تويوتا والبرهان والنور قبة

في أبريل 2026 استقبل عبد الفتاح البرهان في دنقلا القياديّ المنشقّ النور القبّة، أحد أبرز القيادات الميدانيّة لقوات الدعم السريع. تلاه في مايو انشقاق العميد علي رزق الله (السافنّا). ثالث قائد كبير يفعلها منذ بداية العام. الاثنين حلقة في سياسة معلنة يتبنّاها الجيش: العفو عن عناصر الدعم مقابل الالتحاق به وإعادة استيعابهم في بنيته. القادة أنفسهم الذين قادوا أو غطّوا أو خرجوا من القوة التي اجتاحت الفاشر، وأغرقت الجنينة في دم المساليت*، واستباحت الجزيرة، يعاد اليوم تدويرهم بوصفهم جنودًا في القوات المسلحة السودانية. ليست هذه مفارقة عابرة؛ إنّها اللحظة التي تتعرّى فيها الدولة من خطابها لحماية مصالحها الطبقية.
لفهم ما يجري في السودان اليوم ينبغي أوّلا هدم الثنائية التي يراد لنا أن نقرأ بها الحرب والعودة للحظة مهمة قبلها وهي لحظة الاتفاق الإطاري بين الجيش والدعم السريع. آخر فرصة لإدارة مشتركة للثروة والسلطة بغطاء مدني وحلفاء دوليين. كان من المخطّط حال الوصول لاتفاق أن يستمر الحكم الانتقالي لمدة عامين تعقبها انتخابات عامة وقد طمأن المسؤولون الأمريكان حميدتي ارتفاع حظوته في حكم السودان رئيسًا ديمقراطيًا منتخبًا، بمساعدتهم بالطبع. كان يجب على دقلو أن يتخذ قرار دمج جيشه الخاص في القوات المسلحة السودانية. ليصير هو الرئيس ويصير ضباطه قياداتها وتتحد مصالحهم. يهدد ذلك احتمال انقلاب الجيش على الحكم الانتقالي للاتفاق الإطاري قبل الانتخابات بيوم بعدما يكون قد ابتلع الدعم السريع بالفعل. كانت الفكرة كالتالي: بدلًا عن تنافس القطاع العام والخاص فلنصر “دولة” ثم ننسق بيع الموانئ والمواشئ والجنود والذهب سويًا لتعم الفائدة. وكان الأمر ممكنا فقبل تبرؤ الدولة من الجنجويد كانوا ابناء رحمها فعلا. فكرة قديمة متجددة لأداة قمعية منخفضة التكلفة تخدم المركز لإدارة الأطراف. ورثها نظام الإنقاذ وسلّحها لقمع تمرّد دارفور منذ 2003 ثم الحدود والذهب والاحتجاجات في الخرطوم حتى رقّاها وأدخلها بنية السلطة بوضع أفضل سهّل صيرورتها لما أصبحت عليه يوم قررت الاستيلاء على الحكم في السودان وهي تمتلك مضادات طيران يحظر بيعها عالميًا لغير الجيوش النظامية.
في ظل حظر نشاط الإسلاميين وقتها كان الاتفاق الإطاري تهديدًا لوجود الحركة في السودان اذ يحظر وجودها ونشاطها وتمويلها. وهنا يبرز صراع الأجنحة داخل الجيش إذ تحرك الضباط الإسلاميين بالفعل ضد الدعم السريع ولم يملك البرهان وقتا للرقص على كل الحبال من تل ابيب لمكّة فأندلعت حرب أجنحة داخل الكتلة المسيطرة نفسها على إعادة اقتسام السلطة وريع اقتصاد معسكر قوامه الأرض والتجارة والشركات. لم يثق حميدتي في الجداول الزمنية وشروط الدمج ولم يثق الإسلامييون في برهان واختلفت تقديرات قوى الإقليم فصار حميدتي شهيد الديمقراطية والبرهان شهيد الكرامة وهذا بالتحديد ما يجعل المنظور الطبقيّ ضرورة لا ترفا.
الدولة، خلافا لأسطورتها عن نفسها، ليست حكمًا محايدًا يعلو فوق المجتمع، بل الجهاز الذي يدير الشؤون المشتركة للكتلة المالكة وينظّم إعادة إنتاج علاقات السيطرة؛ ونواته الصلبة هي جسده المسلّح: الجيش. حين يقول البرهان إنّ الجيش مؤسسة راسخة لم يصنعها البشير، ولا كيزان فيه. فهو يؤدّي بالضبط وظيفة الأسطورة: فصل المؤسسة العسكرية عن مضمونها الطبقيّ والسياسيّ، وتقديمها بوصفها تجسيدا للأمّة لا أداة لطبقة. لكنّ جيشا يبتلع أعداءه بالأمس لأنّهم باتوا مفيدين، ويخضع لشبكات الإسلاميين التي يضمن لها استمرار الحرب ويمنحها ما تعجز صناديق الاقتراع عن منحه يكشف بنفسه أنّه ليس جيش كلّ السودانيين.
