بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

يوم الأسير الفلسطيني

حلّ علينا يوم السابع عشر من أبريل الجاري وهو يحمل ثقل عقود كاملة من القهر المنظّم. أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني هذا اليوم عام 1974 ليكون يومًا وطنيًا للوفاء بالأسرى الفلسطينيين وتضحياتهم. واليوم، بعد اثنين وخمسين عامًا على هذا القرار، يأتي يوم الأسير بعد مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. هذا هو المشروع الصهيوني القاتل.

احتجت مدن الضفة الغربية المحتلة رفضاً للقانون تحرك المئات بعد يوم واحد من إقراره. وشارك في الاحتجاجات أهالي أسرى، وقوى سياسية واجتماعية عديدة. تجاوزت الاحتجاجات حدود المدن وانتشرت في نابلس، رام الله، جنين في الشمال، والخليل في الجنوب. ورفعوا المحتجين صور عشرات الأسرى الذين توفوا داخل السجون، يربطوا بين القانون الجديد وبين تاريخ طويل قائم من الموت داخل الاحتجاز.

أكثر من 9500 فلسطيني محتجزون في السجون الصهيونية، يواجهون التعذيب والتجويع والإهمال الطبي.

قضية الأسرى هي كاشفة للتهديد الذي يشعر به الاحتلال الصهيوني من مجرد وجود الفلسطيني على أرضه. يستهدف كل فرد في هذا الشعب المقاوم من الطفل الذي يرمي حجرًا إلى الأكاديمي الذي يكتب مقالًا، و المزارع الذي يتمسّك بأرضه إلى الطبيب الذي يعالج الجرحى. الاحتلال الاستيطاني الصهيوني يرى في كل فلسطيني تهديدًا وجوديًا، لأن مجرد وجود الفلسطيني على أرضه يُفنّد الرواية الصهيونية.

حين نتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، نتحدث عن ظاهرة استعمارية فريدة في تاريخ البشرية المعاصر. إسرائيل اعتقلت منذ عام 1967 قرابة مليون فلسطيني، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال. مليون إنسان. تأمّلوا هذا الرقم. تقديرات صحفية تشير إلى أن خُمس السكان الفلسطينيين سُجنوا في وقت ما منذ عام 1967. ما معنى أن خُمس شعب بأكمله مرّ عبر الزنازين؟
معناه أن الاعتقال هنا سلاح استعماري يستهدف المجتمع كلّه. كل فلسطيني هو مشروع أسير عند هذا النظام، لأن المطلوب هو كسر إرادة شعب بأكمله يبقى ويقاوم على أرضه.

يوجد ما يقارب 9600 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال حاليًا ومنهم أكثر من 3400 معتقل إداري محتجزين بأوامر إدارية، إلى جانب مئات المرضى وكبار السن. والاعتقال الإداري هو سجن إنسان بقرار عسكري قابل للتجديد إلى ما يشاء الاحتلال، بحيث يبقى المعتقل حبيس الجدران سنوات كاملة وهو يجهل التهمة الموجهة إليه. ثلاثمئة وخمسون طفلًا فلسطينيًا خلف القضبان. أطفال كان مكانهم الطبيعي في المدارس وبين أقرانهم، يتعرّضون الآن للتحقيق والتعذيب والعزل عن ذويهم.

والأوضاع داخل السجون وصلت إلى مستويات كارثية منذ السابع من أكتوبر 2023. سياسة الانتقام هي العنوان الأبرز، عبر جولات القمع والحرمان من الغذاء والدواء والأغطية. وقد قتل الاحتلال أكثر من مئة معتقل وأسير فلسطيني منذ بداية الإبادة، أُعلنت هويات 89 منهم، بينما يبقى آخرون رهن الإخفاء القسري. وتتولّى إدارة السجون بقيادة المتطرف المجرم إيتمار بن غفير ممارسة القتل البطيء والإهمال الطبي المتعمّد. هؤلاء قُتلوا بالتعذيب، بالتجويع، بالضرب المبرح حتى الموت. هذه جرائم حرب بكل المعايير، وكل من يصمت عنها شريك فيها.

تصادف هذه الأيام الذكرى الرابعة والعشرين لاعتقال القائد الوطني مروان البرغوثي، الذي اختطفه الاحتلال في الخامس عشر من أبريل 2002 ومازال خلف القضبان حتى اللحظة. أربعة وعشرون عامًا كاملة. ربع قرن سرقة الاحتلال من حياة إنسان ومن حياة عائلته وشعبة.

