بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

نحو استقلالية النضال الطبقي:

عمال إيران بين مطرقة الامبريالية وسندان رأس المال المحلي

في ظل تعقيدات الصراع الطبقي داخل الدول الرأسمالية التي تواجه حصاراً خارجياً، يقف العمال في إيران في القطاعات الصناعية والخدمية، أمام تناقض مزدوج يفرض عليهم مواجهة التدخلات الامبريالية من جهة، واستغلال البرجوازية المحلية وسياسات القمع من جهة أخرى.

الأيام القليلة الماضية شهدت إعلاناً واضحاً من عمال حقل بارس الجنوبي للغاز، الذين خاضوا إضرابات واسعة مؤخراً، عن رفضهم القاطع لأي محاولات استقطاب من قبل الولايات المتحدة والقوى الغربية، وشدد العمال المضربون على ولائهم للدفاع الوطني عن البلاد، مستنكرين التصريحات الصادرة عن جهات تابعة لواشنطن والتي حاولت إظهار “الدعم” لحراكهم. وأكد العمال أنهم يرفضون ويدينون صراحة هذه المحاولات الانتهازية التي تسعى لاختراق الحركة النقابية العمالية وتوجيهها لخدمة أهداف لا علاقة لها بحقوق الطبقة العاملة.

على التوازي، يعيش العاملون في قطاع الإعلام أزمة تعصف بأرزاقهم. ففي العاشر من أبريل الجاري، أصدرت «رابطة صحفيي طهران» بياناً حذرت فيه من أن الضغوط الاقتصادية تدفع وسائل الإعلام إلى حافة الانهيار، مما يهدد بتآكل الرأسمال الاجتماعي للبلاد. وأشار البيان إلى إغلاق وسائل إعلام كبرى مثل صحيفة «دنيا الاقتصاد»، التي سرحت أكثر من 100 من صحفييها وموظفيها، وتوقف صحف أخرى مثل «بيام ما».

الأزمة هنا ليست فقط نتيجة للتضخم وارتفاع تكاليف الطباعة، هي ايضا نتاج مباشر لسياسات الدولة المتمثلة في قطع الإنترنت المتكرر وحجب المنصات، مما دمر البنية التحتية للإعلام الرقمي ونسف عائداتهم المالية. وتُرك الصحفيون، الذين عانوا لعقود من الرقابة والتدخلات الأمنية، ليواجهوا شبح البطالة وانعدام الأمان الوظيفي دون أي حماية نقابية حقيقية.

تميل بعض القراءات السياسية إلى تصوير تجنب العمال للصدام مع أجهزة الأمن، ورفضهم للتدخل الأجنبي، باعتباره تماهياً مطلقاً مع الدولة وتجسيداً لـ«السيادة العمالية» من خلال التحالف الموضوعي مع مؤسسات الحكم لصد الإمبريالية. لكن التحليل يقتضي تفكيك هذا التماهي وإدراك التناقضات البنيوية الكامنة فيه.

وعي عمال مصافي نفط بارس الجنوبي بخطورة التدخل الأجنبي هو وعي طبقي متقدم؛ فالطبقة العاملة تدرك أن مشاريع «تغيير النظام» التي ترعاها المراكز الامبريالية لا تهدف إلى تحرير العمال، بل إلى تدمير البنية التحتية الوطنية، وتفكيك الدولة لصالح احتكارات رأس المال العالمي، وبيع مقدرات البلاد لطبقة كومبرادورية تابعة للخارج. لذلك، فإن رفض العمال لهذا التدخل هو دفاع مشروع عن قاعدة الإنتاج التي يعيشون منها.

إلا أن هذا الموقف المبدئي ضد الهيمنة الخارجية لا ينبغي أن يُقرأ كإقرار بانتفاء الصراع الطبقي الداخلي. فالدولة الإيرانية تظل في جوهرها بنية تدير نظاماً رأسمالياً، تعتمد فيه الفئات المتنفذة والبرجوازية المحلية على الحصار الخارجي كذريعة مثالية لتعميق استغلال العمال، وتوسيع نظام العقود الهشة، وتأخير الأجور، ومراكمة الثروات عبر احتكار الموارد.

وما يتعرض له الصحفيون وعمال المطابع، حتى قبل العدوان الامبريالي، من تسريح تعسفي وتدمير لأرزاقهم بسبب الرقابة الأمنية وحجب الإنترنت، يثبت أن جهاز الدولة يستخدم «الأمن القومي» كأداة لضبط قوى العمل.

الاستقلالية الحقيقية للطبقة العاملة لا تتحقق بمجرد الانحياز للدولة في وجه الإمبريالية، بل بالنضال من أجل تشكيل لجان المقاومة الشعبية والاستعداد للحرب البرية، وانتخاب مندوبين من المصانع والأحياء والجامعات والجيش، لتشكيل قيادة وطنية جماهيرية تقاوم العدوان، وتعبئ كافة الموارد الوطنية لخدمة الجماهير ونضالها ضد الإمبريالية والرأسمالية معا.

فالتحرر العمالي لا يتحقق، بالخضوع لسندان الرأسمالية المحلية هرباً من مطرقة الإمبريالية، بل بتجاوز كليهما نحو مشروع طبقي يمتلك قراره وثرواته.