ومن هنا تأتي وظيفة الشعارات. رفعت ثورة ديسمبر مطالبها الواضحة حريّة، سلام، وعدالة، وسلطة مدنية وربما لم يكن الشرط المادي لتحقيقها متوفرا ولكنها ولو على مستوى الحلم والتبشير بالحلم تم فض اعتصامها وسحق حشودها بمدنييها وعساكرها ممن خالفوا تعليمات القيادة. جاءت الثورة المضادّة لتزيح هذا الأفق وتستبدله بلغة الكرامة والسيادة. وهنا اللغة ليست بريئة، إنّها العملية الأيديولوجية التي تذيب التناقض الطبقيّ في وحدة وطنية موهومة ضدّ عدوّ، فتجنّد جموع الفقراء لمعركة ليست معركتهم، تحت راية المقاومة الشعبية. تستدعى التضحية من نازحين ولاجئين باسم سيادة لا تطعمهم ولا تحميهم، بينما تعاد في الكواليس هندسة موازين القوّة بين الجنرالات. الكرامة اسم حركيّ للتعبئة، والسيادة غطاء لإعادة ترتيب الصفوف.
وإعادة الاستيعاب هي الدليل الأنصع على ذلك. يقول لينين في “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”: الحرب هي منتج محتمل لعملية استغلال ترغب في تطوير بنية الاستغلال لأقصى حد. تطويرها هنا يأتي عبر تدميرها وإعادة صياغتها بشروط استغلال أشرس. على سبيل المثال كان الذهب السوداني يذهب للإمارات عبر مطار الخرطوم وفي ذلك ضرائب لا يمكن تخطيها فالجيش الرسمي سيأخذ ضريبة استخدام المطار الرسمي بطبيعة الحال. اليوم صار يذهب من دارفور مباشرة. حسب حديث “الساڤنا”* سهّلت الإمارات انشاء 20 مطار مؤقت في عدة مناطق في دارفور للتحايل على طيران القوات المسلحة السودانية. وبقدر ما تبدو هذه التدابير مكلفة إلا أن الذهب والضأن والمراعي السودانية تساوي أكثر من ذلك بما لا يقاس. أقل كلفة لآل زايد وأوفر ربحًا لحميدتي حيث لا ضرورة لاقتسام العمولة مع البرهان. أعد تشكيل الواقع وأزح البشر وأحرق المحاصيل وافعل ما شئت لاعادة ترتيب الواقع بما يخدم مصالحك الطبقية وهؤلاء هم الجنجويد. أما الجيش فحين يمنح قادة متّهمين بانتهاكات جسيمة عفوا مقابل تبديل الخندق، يتّضح أنّ الخطّ الفاصل بين القوات المسلّحة والجنجويد ليس أخلاقيا ولا متعلّقا بالحفاظ على وحدة وسيادة السودان بل هو تكتيكيّ محض، يتحرّك مع حسابات الميدان. دم الفاشر حيث قتل أكثر من ألفي إنسان بعد سقوط المدينة في 26 أكتوبر 2025 إثر حصار تجاوز خمسمئة يوم، بينهم نحو 460 في مستشفى الولادة السعودي، تحوّل إلى عملة قابلة للتفاوض. قطع المساليت** نحو ثلاثين كيلومتراً سيراً على الأقدام من الجنينة إلى مدينة أدري على الحدود التشادية فراراً من حملة القتل على الهويّة التي شنّها الجنجويد. حتى وهم يطردونهم من سودان تأسيس نُصبت الحواجز واستُهدف الرجال، وسقط نحو ربع ضحايا المجزرة يومها أثناء الفرار حتى تناثرت مئات الجثث على امتداد الدرب. اليوم تطوى صفحة المذبحة لأنّ صاحبها صار نافعا.
حين يبتلع الجيش جلّاديه ويسمّي ذلك نصرا وطنيا، فما يفعله ليس صناعة سلام بل إعادة تدوير الأداة. والدولة التي تعيد تدوير قتلتها لتنظيم صفوفها تقول دون أن تقصد، كلّ ما يلزم معرفته عن طبيعتها. لمعرفة ماهية جهاز الدولة الطبقي: تابع أخبار السودان لتجد على سبيل المثال: البرهان يستقبل النور قبة في دنقلا ويهديه السيارة الرئاسية تويوتا لاند كروز 2025 مصفّحة. في الخلفية: انشق النور قبة ومعه قوة تقدر بأكثر من 180 سيارة دفع رباعي تويوتا لاندكروزر 79 “بِك أب” مقصورة واحدة وصندوق خلفي مكشوف تعلم تويوتا جيدا أن دوشكا ستُربط على ظهرها لتصير “تاتشر”؛ نسبةً إلى رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر، التي لُقبت بـ “المرأة الحديدية” نظراً للصلابة والقوة الفائقة التي تتمتع بها السيارة وقدرتها على تحمل أقسى الظروف والتضاريس. عبر تويوتا العابرة للقارات تبيع اليابان مركبات لطرفي حرب مدمرة في أفريقيا في نفس اللحظة. بدون ان تملك “الدولة” نفسها أي موقف من الحرب. فقط موقفها الهيكلي: تعظيم الأرباح بأي ثمن.
*الساڤنا: العميد علي رزق الله أحد ابرزالقادة المنشقين عن قوات الدعم السريع.
**المساليت: مجموعة عرقية تسكن إقليم دارفور بين غرب السودان وشرق تشاد وتتحدث اللغة المساليتية. كانت جزءً من كل الممالك المتعاقبة على المنطقة وصاحبة اراضي كبيرة تعرف بدار مساليت حتى جاء الغزو البريطاني.





