بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الصمود المبهر للمقاومة اللبنانية يمهد لأفاق جديدة

مشهد مهيب تناقلته جميع وكالات الأنباء في العالم، خلال الأيام الماضية، هو رجوع مئات الآلاف من أهل جنوب لبنان إلى قراهم وبلداتهم جنوب نهر الليطاني بعد أن تم فرض إطلاق النار على الصهاينة لمدة عشرة أيام قابلة للتمديد. يعتبر هذا المشهد، ولا شك، مشهد انتصار لصمود المقاومة اللبنانية وحزب الله بعد ستة أسابيع من الهجمة البربرية الصهيونية على لبنان، في دورة جديدة من دورات الاعتداءات الهمجية للعدو الصهيوني على الشعب اللبناني ومقاومته.

كانت أهداف الكيان الصهيوني واضحة منذ اليوم الأول، حيث حشد أكثر من أربعمائة وخمسين ألف جندي من جيش الاحتياط الصهيوني وشن آلاف الغارات على جنوب لبنان وعلى بيروت وعلى مناطق مختلفة في البقاع، وقتلت الآلاف من الشهداء، وسوت قرى بأكملها على الشريط الحدودي بين لبنان وإسرائيل بالأرض خلال الأسابيع الستة الماضية. كان المخطط هو احتلال كامل المنطقة جنوب نهر الليطاني وبامتداد 30 كم داخل الأراضي اللبنانية لتمثل منطقة عازلة بين الكيان الصهيوني ولبنان.

ربما كان الاحتلال يأمل في تحقيق إنجاز في جنوب لبنان، يرضي بعض أعضاء الحكومة الحالية من اليمين المتطرف مثل سموتريش وبن غفير، وربما بإيحاءات من نيتنياهو نفسه، بضم منطقة جنوب الليطاني تمامًا إلى الكيان الصهيوني، لتصبح مثل هضبة الجولان السورية، التي ضمتها إسرائيل سنة 1981، كمنطقة عازلة بينها وبين سوريا. أو أن يكون احتلال المنطقة وسيلة للمقايضة: رجوع تلك الأراضي إلى لبنان مع الحكومة اللبنانية بعد أن تعترف بوجود دولة إسرائيل وتطبع العلاقات معها وتنزع سلاح حزب الله وسلاح المقاومة مرة وإلى الأبد. وهو شبيه بمقايضة معاهدة السلام عام 1979، التي انسحبت بموجبها إسرائيل من سيناء مقابل الاعتراف بالكيان والتطبيع. كان العدوان الصهيوني على لبنان خلال الأسابيع الستة الماضية عنيفًا، واستخدمت فيه إسرائيل كل الوسائل المتاحة لها في ترسانتها العسكرية المتقدمة إلكترونيًا والمتقدمة مخابراتيًا، بيد أنها فشلت فشلًا ذريعًا بعد أن فرض عليها وقف إطلاق النار.

لماذا تم فرض وقف إطلاق النار على الصهاينة؟ السبب الأول بالطبع هو الصمود الأسطوري لمقاتلي حزب الله، الذي فاجأ قوات الاحتلال، خصوصًا بعد أن تصور الصهاينة أنهم قضوا على معظم مقدرات الحزب وقياداته خلال هجمات 2024، حيث كان التصور السائد أنهم قضوا على جزء كبير من أسلحة وصواريخ وأماكن ارتكاز حزب الله في الجنوب، خلال شهور من القصف المتواصل، بل إنهم أيضًا قضوا على كثير من القيادات العسكرية والسياسية لحزب الله وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله. تصور الصهاينة أن هذا كفيل بتكبيل قدرة حزب الله على مقاومة أي اجتياح بري، أو أن هذه المقاومة ستكون محدودة للغاية ولا تتعدى بعض الأيام، في حين أن قوات الجيش الإسرائيلي المهولة التي تم حشدها سوف تستطيع تنفيذ خططها في غضون أيام بسيطة، وبأقل خسائر ممكنة، لكنهم فوجئوا تمامًا بأن الخسائر البشرية والخسائر في المعدات كبيرة للغاية، وأنهم فعليًا لم يستطيعوا التقدم سوى في مناطق محدودة، لا تزيد عن 7 أو 8 كم داخل العمق اللبناني، وليس 30 كم كما خططوا. كما أن المقاومة البطولية لمقاتلي حزب الله جعلت من المناطق المتفرقة التي احتلتها القوات الإسرائيلية على الحدود معزولة عن بعضها، مما صعب مهمة إسرائيل في تشكيل منطقة عزلة ولو لسبع أو ثماني كيلومترات. وفشلت القوات الإسرائيلية تمامًا في السيطرة على مدن مثل بنت جبيل وحتى مدينة الخيام. كما لم يستطع العدو الصهيوني السيطرة على مناطق حدودية مختلفة، فبالتالي أصبح الوضع التالي بعد وقف إطلاق النار، هو وجود بؤر يتمركز فيها جيش الاحتلال معزولة عن بعضها البعض، وهكذا فرض واقع جديد على الأرض، لكن هذا ما لم يكن يتمناه أو يتصوره على الإطلاق بعد هذه العملية البربرية والعدوان المستمر منذ ستة أسابيع.

