بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

رؤيتنا

اللا حرب واللا سلم: مأزق النظام العالمي ومأزق السيسي

العدوان الصهيوني على غزة والضفة الغربية ولبنان مستمر، رغم وقف إطلاق النار المعلن. والحصار البحري على إيران، في مقابل الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز، مستمران أيضاً رغم إعلان وقف إطلاق النار، والحديث الدائم عن المفاوضات والاقتراب من اتفاق ينهي الحرب. والأسواق العالمية في حالة تخبط غير مسبوق. أسعار النفط والغاز تصعد إلى السماء مع كل تهديد لدونالد ترامب على منصة إكس، ثم تنخفض سريعاً مع كل تصريح عن القرب من اتفاق. هناك حالة من اللا حرب واللا سلم، والإغلاق العملي لمضيق هرمز يخلق أزمة عالمية في أسواق النفط والغاز والسماد والهيليوم، وغيرها من المواد الحيوية للطاقة والزراعة والصناعات التكنولوجية المتقدمة.

استمرار الوضع على ما هو عليه سيشكل عبئاً كارثياً على الاقتصاد العالمي. ما زال العالم يعيش على استهلاك ما تم تصديره من المنطقة قبل الحرب (السفن المحملة بالنفط والغاز وغيرهما من المواد تحتاج إلى عدة أسابيع، وأحياناً شهور، للوصول إلى وجهتها). هذه الكميات على وشك النفاد، وبالتالي فاستمرار الوضع سيعني تضاعف أسعار الطاقة والسلع الحيوية. وبالطبع ستكون شعوب دول الجنوب المعتمدة على استيراد الطاقة (مصر نموذجاً) الضحايا المباشرين لمثل هذه الأزمة.

ولكن لا يبدو أن هناك مخرجاً من هذا الوضع المأزوم. فعودة العدوان المباشر الأمريكي والصهيوني على إيران ستؤدي بالضرورة إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وبالتالي إلى أزمة اقتصادية عنيفة على المستوى العالمي. وسيؤدي ذلك أيضاً إلى تصعيد إيراني في الهجمات على دول الخليج، وقد هددت إيران باستهداف الموانئ ومنشآت الطاقة وتحلية المياه وغيرها من المراكز الحيوية، إلى جانب القواعد الأمريكية. ولا يوجد ما يشير إلى إمكانية نجاح موجة جديدة من العدوان الصهيوني الأمريكي دون غزو بري لإيران، وهو ما يستدعي تعبئة مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وهو أمر شبه مستحيل سياسياً بالنسبة لترامب، أو استخدام قنابل نووية، وهو أيضاً مخاطرة جيوسياسية عبثية.

ولكن قبول اتفاق مع إيران دون “استسلام”، ودون تغيير النظام، ودون تخلي إيران الكامل والدائم عن مشروعها النووي، ودون تفكيك منظومة الصواريخ الإيرانية، والتخلي عن حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، سيكون بمثابة هزيمة منكرة لترامب، وإضعاف غير مسبوق للإمبريالية الأمريكية في تنافسها مع القوة الصاعدة للصين من جانب، ولروسيا من الجانب الآخر.

هذه الحالة من الشلل والجمود تبدو سمة العصر الحالي. فإذا نظرنا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، سنجد حالة شبيهة. الجيش الروسي غير قادر على حسم المعركة نهائياً لصالحه، رغم تفوقه العددي والعسكري الضخم. والجيش الأوكراني غير قادر على تحرير الأرض، رغم الدعم الغربي، وخاصة الأوروبي المكثف، بل ومشاركة الدول الأوروبية بالتدريب والتقنيات والمعلومات الاستخباراتية. حالة الشلل هذه أيضاً شديدة الخطورة، فالمشاركة الأوروبية المباشرة، والأمريكية غير المباشرة، في الحرب ضد روسيا، تعني إمكانية لجوء روسيا إلى السلاح النووي في حالة استمرار استنزاف قواتها على الأرض. ويزيد من هذه الخطورة بالطبع واقع التحالف الصيني مع روسيا في الحرب.

