقرير سؤالاً لا يمكن تجاوزه.. إذا كانت أنماط انتشار الملوثات قابلة للتنبؤ بناء على بيانات الطقس وطبيعة البنية التحتية المستهدفة، فلماذا لا تُدمَج هذه الحسابات في منطق التخطيط للضربات؟ الإجابة هي أن الآلة العسكرية الإمبريالية لا تُفكر في فاتورة الصحة العامة التي يسددها السكان المدنيون لسنوات بعد إخفاق المفاوضات. استهداف البنية النفطية الحيوية لمدينة كبرى جريمة حرب بموجب القانون الدولي، لكن حتى بمعايير “الحرب النظيفة” التي تتذرع بها القوى الغربية، يظل القصف المتعمد لمنشآت تؤدي دخانها الأسود لرئات 15 مليون إنسان فعلاً لا يمكن وصفه بالتناسب أو الانتقائية.

ما تقوله دراسة معهد الأمم المتحدة هو أن الحرب لا تنتهي حين يصمت المدفع. تستمر في التربة والماء والرئات والأجنة. والشعوب التي تدفع هذه الفاتورة الصامتة ليست من أعلن الحرب ولا من يجني من ورائها أرباح البترول.⁩