ظروف اعتقال مروان البرغوثي هذا العام مفزعة. فقد اعتدت وحدات القمع في السجون اعتداءً وحشيًا علىه ثلاث مرات مؤخرًا، في 24 مارس و25 مارس و8 أبريل 2026، مستخدمة أدوات التعذيب والضرب المختلفة، ما تسبب في إصابات كثيرة ونزيف في أنحاء جسده، كل ذلك مع حرمانه من أي علاج طبي. كما فُرض عليه عزل مضاعف يقطعه عن العالم الخارجي، وحُرمت عائلته من زيارته، ومُنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أيضًا.

وحين نتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، يجب أن نستحضر اسم الشهيد الأسير وليد دقة، الذي رحل عنّا في أبريل 2024 بعد ثمانية وثلاثين عامًا متواصلة خلف القضبان. اعتُقل وليد دقة عام 1986 وهو من مدينة باقة الغربية في أراضي 48، واستشهد خلف القضبان. وحمّلت مؤسسات الأسرى الاحتلال مسؤولية وفاته، مؤكدة أنها نتيجة سياسة الإهمال الطبي المتعمد والقتل البطيء التي تتبعها إدارة السجون بحق الأسرى المرضى.

خلال مسيرة وليد أبو دقة الطويلة في الاعتقال أنتج العديد من الكتب والدراسات والمقالات وساهم معرفيًا في فهم تجربة السجن ومقاومتها، ومن أبرز ما أصدره “الزمن الموازي” و”صهر الوعي” و”حكاية سر الزيت”. وليد حوّل الزنزانة إلى مكتبة ومختبر فكري، وأثبت أن الاحتلال يستطيع أن يسجن الجسد لكنه عاجز تمامًا عن سجن العقل والروح. وفي عام 2020 رُزق وزوجته سناء سلامة بطفلتهما “ميلاد” عبر النطف المحررة من السجن، في تحدٍّ بيولوجي وإنساني مذهل لمنظومة القمع. أنجب الحياة من قلب منظومة قاتلة.

وقد تعرّض وليد لسياسات تنكيلية خاصة على خلفية إنتاجاته المعرفية، حيث سعت إدارة السجون للاستيلاء على كتاباته وكتبه، كما واجه العزل الانفرادي والنقل التعسفي. الاحتلال يخاف من الكلمة والفكرة بقدر ما يخاف من البندقية. ولذلك استهدف وليد دقة المثقف والكاتب، لأن كل فلسطيني، بقلمه أو ببندقيته أو بصموده، هو تهديد للمشروع الصهيوني.

والأسرى المحررين يخرجون من السجون ليواصلوا المقاومة والنضال. الاحتلال يظن أن سنوات السجن ستكسر الإنسان وتحوّله إلى كائن مهزوم مستسلم. لكن الأسير الفلسطيني يخرج من السجن بصلابة وعزيمة، محمل معه تجربة نضالية عميقة ووعيًا و تماسك بقضية تحرير وطنه.

ولكن المأساة تتواصل حتى بعد التحرر. فقد استشهد الأسير المحرر المبعد رياض العمور، وهو من بلدة تقوع جنوب شرق بيت لحم، في القاهرة يوم الثالث من أبريل 2026، بعد تدهور حالته الصحية نتيجة سنوات طويلة من الإهمال الطبي الممنهج والتعذيب الوحشي، حيث قضى نحو 23 عامًا في الأسر وأُفرج عنه ضمن اتفاق تبادل الأسرى في أكتوبر 2025، إلا أنه خرج في حالة صحية حرجة. رياض العمور دليل دامغ على أن سياسة القتل البطيء تلاحق الأسير حتى بعد تحرره. الاحتلال يزرع الموت في أجساد الأسرى ويتركهم يحملونه معهم خارج الأسوار.
مؤسسات الأسرى الفلسطينيين أكدت أن النداء هذا العام يتجاوز حدود التضامن الرمزي ليشكّل دعوة عاجلة إلى أحرار العالم للتحرك الفاعل. والتضامن يعني بناء حركة شعبية ضاغطة ودعم حركة المقاطعة والوقوف في وجه التطبيع بكل أشكاله.

الحرية لفلسطين ولكل الأسرى.