بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

مع دخوله حرب السودان عامها الرابع:

التضامن مع ضحايا المذابح يستلزم وقف الحرب فوراً

الأعراس التي تتحوّل إلى مقابر جماعية، والمستشفيات التي تُقصف في أيام الأعياد، ليست “أضراراً جانبية” ولا “أخطاء استهداف”، إنها نتيجة حتمية لحرب اختار فيها الجنرالان المتصارعان على السلطة، عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، ونائبه السابق وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو أن يكون السودان وأهله ومستقبله هو ميدان المعركة. والمؤكد، أن التضامن مع الضحايا يستلزم أكثر من البكاء عليهم؛ ويستدعي رفض هذه الحرب من جذورها.

مستشفى وزفاف يقطرون دماً في دارفور
في الجمعة الأولى من عيد الفطر، 20 مارس 2026، في يوم اعتيادي في مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور المتضرر بشدة من الحرب الجارية والتي دخلت عامها الرابع. انقضّت طائرة مسيّرة من طراز “أكانجي” على المبنى بضربتين متتاليتين، بفارق خمس عشرة دقيقة.

الضربة الأولى أشعلت الفزع، والثانية استهدفت من هرعوا لإنقاذ الجرحى. أكدت منظمة الصحة العالمية مقتل 70 مدنياً وإصابة 146 آخرين، من بينهم 13 طفلاً وطبيب وممرضتان، فيما خرج المستشفى عن الخدمة كلياً.

لم تجفّ بعد دماء الضعين حتى أطلّت مجزرة ثانية. مساء الثامن من أبريل 2026، اخترقت مسيّرة أجواء حي السلامة في مدينة كتم بشمال دارفور حيث كان الناس يحتفلون بزفاف.

ضربتان متتاليتان هدّتا المنزل على رؤوس أصحابه. أعلن تحالف “تأسيس” حكومة الدعم السريع مقتل 58 شخصاً من بينهم 17 طفلاً، وإصابة 107 آخرين، وأفادت مصادر أهلية بارتفاع الحصيلة إلى أكثر من 80 بين قتيل وجريح.

أدان الأمين العام للأمم المتحدة الهجوم، معتبراً استخدام المسيّرات ضد المدنيين “أمراً غير مقبول”. غير أن الإدانات الدولية لم تُوقف يوماً طائرة واحدة.

“النور قبة”.. وانشقاق أشعل فتيل الانتقام
لفهم سياق هذه الضربات لا بد من قراءة مشهد انشق فيه اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ”النور قبة”، وهو أحد المؤسسين الأوائل لقوات الدعم السريع وقائد تشكيل “متحرك درع السلام”.

في أبريل 2026 أعلن انضمامه إلى الجيش السوداني على رأس ما يتراوح بين 80 و136 عربة قتالية. جاء الانشقاق بعد أشهر من التذمر؛ فقد أُقصي القبة من قيادة ولاية شمال دارفور عقب سيطرة الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، وقضى أشهراً معزولاً في قريته “بكتم” دون إمدادات كافية، فيما كثّفت الدعم السريع حملات قمع ضد قرى قبيلته المحاميد في المنطقة ذاتها.

“كتم”، إذن، ليست مجرد مدينة عشوائية على خارطة الحرب؛ إنها المنطقة التي عاش فيها “القبة” وتحصّن بها، وهي الحاضنة الاجتماعية لقبيلة المحاميد التي يمثّلها. ضرب حفل الزفاف في حي السلامة بكتم بعد أيام من إعلان الانشقاق يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام ضربة انتقامية موجّهة لمحيط الرجل الذي “خان” الدعم السريع؟ الأدلة الظرفية تتراكم، وإن كانت الإجابة القاطعة تستلزم تحقيقاً مستقلاً يبدو بعيد المنال في زمن الإفلات من العقاب.

الدعم السريع والمسيّرات: حرب على البنية التحتية
لا يمكن قراءة مشهد المسيّرات بمعزل عن الصورة الكاملة. فقوات الدعم السريع، بعد أن خسرت معظم مناطق سيطرتها في الخرطوم والجزيرة، لجأت إلى حرب استنزاف ممنهجة عبر الطيران المسيّر استهدفت فيها البنية التحتية الحيوية للمناطق الخاضعة للجيش.