ترافق هذا الصمود الأسطوري للمقاومة ومقاتلي حزب الله مع تصميم إيران على أن الهدنة مع الولايات المتحدة ووقف إطلاق النار يشملان لبنان أيضًا، كشرط من شروط استمرار التفاوض. ومن هنا جاء وقف إطلاق النار بإعلان من دونالد ترامب نفسه، على عكس رغبة القيادات العسكرية الدموية في الكيان الصهيوني، وحينئذ فقط سمحت إيران بفتح جزئي ومشروط لمضيق هرمز.

هذا الصمود يعتبر انتصارًا، وبلا شك انتصارًا كبيرًا للمقاومة، حيث إنه أفشل مخططات إسرائيل في لبنان، ولو مرحليًا على الأقل. وهنا تقف الحكومة اللبنانية موقفًا عجيبًا وغريبًا، ولكنه ليس غريبًا إذا ما رأينا سياقه، فبمجيء جوزيف عون لرئاسة الجمهورية ونواف سلام لرئاسة الوزراء بدأ مشروع، بتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية ومن المملكة العربية السعودية، لإدخال لبنان في لعبة الاتفاقات الإبراهيمية، أو على الأقل في الوصول إلى اتفاقات تعاون ما بين لبنان وما بين إسرائيل، تُبنى على أساس أن تدعم الولايات المتحدة والسعودية الجيش اللبناني بأموال كثيرة يستطيع بها قلب معادلة القوة داخل لبنان، وبالتالي يستطيع أن ينفذ بنفسه -الجيش اللبناني- الهدف الصهيوني الأكبر في نزع سلاح المقاومة. هكذا يريدون أن تفعل الحكومة اللبنانية نفسها ما فشلت فيه إسرائيل لعقود.

رغم أن الغارات الصهيونية التي لم تتوقف للحظة على لبنان منذ وقف إطلاق النار في 27 أكتوبر 2024، حيث استمرت الغارات الإسرائيلية على بيروت وعلى البقاع، وبعد مشاركة حزب الله في الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، قررت الحكومة اللبنانية اعتبار السفير الإيراني الموجود في لبنان غير مرغوب فيه، وسحبت السفير اللبناني من إيران في بداية الحرب. وبدأت الحكومة اللبنانية تتكلم عن أن حزب الله لا يمثل على الإطلاق أي إرادة للحكومة اللبنانية، وبدأت في تهجير كثير من مقاتلي حزب الله إلى شمال نهر الليطاني نزولًا على الرغبة الصهيونية.

يجب أن نفهم هذا الموقف في إطار دولة المحاصصة الطائفية، التي بنيت بعد الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا ما بين 1975-1990، حيث يتم تقسيم السلطة والمناصب وفق توازنات طائفية، لا تخلو من تدخلات أجنبية، فما بين زعامات سنية برجوازية، راكمت أموالًا ضخمة بالتعاون مع الخليج العربي في أثناء الثمانينيات، وخلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، وارتبطت بمصالح عضوية برأس المال الخليجي، وكما رأينا مثلًا تحكم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري واحتجازه عنده في الرياض لحين الانصياع للمطالب السعودية. بالإضافة إلى العلاقة التاريخية ما بين البرجوازية المارونية وما بين الغرب، خصوصًا فرنسا، ومن بعدها الولايات المتحدة، تشكلت للزعامات المارونية وعائلاتها أحزاب سياسية مثل الكتائب والقوات اللبنانية. بالإضافة إلى الزعامة الدرزية في عائلة جنبلاط. أما الشيعة في لبنان فانقسموا ما بين نبيه بري زعيم حركة أمل، وحزب الله. الحكومة الحالية للبنان، التي تشكلت في نوفمبر 2025، تضم كالمعتاد وزراء من كل الطوائف، باستثناء حزب الله، الذي ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية ضد مشاركته، لكن حركة أمل الشيعية اختارت أربع وزراء. فشل لبنان على مدار أكثر من 35 عامًا في تجاوز المحاصصة الطائفية، كما لم تنجح القوى الوطنية والتقدمية في خلق بديل جاذب بعيدًا عن المنطق الطائفي.

