بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

لندن تعتقل 500 متظاهر:

تجريم الشارع وفتح جبهة القضاء ضد حركة التضامن مع فلسطين

شهدت لندن، يوم السبت 11 إبريل، واحدة من أكبر موجات القمع البوليسي ضد الحركة التضامنية مع فلسطين، بعدما شنت الشرطة حملة اعتقالات جماعية في ميدان ترافالغار طالت أكثر من 500 متظاهر خرجوا دعمًا لحركة “فلسطين أكشن”، ورفضًا لتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وأقرت شرطة العاصمة باعتقال 523 شخصًا، تتراوح أعمارهم بين 18 و87 عامًا، لمجرد مشاركتهم في اعتصام سلمي ورفع لافتات تعبر عن رفض الإبادة في غزة ودعمهم لحركة “فلسطين أكشن” والتي تستهدف—بشكل مباشر—بنية صناعة السلاح المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي في بريطانيا. وجرت الاعتقالات وسط مشاهد إخلاء قسري عنيف للمحتجين، في وقت واصل فيه متضامنون آخرون الهتاف والتصفيق، في تحدٍ واضح لمحاولات الترهيب.

وتأتي هذه الحملة في ظل إصرار الدولة البريطانية على المضي قدمًا في تجريم “فلسطين أكشن”، رغم أن المحكمة العليا كانت قد قضت بعدم قانونية حظرها، في حكم اعتبر أن القرار الحكومي ينتهك حرية التعبير. ومع ذلك، تواصل الحكومة استئناف الحكم، فيما تواصل الشرطة تنفيذ الاعتقالات، في تناقض يعكس تسييسًا واضحًا للقانون لخدمة أجندة سياسية.

منذ فرض الحظر في يوليو الماضي، اعتُقل ما يقارب 3000 شخص، غالبيتهم بسبب أفعال رمزية مثل حمل لافتات أو التعبير العلني عن دعمهم للحركة. مئات منهم يواجهون الآن محاكمات، في ما بات يُنظر إليه كحملة ممنهجة لإخماد أي صوت معارض للدور البريطاني في حرب الإبادة على غزة.

من جهتهم، أكد منظمو الاحتجاج، وهم من حملة “Defend Our Juries” التي تدعو إلى استقلالية هيئات المحلفين وتعارض إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات الأصوات المعارضة وقمع الاحتجاج، أن التظاهرة جاءت رفضًا لتواطؤ الحكومة البريطانية في الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وكذلك رفضًا للتضييق المتزايد على الحق في الاحتجاج داخل البلاد. وأشاروا إلى أن الدولة تسعى إلى خلق سابقة خطيرة، يتم فيها المساواة بين التضامن السياسي السلمي و”الإرهاب”.

هذا المسار القضائي لم يعد منفصلًا عن الشارع، بل بات امتدادًا له.

فبعد يومين فقط من احتجاجات لندن، يوم الاثنين 13 إبريل، مثل ستة نشطاء أمام محكمة وولويتش التاجية على خلفية اقتحام منشأة تابعة لشركة السلاح الإسرائيلية إلبيت سيستمز قرب بريستول في أغسطس 2024. ويواجه المتهمون تهمًا تتعلق بإتلاف ممتلكات، فيما يواجه أحدهم تهمة التسبب بأذى جسدي خطير لشرطي. ورغم إسقاط بعض التهم قبل بدء المحاكمة، أمضى عدد منهم ما يصل إلى 18 شهرًا رهن الاحتجاز—في تجاوز واضح للمدد المعتادة للحبس الاحتياطي.

ورغم محاولة المحكمة عزل القضية عن السياق السياسي عبر مطالبة هيئة المحلفين بعدم التأثر بالنقاشات حول الإبادة في غزة أو وضع الحركة، فإن واقع الحال يشير إلى عكس ذلك، فقضايا “فلسطين أكشن” باتت ساحة اختبار مباشرة لعلاقة القضاء بالسلطة التنفيذية، وحدود استخدام قوانين “الإرهاب” في مواجهة العمل السياسي.

وفي موازاة ذلك،امتدت المواجهة إلى قيادات الحركات المتضامنة مع فلسطين نفسها. فقد أُدين كل من بن جمال، مدير “حملة التضامن مع فلسطين”، وكريس ناينهام، نائب رئيس “ائتلاف أوقفوا الحرب”، بتهم تتعلق بخرق شروط فرضتها الشرطة على مسار احتجاج سلمي في لندن.

تكمن دلالة هذه القضية في أنها تنقل التجريم من الفعل الاحتجاجي المباشر إلى مستوى التنظيم ذاته. فبدلًا من ملاحقة من “يخالفون القانون” في الشارع فقط، يجري استهداف من ينظمون ويعبئون، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف حدود “الاحتجاج المشروع” وفق الشروط التي تضعها السلطات.

وخلال المحاكمة، برزت مؤشرات على الطابع السياسي للقيود المفروضة، مع الكشف عن تواصل بين الشرطة وجهات ضاغطة مؤيدة للاحتلال الصهيوني قبل فرض شروط التظاهر، بحسب تقارير محلية، ما أثار تساؤلات حول استقلالية القرار الأمني، وحدود تأثير الضغط السياسي في رسم المجال العام.

وخلال الأشهر الماضية، تكشف نمط متكرر داخل المحاكم البريطانية؛ توجيه اتهامات مشددة—أحيانًا تحت مظلة الإرهاب أو “الاقتحام المشدد”—لتُسقط لاحقًا أو تُخفف، أو تنتهي ببراءات، خصوصًا عندما يُعرض الملف على هيئات محلفين. ففي قضايا سابقة مرتبطة باقتحام منشآت لشركة إلبيت سيستمز، فشل الادعاء في تثبيت أخطر التهم، ما اضطره إلى إسقاطها عن متهمين آخرين لاحقًا.

كما شهدت محاكم بريطانية إسقاط أو إبطال قضايا مرتبطة بدعم “الإرهاب” في سياق احتجاجات مؤيدة لفلسطين، في حالات رأت فيها المحاكم أن الاتهامات تفتقر للأساس القانوني أو جاءت خارج الأطر الزمنية المحددة. وفي المقابل، صدرت إدانات في قضايا أخرى، خصوصًا تلك التي تضمنت اعترافًا بتخريب ممتلكات أو أدلة واضحة على التخطيط.

وتُظهر بيانات سابقة أن نسبة كبيرة من الاعتقالات المرتبطة بالاحتجاجات لم تُفضِ إلى توجيه تهم أصلًا، ما يعزز اتهامات “الإفراط في التجريم”، حيث يُستخدم الاعتقال بحد ذاته كأداة ردع، حتى في غياب مسار قضائي مكتمل.

وفي ظل آلاف القضايا المحتملة التي قد تصل إلى المحاكم خلال السنوات المقبلة، يتشكل ما يشبه خط إنتاج قضائي للتعامل مع الاحتجاج.

في هذا السياق، اعتبرت العفو الدولية أن ما يجري يمثل “تآكلًا مقلقًا” للحريات المدنية، بينما يرى نشطاء أن الدولة تحاول إعادة رسم حدود الفعل السياسي، عبر نقل المواجهة من الشارع إلى المحاكم.
ما جرى في شوارع لندن لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التصعيد بين الدولة والحركات الاحتجاجية، حيث باتت القوانين—خصوصًا المرتبطة بمكافحة الإرهاب والنظام العام—أداة مركزية في مواجهة التعبئة الشعبية. وبينما تحاول السلطات فرض معادلة الردع، يواصل المحتجون اختبار حدودها، مؤكدين أن الشارع سيظل ساحة الصراع الأساسية.