مفاوضات تحت النار
جنوب لبنان بين التواطؤ الداخلي والمشروع الصهيوني

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ الثاني من مارس الماضي إلى 3433 شهيداً و10395 جريحاً، بينهم 128 شهيداً و332 جريحاً من العاملين في القطاع الصحي، وفق وزارة الصحة العامة اللبنانية. هذه الأرقام تتصاعد يومياً، وخلف كل رقم منها اسم وعائلة وبيت، في جنوب لا يتوقف قصفه لساعة واحدة، حتى بينما تنعقد اليوم في واشنطن الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية.
هذا التزامن ليس مفارقة ولا إهمالاً دبلوماسياً. إنه جوهر الترتيب القائم. وقف إطلاق النار المُعلن منذ السابع عشر من أبريل لا يُطبَّق إلا على بيروت والضاحية الجنوبية، فيما يظل الجنوب اللبناني ساحةً مفتوحة دون سقف ودون رقيب. وقد كشف نتنياهو عن هذا الترتيب بلا مواربة حين أعلن، عقب السيطرة على قلعة الشقيف، أن “توجيهاته هي تعميق السيطرة وتوسيعها على المناطق التي كانت تحت سيطرة حزب الله”، بما يعني أن الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة لم يكن يوماً وارداً في الحسابات الإسرائيلية، مهما تعددت جولات التفاوض.
اختُبر هذا الترتيب أمس باختبار كاشف. أعلن نتنياهو وكاتس في بيان مشترك توجيهات رسمية ببدء حملة قصف تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، في تصعيد بدا وكأنه يُعلن نهاية الهدنة القائمة. لكن التهديد لم يُنفَّذ. أجرى ترامب اتصالاً مع نتنياهو طلب خلاله “عدم المضي في غارة كبيرة على بيروت”، فأعاد نتنياهو قواته إلى الخلف، وأعلن ترامب أنه أجرى اتصالات مع “ممثلين عن قادة حزب الله” الذين وافقوا بدورهم على وقف إطلاق النار. غير أن نتنياهو أكد في الوقت نفسه أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في جنوب لبنان كما هو مخطط، وأنه لن يُنفَّذ أي انسحاب من الخطوط التي تتمركز فيها القوات حالياً.
الصورة في مجملها لا تحتاج إلى تأويل: واشنطن أوقفت تهديد بيروت لأن قصفها يُفجّر الاتفاق الأمريكي-الإيراني الهش ويُعيد فتح الجبهة الإقليمية بكاملها، أما جنوب لبنان فثمنه أرخص في الحسابات الأمريكية، ومن ثم يُترك لآلة القتل الإسرائيلية تعمل فيه دون قيد. التراجع عن قصف بيروت لم يكن رحمةً بأهلها، بل إدارةً للسقف الذي تستطيع واشنطن احتماله دون أن تنهار صفقتها مع طهران.
وقد قرأ الإسرائيليون أنفسهم هذا التراجع بوضوح. وصف أفيغدور ليبرمان نتنياهو بأنه “دمية”، فيما أعلن نفتالي بينت أن حكومة نتنياهو “فقدت السيطرة على السيادة الإسرائيلية”. الغضب الإسرائيلي الداخلي هنا ليس تعاطفاً مع لبنان، بل هو اعتراف صريح بأن إسرائيل أُجبرت على التراجع أمام الضغط الأمريكي، وهذا بحد ذاته أحد تجليات هزيمة أمريكا في الحرب التي شنتها هي ووكيلها، هزيمة لا تعني نهاية العدوان، بل تعني أنه بات يُدار بحدود مفروضة لم تكن قائمة من قبل.
على المسار الدبلوماسي، تتواصل الأزمة البنيوية التي رافقت هذه الحرب منذ أول يوم: الفشل في فصل مسارات التفاوض. أكدت إيران أمس أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يمكن فصله عن أي اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن، وأن التصعيد الإسرائيلي الحالي يحظى بدعم أمريكي. في المقابل تُصرّ واشنطن على الفصل: الملف النووي ورفع العقوبات في مسار، والمفاوضات الإسرائيلية-اللبنانية في مسار آخر. هذا الفصل هو ما يُبقي لإسرائيل هامش المناورة في الجنوب: طالما ظل لبنان خارج الاتفاق الكبير، ظل الجنوب وقوداً رخيصاً في صفقة لا ناقة له فيها ولا جمل.
وفي هذا المشهد كله، تكشف الدولة اللبنانية عن وجهها الحقيقي. يُعلن الرئيس جوزيف عون أن انسحاب إسرائيل الكامل من الجنوب “مطلب وطني لا تنازل عنه”، بينما تجلس حكومته على طاولة التفاوض في واشنطن والجنوب يُقصف. هذا التناقض ليس ضعفاً ولا إرباكاً، بل سياسة واضحة المعالم: الدولة اللبنانية ترى في استئصال حزب الله هدفاً يتقاطع مع أهداف الكيان الصهيوني، وهي مستعدة لأن تدفع الجنوب ثمناً لهذا الاستئصال. سكوتها على الاحتلال المتوسّع ومشاركتها في مفاوضات لا تشترط الانسحاب المسبق ليسا موقفاً محايداً، بل هما تواطؤ موثّق. وهذا التواطؤ، في ظل استمرار القتل والتهجير والاحتلال، ليس بعيداً عن إشعال فتيل حرب أهلية لا تحتاج إلى كثير لتنفجر.
في الجنوب الآن: احتلال يتوسع، وقصف لا يتوقف، وقوى الإمبريالية تتفاوض فوق الجثث على حصصها، ومقاومة شعبية تصمد في مواجهة الآلة كلها. هذا هو الوضع، بلا تزويق ولا وهم.