يقود لبنان حاليًا حكومة بعيدة كل البعد عن مصالح الشعب اللبناني، بطوائفه المختلفة، حكومة فشلت في حل أزمات لبنان الاقتصادية كغيرها من الحكومات السابقة، كما لم تقدم أي مشروع أو بديل وطني للتحرر من التهديد الصهيوني القائم في الجنوب. الحكومة الحالية بدلًا من ذلك تسعى لتطبيع علاقتها مع العدو الصهيوني، واعتبار وجود “إسرائيل” في المنطقة أمرًا طبيعيًا. لكن وقفت المقاومة اللبنانية ممثلة أساسًا في حزب الله كشوكة في حلق هذا المشروع. الدولة اللبنانية عملت مرة أخرى على الدور الذي لعبته كثيرًا من قبل، ولكن بشكل أكثر افتضاحًا في الفترة الأخيرة، فلم تعبأ على الإطلاق بالهجمة البربرية والحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، ومن ثم بعد ذلك إسرائيل على لبنان، هجمة لم تفرق بين سني وشيعي وإن كانت ركزت على الجنوب اللبناني بأغلبيته الشيعية الفقيرة. ولكنها أيضًا قصفت المستشفيات والمدارس والطرق والبنية الأساسية اللبنانية في كل مناطق لبنان. كانت الإدانات التي تصرح بها الحكومة اللبنانية ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان مترافقة مع الإصرار على إدانة حزب الله، وعلى “أنه ورّط لبنان في تلك الحرب”، وأنها “ليست حربًا باسم لبنان”. هذا الترافق في خطاب الحكومة اللبنانية، التي يحتل الآن العدو الصهيوني 5% من مساحتها، هو معبّر واضح عن موقف الحكومة اللبنانية الجديدة، والتي مشت تمامًا على الخط الأمريكي الصهيوني وبمباركة من أمراء ورأس المال الخليجي.

هذا الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية يفتح الطريق من جديد للأمل، بعد سنوات من البربرية ووحشية الصهيونية على غزة، بعد حروب طاحنة في لبنان واليمن وإيران. لقد قاومت المقاومة اللبنانية الآلة العسكرية المتقدمة الصهيونية، وأوقفت مخططاتها في بلدات ومدن الجنوب اللبناني، بشكل شديد الكفاءة، لم يتوقعه حتى أكثر المتفائلين. هذه المقاومة تعطي أملًا كبيرًا في توحيد الجماهير اللبنانية بعيدًا عن القيادات الطائفية وعن دولة المحاصصة الطائفية. فعلى الرغم من أن المزاج العام للجمهور اللبناني خارج طائفة الشيعة والجنوب تجاه المقاومة في بداية الحرب كان منزعجًا من دخول حزب الله على جبهة الصراع، إلا أنه مع الوحشية الإسرائيلية، ومع الصمود الأسطوري لمقاتلي حزب الله، ومع توالي الأسابيع، انقلبت تلك الآية، وأصبح المزاج الغالب للجماهير اللبنانية هو المساندة للمقاومة المبهرة. وتبدى ذلك من استقبال كثير من العائلات السنية والمارونية والدرزية للمهجرين من جنوب نهر الليطاني، في أثناء الأسابيع الماضية، في مدارسهم وفي بيوتهم وفي ضيعاتهم وبلداتهم شمال الليطاني.

هذه هي البداية التي نتمنى أن نراها بناء على الحركة الجماهيرية الملهمة التي قامت عام 2019، عندما نزلت الجماهير اللبنانية إلى الشوارع تحت شعار “كلن يعني كلن”، بمعنى توحيد الجماهير اللبنانية بعيدًا عن الزعامات الطائفية، والتي لا تعمل لمصلحة الشعب اللبناني بكل طوائفه، ولا تعمل لمصلحة فقراء لبنان، بل تعمل على استمرار الوضع الطائفي القائم، لأن وجودهم السياسي مرتبط فقط بالطائفية، حيث لا يحملون أي مشروع سياسي أو اجتماعي، بل فقط الدفاع عن مواقعهم ومصالح عائلتهم وأموالهم ومصالحهم الخاصة، المرتبطة ارتباطًا كبيرًا بالمشروع الأمريكي الصهيوني، وكذلك الخليجي. هذا الأمل هو الأمل الوحيد للبنان للخروج من دائرة الطائفية. اليوم يؤكد وقف إطلاق النار بسبب صمود المقاومة لقطاع كبير من الجماهير اللبنانية أن الكيان الصهيوني هو الخطر الوجودي الأول على الجماهير اللبنانية جميعًا، وليس حزب الله، بل إن حزب الله والمقاومة هما الضامن الوحيد لكي لا يُستوعَب لبنان ولا يُبتلَع في جوف الوحش الصهيوني والجلاد الأمريكي. وهذا الإدراك المهم سيكون له دور كبير في الأسابيع المقبلة في إعادة التوازنات الداخلية بلبنان.

على الرغم من الصمت الكبير للجماهير العربية وعدم خروج المظاهرات كما تصورنا وكما كنا نراها من قبل، فإن الصمود العبقري والأسطوري للمقاومة سيكون بلا شك ملهمًا وحافزًا مرة أخرى بعد صمود الشعب الفلسطيني بغزة خلال عامين، لاسترجاع مرة أخرى حلم تحرير الأرض. وإذا كانت حماس وحزب الله قد استطاعا أن يصمدا بهذا الشكل أمام ترسانة الوحشية الإسرائيلية، فما بالك لو تحركت الشعوب العربية؟ ومن هنا يأتي مرة أخرى الشعار الكبير: إن الطريق إلى القدس، والطريق إلى تحرير لبنان، والطريق إلى تحرير الأراضي العربية الخاضعة للاحتلال الصهيوني، لن يأتي إلا بتحرير العواصم العربية من قادتها. الطريق إلى القدس وبنت جبيل يبدأ من القاهرة.