بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

عمال البنوك والتأمين في تونس يصعّدون

إضراب لـ 3 أيام دفاعاً عن الأجور والحوار الاجتماعي

تستعد تونس لموجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية بعد إعلان الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين تنفيذ إضراب عام أيام 23 و24 و25 يونيو الجاري، احتجاجاً على تعثر المفاوضات الاجتماعية واستمرار الخلاف مع المجلس البنكي والمالي بشأن الزيادات في الأجور لسنة 2025.

وأعلن الكاتب العام للجامعة، سامي الصالحي، أن الإضراب يأتي رداً على ما اعتبرته النقابة وقفاً أحادياً لمسار التفاوض من قبل ممثلي أصحاب العمل، مؤكداً تمسك العاملين بحقهم في مراجعة الأجور بما يراعي ارتفاع تكاليف المعيشة ويحافظ على قدرتهم الشرائية.

ويشغل القطاع المالي أكثر من 24 ألف موظف بنسبة تأطير تصل إلى 70 بالمائة، موزعين على أكثر من 20 مؤسسة بنكية عمومية وخاصة وأجنبية، إلى جانب عشرات المؤسسات المالية المختصة. ويشكل تحرك هذه الشريحة المهنية المنظمة نقابياً مؤشراً على اتساع الأزمة الاجتماعية التي تواجهها البلاد، في ظل استمرار الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من العاملين.

ويأتي التحرك الجديد بعد أشهر قليلة من إضراب عام نفذه العاملون في البنوك وشركات التأمين خلال نوفمبر الماضي، وأدى إلى شلل واسع في المعاملات المالية. وفي ذلك الوقت أكدت النقابة أن معركتها لا تتعلق فقط بالأجور، بل أيضاً بالدفاع عن الحوار الاجتماعي وحق التفاوض الجماعي داخل القطاع.

وتخضع العلاقة بين المؤسسات البنكية والعاملين فيها إلى الاتفاقية المشتركة القطاعية للبنوك والمؤسسات المالية، التي تنظم الأجور والمنح والترقيات والحقوق المهنية والاجتماعية. وعادة ما تُراجع الأجور عبر مفاوضات دورية بين النقابات والمجلس البنكي والمالي، غير أن هذه المفاوضات توقفت هذا العام بعد إقرار زيادة عامة بنسبة 5 بالمائة في القطاع الخاص بموجب قرار حكومي، شملت العاملين في البنوك بمفعول رجعي بداية من يناير 2026 مقابل إلغاء الزيادة الخاصة بعام 2025.

وتقول النقابة إن العاملين في القطاع تكبدوا خسائر فعلية خلال الفترة الماضية نتيجة تعطيل الزيادة السنوية وارتفاع الاقتطاعات الجبائية على الأجور، بالتزامن مع موجة الغلاء التي شهدتها البلاد. كما تتهم المجلس البنكي والمالي باستغلال قرار الحكومة للتنصل من التفاوض القطاعي والالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية المشتركة.

ويكتسب النزاع أهمية خاصة بالنظر إلى النتائج المالية الإيجابية التي حققها القطاع خلال السنوات الأخيرة. فبحسب المعطيات التي تستند إليها النقابات، واصلت البنوك تسجيل أرباح مرتفعة رغم التحديات الاقتصادية—وقد سجلت البنوك المدرجة في بورصة تونس أرباحاً صافية مجمعة بلغت 886 مليون دينار خلال النصف الأول من عام 2025، كما حقق البنك المركزي التونسي أرباحاً صافية بقيمة 1.153 مليار دينار عن كامل سنة 2025—ما يدفع العاملين إلى التساؤل حول أسباب رفض الاستجابة لمطالبهم في وقت تتواصل فيه هذه الأرباح.

كما تثير النقابات ملف التشغيل داخل المؤسسات البنكية، متهمة عدداً من البنوك بالاستغناء عن عمال المناولة أو تقليص الاعتماد عليهم بعد التعديلات القانونية المتعلقة بهذا النمط من التشغيل، في وقت تؤكد فيه أن العاملين ساهموا بشكل مباشر في تحقيق النتائج المالية الإيجابية للقطاع.

ويرى عدد من النقابيين والمتابعين للشأن الاجتماعي أن الصراع الدائر يتجاوز حدود الزيادة السنوية في الأجور ليطرح أسئلة أوسع حول مستقبل الحوار الاجتماعي في تونس ومكانة النقابات في الدفاع عن حقوق العاملين. كما يعتبرون أن النزاع يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها الطبقة الوسطى في ظل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة.

وتشير بيانات نقابية إلى أن جزءاً مهماً من موظفي القطاع البنكي يتقاضون أجوراً تتراوح بين 1800 و2500 دينار شهرياً، وهي أجور تفوق بكثير الحد الأدنى للأجور المحدد بنحو 528 ديناراً. غير أن النقابات تؤكد أن هذه المستويات من الدخل لم تعد تضمن بالضرورة مستوى العيش الذي كانت توفره قبل سنوات، في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وتكاليف السكن والنقل والخدمات الأساسية.

وتعزز هذه الحجة نتائج بحوث اجتماعية حديثة تشير إلى أن “ميزانية الكرامة” اللازمة لتغطية الاحتياجات الأساسية لعائلة تونسية مكونة من أربعة أفراد تتراوح بين 3000 و3500 دينار شهرياً، فيما قد ترتفع كلفة الحياة الكريمة لعائلة من الطبقة الوسطى في المدن الكبرى إلى نحو 4500 دينار شهرياً. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة متنامية بين الأجور ومتطلبات العيش الكريم، حتى بالنسبة إلى شرائح مهنية تُعد من بين الأفضل أجراً في البلاد.

وهو ما يعيد طرح سؤال توزيع الثروة داخل الاقتصاد الرأسمالي: من يستفيد فعلياً من النمو والأرباح، ومن يتحمل كلفته الاجتماعية؟ فحتى داخل القطاعات الأكثر تنظيماً وربحية، لا تبدو زيادات الأجور كافية لوقف تآكل القدرة الشرائية، ما يكشف عن طابع بنيوي للأزمة لا يمكن اختزاله في خلافات ظرفية أو تفاوضية. وتُظهر ديناميكيات الرأسمالية أن تناقضاتها الاقتصادية لا تُحل داخل إطارها، بل تُعاد إنتاجها بأشكال جديدة مع كل دورة من التوسع والنمو، حيث يترافق تراكم الأرباح مع تعمّق اختلالات توزيع الدخل واتساع الفجوة بين إنتاج الثروة والانتفاع بها اجتماعياً.

ولهذا، يظل الإضراب في هذه المرحلة أحد أهم أدوات الفعل الجماعي المتاحة للدفاع عن الأجور والحقوق الاجتماعية داخل علاقات عمل غير متكافئة، كما تظل النقابات إطاراً مركزياً لتنظيم هذا الدفاع رغم كل حدود المسار الحالي.

كل التضامن مع عمال البنوك والتأمين في تونس.