في مايو 2025، استهدفت مسيّرات الدعم السريع محطة كهرباء المرخيات في أمدرمان، مما أدى لانقطاع التيار الكهربائي لمدة شهر، ثم عادت في سبتمبر لتكرر الضربة ذاتها.

وفي الفترة نفسها، شنّ الدعم السريع هجوماً موسّعاً بالمسيّرات الانتحارية على بورتسودان، العاصمة المؤقتة للبلاد، استهدف الميناء الرئيسي ومستودعات الوقود ومحطة الكهرباء والمطار الدولي الوحيد العامل في السودان. أكد وزير الطاقة السوداني احتراق أربع تنكات رئيسية للنفط، فيما أعلنت شركة كهرباء السودان عن انقطاع تام للتيار في المدينة جراء إصابة المحطة التحويلية. كذلك امتدت ضربات الدعم السريع إلى محطات الكهرباء في عطبرة وبربر ومروي، مما أدى لشلل واسع في خدمات الكهرباء والمياه لملايين المدنيين في شمال السودان.

ويرى خبراء اقتصاديون أن استهداف ميناء بورتسودان يهدد الأمن الغذائي والدوائي لملايين السودانيين، إذ يمر عبره أكثر من 60% من الواردات والصادرات السودانية. كما طالت المسيّرات كذلك محطات تحويلية للكهرباء في أمدرمان أغرقت المدينة المكتظة بالنازحين في الظلام. ذات النهج في استهداف البنية التحتية المدنية جريمة حرب موثّقة لا تقل فداحةً عن قصف المستشفيات.

أما مسؤولية الضربات الأخيرة في دارفور، فتظل محل جدل واتهامات متبادلة. في حادثة كتم، وجّهت لجنة مقاومة الفاشر الاتهام للجيش السوداني، فيما نفى الجيش أي تورط له، واتهم بدوره الدعم السريع بنسب جرائمه له لأغراض دعائية. وفي غياب تحقيق مستقل وشفاف، يصعب الجزم القاطع بالمسؤولية، لا سيما أن كلا الطرفين يوظّف المسيّرات سلاحاً في هذه الحرب.”

منذ أبريل 2023 تتواصل هذه الحرب المدمّرة؛ جيش يسعى لاستعادة سلطة الدولة، وميليشيا مسلّحة تتدثّر بادعاء مقاومة “الإسلاميين”، بينما تضرب الموانئ والمستشفيات ومحطات الكهرباء.

الأرقام لا تكذب: أكثر من 150 ألف قتيل وفق التقديرات الأممية الأخيرة، وأكثر من 12 مليون نازح في أسوأ أزمة نزوح في العالم. منظمة الصحة العالمية وثّقت 217 اعتداء على منشآت طبية خلال ثلاث سنوات، وتوقّف ما يصل إلى 80% من المرافق الصحية في الولايات المتأثرة بالنزاع.

الدعم السريع ارتكب مجازر إثنية موثّقة في الفاشر ونيالا وكبكابية، وشنّ حرب استنزاف على البنى التحتية لمناطق يسيطر عليها الجيش. في المقابل، تواصل جرائم الحرب من الجانبين في غياب المساءلة. والمشكلة الجوهرية أن كلا الطرفين يمتلك داعمين إقليميين يغذّون النزاع بالسلاح والمال، الأمر الذي يُطيل أمد الحرب على حساب المدني السوداني الذي يدفع وحده الثمن.

أمام هذا الواقع، لا تكفي الإدانات الدولية التي تُطلق كلما سقطت مجزرة جديدة ثم تُنسى. لا يكفي ترتيب انشقاقات تُعيد توزيع نفس المقاتلين بين نفس المنظومتين العسكريتين اللتين لم تُحاسَبا يوماً. ما يحتاجه السودان ليس حرباً “أنظف” أو وكالة “أشرف”، بل وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وانسحاب القوى الإقليمية المغذّية للنزاع، ومحاسبة حقيقية على جرائم الحرب من الجانبين، وأخيراً تفكيك البنية العسكرية المتضخّمة التي ظلت طوال عقود تستنزف الإنسان السوداني وتُفقره لتُثري أمراءها.