على خطى السيسي
بريطانيا تسجن 4 من داعمي فلسطين

أصدرت محكمة بريطانية، الجمعة، أحكامًا بالسجن بحق أربعة نشطاء من حركة “فلسطين أكشن”، بعد أن اعتبر القاضي جيريمي جونسون أن العملية التي استهدفت منشأة تابعة لشركة الأسلحة الإسرائيلية “إلبيت سيستمز” في فيلتون بمدينة بريستول عام 2024 ذات “صلة بالإرهاب”، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وشخصيات سياسية اعتبرتها تصعيدًا خطيرًا في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد النشاط الاحتجاجي.
وحُكم على صامويل كورنر، 23 عامًا، بالسجن سبع سنوات وثمانية أشهر، فيما حُكم على شارلوت هيد، 30 عامًا، وليونا كاميو، 30 عامًا، بالسجن خمس سنوات لكل منهما، وعلى فاطمة رجواني، 21 عامًا، بالسجن أربع سنوات وثمانية أشهر.
وكان الأربعة قد أُدينوا في مايو بتهمة التسبب في أضرار جنائية خلال عملية استهدفت منشأة تابعة لشركة “إلبيت سيستمز” في فيلتون قرب بريستول في أغسطس 2024. واعتبر القاضي أن العملية هدفت إلى التأثير على سياسة الحكومة البريطانية وترهيب جزء من الجمهور خدمةً لقضية سياسية، ما سمح للمحكمة بتطبيق أحكام تشديد العقوبة المرتبطة بتشريعات الإرهاب.
وقال جونسون إن المتهمين شاركوا في العملية بهدف “إغلاق إلبيت وإنهاء ما اعتبروه تواطؤًا بريطانيًا في جرائم الحرب الإسرائيلية”، مضيفًا أن العمل كان موجّهًا للتأثير على الحكومة البريطانية ودعم قضية سياسية وأيديولوجية.
وبموجب هذا التصنيف، سيُجبر النشطاء على قضاء ما لا يقل عن ثلثي مدة العقوبة، والحصول على موافقة مجلس الإفراج المشروط قبل إطلاق سراحهم.
ولا يمكن فصل هذه الأحكام عن الصراع المتصاعد بين الدولة البريطانية والحركة المؤيدة لفلسطين منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023.
فقد جاءت عملية فيلتون في إطار حملة أوسع قادتها حركة “فلسطين أكشن” ضد شركة “إلبيت سيستمز”، أكبر شركة أسلحة إسرائيلية، والتي تدير عددًا من المنشآت داخل بريطانيا. وتتبنى الحركة منذ تأسيسها عام 2020 أساليب “العمل المباشر” لتعطيل إنتاج الأسلحة المرتبطة بالجيش الإسرائيلي، معتبرة أن الحكومات الغربية والشركات العسكرية تتحمل مسؤولية مباشرة عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وخلال عملية أغسطس 2024، اقتحم النشطاء الموقع الصناعي باستخدام شاحنة، قبل أن يخرّبوا طائرات مسيرة وأجهزة كمبيوتر ومعدات عسكرية أخرى. وقدّرت النيابة حجم الأضرار بنحو 1.2 مليون جنيه إسترليني.
وأُلقي القبض على 24 ناشطًا على خلفية العملية، لتُعرف القضية لاحقًا باسم “فيلتون 24”. ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى رمز للمواجهة الدائرة حول حدود الحق في الاحتجاج السياسي في بريطانيا.
ورغم أن المتهمين واجهوا في البداية سلسلة من التهم الثقيلة، بينها السطو المشدد والاضطرابات العنيفة، فشلت النيابة في تثبيت بعض أخطر الاتهامات. كما برأت هيئات المحلفين عددًا من المتهمين، وأسقط الادعاء لاحقًا بعض التهم الأخرى. ومع ذلك، اختارت السلطات الدفع نحو تطبيق أحكام مرتبطة بالإرهاب عند إصدار العقوبات، رغم أن هيئة المحلفين لم تُدن المتهمين بجرائم إرهابية.
وقد أثار الحكم موجة انتقادات من منظمات حقوق الإنسان وشخصيات سياسية اعتبرت أن السلطات البريطانية تسعى إلى خلق سابقة قانونية تسمح بتوسيع تعريف الإرهاب ليشمل أشكالًا من الاحتجاج والعمل المباشر.
وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة، كيري موسكوجيوري، إن “التعامل مع الأضرار الجنائية الناتجة عن الاحتجاجات باعتبارها إرهابًا يشكل سابقة خطيرة تهدد الحريات المدنية”، مؤكدة أن قوانين الإرهاب تُستخدم في هذه القضية “لإرسال رسالة ردع إلى المحتجين في المستقبل”.
ووصف النائب المستقل والزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربن الأحكام بأنها “خطأ قضائي تاريخي”، مشيرًا إلى أن النشطاء “سُجنوا على أسس مرتبطة بالإرهاب رغم أن هيئة المحلفين لم تدنهم بهذه التهمة”.
كما وصف النائب العمالي جون ماكدونيل العقوبات بأنها “صادمة وغير عادلة”، معتبرًا أن سجن أشخاص لسنوات بسبب احتجاجهم على حرب الإبادة في غزة يمثل انتهاكًا لمبادئ العدالة.
وتأتي الأحكام في وقت تشهد فيه بريطانيا تشديدًا متزايدًا للإجراءات ضد النشاط المؤيد لفلسطين. وكانت الحكومة البريطانية قد صنفت حركة “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية العام الماضي، في قرار أثار جدلًا واسعًا وأدى إلى اعتقال مئات المتظاهرين المشاركين في فعاليات التضامن معها.
ورغم نجاح الحركة مؤقتًا في الطعن على القرار أمام المحكمة العليا في لندن، لا يزال الحظر قائمًا بانتظار البت النهائي في الاستئناف.
وتجمع أكثر من مئة من أنصار الحركة أمام محكمة وولويتش الجنائية خلال جلسة النطق بالأحكام، فيما اعتبر كثير من المشاركين أن القضية لا تتعلق فقط بمصير أربعة نشطاء، بل بمستقبل الحق في الاحتجاج السياسي في بريطانيا، واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد المعارضين والنشطاء المناهضين للحرب.
وفي ظل اتساع المعارضة الشعبية البريطانية للحرب الإسرائيلية على غزة، يرى منتقدو الأحكام أن قضية “فيلتون 24” تمثل محطة جديدة في مسار يهدف إلى تجريم أشكال متزايدة من النشاط السياسي الراديكالي، وإرسال رسالة تحذير إلى الحركات الاجتماعية التي تتحدى سياسات الدولة ومصالح الصناعات العسكرية المرتبطة بها.