عدم الحسم في الحربين يعبر عن طبيعة اللحظة الحالية وخطورتها في التنافس الجيوسياسي العالمي، وهي لحظة تشبه إلى حد كبير فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. ففي ذلك الحين، كانت بريطانيا القوة الإمبريالية والاستعمارية الأكبر والأقوى في العالم، ولكنها تراجعت صناعياً واقتصادياً أمام الصعود السريع لألمانيا من جانب، والولايات المتحدة من الجانب الآخر. واليوم، ما زالت الولايات المتحدة في موقع الهيمنة عسكرياً ومالياً، ولكنها تفقد هذه الصدارة بشكل سريع أمام الصعود الصيني. كانت الصناعة الأمريكية تشكل حوالي نصف الإجمالي العالمي في خمسينات القرن الماضي، أما اليوم فهي تشكل أقل من 15٪، في حين زادت نسبة الصين خلال العقود الثلاثة الماضية من أقل من 5٪ إلى أكثر من 35٪ من الإجمالي الصناعي العالمي. هذا ما يشرح، إلى درجة، حالة التوحش الحالي للإمبريالية الأمريكية، التي تحاول الحفاظ على الهيمنة (خاصة في مناطق نفوذها الرئيسية مثل الشرق الأوسط) قبل أن يتغير التوازن نهائياً على المستوى الاقتصادي والعسكري لصالح الصين. المغامرات العسكرية في فينزويلا، وقريباً في كوبا، والمشاركة والدعم الكامل في حرب الإبادة في غزة، والتورط الكارثي في العدوان على إيران، كلها تطورات ترتبط بطبيعة الفترة الانتقالية الحالية في التوازنات الجيوسياسية بين القوى العظمى.

وفي ظل هذه الأوضاع، سيكون صمود النظام الإيراني وحفاظه على سيادته أمام العدوان الوحشي الصهيوني والأمريكي، وصمود المقاومة اللبنانية والفلسطينية رغم حروب الإبادة، انتصاراً تاريخياً، ليس فقط للشعب الإيراني، ولكن للجماهير المقهورة في منطقتنا. سيكون لذلك الصمود تأثير عميق في الوعي الجماهيري، سينعكس عاجلاً أو آجلاً في مقاومة الديكتاتورية والنهب والإفقار. فذلك الصمود يعني أن المقاومة ممكنة، وأن الأنظمة المتواطئة الخانعة قابلة للإزالة، وأن الدفاع عن السيادة والحقوق ليس أوهاماً خطيرة، بل إمكانية عملية قابلة للتحقيق.

التأثير العميق لهذه التطورات الإقليمية والعالمية على النظام المصري يأخذ ثلاثة أبعاد رئيسية، لكل منها عناصر عديدة. البعد الأول بالطبع هو البعد الاقتصادي. الزيادة الكبيرة في أسعار النفط والغاز والسلع الحيوية التي يتم استيرادها بالدولار الأمريكي تعمق أزمة المديونية العنيفة التي تعاني منها الدولة المصرية، هذا إلى جانب تراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية بسبب مخاطر الحرب، وتراجع تحويلات المصريين بالخليج، بل وفقدان الكثير من هؤلاء لوظائفهم مع الأزمة الوجودية التي تواجهها تلك الدول. هذا إلى جانب التراجع المتوقع في المساعدات الخليجية التي مكنت النظام من البقاء منذ 2013. وسيحاول النظام بالطبع أن يحمل الشعب المصري تكلفة أزمته من خلال تقليص الدعم ورفع الأسعار، والمزيد من التراجع في الخدمات العامة والصحية والتعليمية، وفرض ذلك كله بتكثيف القمع والعسكرة.

أما البعد الثاني فيتعلق بالدور الإقليمي للنظام المصري. فقد كشفت الحرب من جديد مدى هشاشة ذلك الدور وضعفه. فإلى جانب انكشاف درجة تواطؤ النظام وتبعيته لأمريكا والدولة الصهيونية من جانب، ولدول الخليج من الجانب الآخر، فقد انكشف أيضاً مدى ضآلة دوره في هذا التحالف. فهو ليس فقط غير قادر على لعب أي دور عسكري، وخارج المعادلة العسكرية للإقليم، بل إنه غير قادر حتى على القيام بدور على المستوى الدبلوماسي، وهو المجال الذي يهيمن عليه النظام الباكستاني ومن بعده التركي.

ولا شك أن كل هذه التطورات تؤدي إلى مزيد من التآكل في شرعية النظام المصري على المستوى الشعبي. فالفشل الاقتصادي، والتواطؤ الإقليمي مع العدوان الأمريكي الصهيوني (ودوره المباشر في الحصار على غزة وتمكين الإبادة)، والتبعية الذليلة لدول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، الراعي الرئيسي لنظام السيسي والشريك الأقرب للدولة الصهيونية، كلها عوامل تعمق أزمة شرعيته.

هذا في وقت يحتاج فيه النظام إلى تعديل الدستور مجدداً لتمديد فترة رئاسة السيسي حتى 2036، وربما مدى الحياة. سيحاول النظام تمرير كل ذلك بالقمع والكذب والإرهاب، وسيكون علينا جميعاً العمل على فضحه ومنعه والعمل على تغييره، ليس فقط لأنه أفقر الشعب المصري لصالح عصابة من رجال الأعمال والجنرالات وشركائهم الصهاينة والخليجيين، ولكن أيضاً لأنه فرط في سيادة الشعب المصري على أرضه وعلى مصالحه.