بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فقاعة ترامب التي شارفت على الانفجار

عقب اتفاق دونالد ترامب الهش مع إيران – المقر بهزيمته – فيبدو لنا بوضوح أن ولايته الرئاسية الثانية ما هي إلا كارثة أكبر حتى من الأولى.

أدت الحرب إلى ارتفاع معدلات التضخم؛ ولتراجع نسب التأييد الشعبي لترامب. كما جرى كبح حملة الإرهاب التي تشنها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) ضد المهاجرين بفعل المقاومة التي شهدتها مدينة مينيابوليس.

ومع ذلك، لا تظهر الطبقة الحاكمة الأمريكية، التي نبذت ترامب عقب هجوم اليمين المتطرف على مبنى الكابيتول في واشنطن في السادس من يناير 2021، أي بوادر تململ أو انزعاج.

ويرجع السبب الجوهري في ذلك إلى الارتفاع المتواصل في أسواق الأسهم، الذي يواصل إثراء كبار المديرين التنفيذيين ورؤساء الشركات.

ويدرك ترامب هذه الحقيقة جيدًا؛ لذلك كرر تصريحاته المتكررة والمتعجلة عن إحلال السلام في منطقة الخليج في توقيتات مدروسة تهدف إلى الإبقاء على أسعار الأسهم في مسارها التصاعدي.

وسيستمر هذا الأمر خلال الأسبوع الجاري أيضًا، إلى أن يقع الخلل التالي بسبب عرقلة الاحتلال الإسرائيلي للاتفاق.

من جهة أخرى، يستفيد من عملية أكبر، تتمثل في الفقاعة المالية العملاقة التي تتضخم داخل الاقتصاد الأمريكي حول تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وهذه الفقاعة ليست مجرد سراب؛ فقد ضخت كبرى شركات التكنولوجيا العملاقة، أو ما يُعرف بـ”شركات الهايبرسكيلر (Hyperscalers)، استثمارات هائلة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات اللازمة لتشغيل مختلف خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي يجري تطويرها.

ومن الدلالات الواضحة على التحولات الجارية في رأس المال المنتج؛ أن القيمة السوقية لشركة إنفيديا، المُصنِّعة لأشباه الموصلات المتقدمة (الرقائق الإلكترونية المتطورة)، قد تجاوزت بفارق كبير نظيراتها من شركات التكنولوجيا السبع العملاقة المعروفة باسم “العظماء السبعة/السبعة الرائعون” (إنفيديا، مايكروسوفت، أبل، ألفابت، أمازون، ميتا، تيسلا).

لكن، وكما حدث في هوس الاستثمار في السكك الحديدية ببريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر، وكما جرى مع فقاعة شركات الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، فإن ما نشهده اليوم ليس سوى فقاعة أخرى.

وبعبارة أخرى؛ فإن الأرباح المتوقعة من الذكاء الاصطناعي لن تتحقق، بصرف النظر عن المنافع الاقتصادية التي قد تنتجها هذه التكنولوجيا في نهاية المطاف.

ويكتب الاقتصادي الماركسي مايكل روبرتس “إذا كانت شركات الهايبرسكيلر تحتاج إلى تحقيق عائد على الاستثمار يبلغ على سبيل المثال 10%، فسيتعين عليها إيجاد إيرادات إضافية تتراوح بين تريليوني دولار وخمسة تريليونات دولار سنويًا. وهذا هدف بالغ الصعوبة بالنسبة إلى مجموعة شركات لا تتجاوز إيراداتها السنوية مجتمعة 1.5 تريليون دولار. أما الخيار الآخر، فهو ألا تتحقق الاستثمارات المخطط لها في مراكز البيانات ورقائق الحاسوب وغيرها من المجالات أصلًا”.

وبالنظر إلى أن الاقتصاد الأمريكي أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على الاستثمارات التكنولوجية بوصفها محركًا للنمو، فإن تحقق الاحتمال الثاني سيعني، على الأرجح دخول الاقتصاد في حالة ركود.

ويُعد الإدراج الأخير لشركة سبيس إكس، المملوكة لإيلون ماسك، في سوق الأسهم الأمريكية أحدث مؤشر على تضخم هذه الفقاعة.

وقد جرى الترويج لصعود ماسك إلى المكانة الورقية بوصفه أول تريليونير في العالم بصورة مبالغ فيها من قبل مؤسسات يُفترض أنها رصينة، مثل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) والصحيفة البريطانية فاينانشال تايمز.

من جهته، قال الاقتصادي الليبرالي اليساري بول كروغمان مبددًا هذا الخطاب الترويجي “لقد استندت ثروة ماسك تاريخيًا، في المقام الأول، إلى إيمان ذاتي التعزيز؛ فالمستثمرون الذين يؤمنون بعبقرية ماسك يواصلون ضخ الأموال في أسهم الشركات التي يسيطر عليها، وارتفاع قيمة هذه الشركات يعزز بدوره سمعته بوصفه عبقريًا.

ولدينا مصطلح يُطلق على المشروعات التي تبدو ناجحة لأنها تستقطب باستمرار مستثمرين جدد، وتستقطب مستثمرين جدد لأنها تبدو ناجحة. إنها تُسمى مخططات بونزي. وماسك، في جوهره، ليس سوى مخطط بونزي في هيئة إنسان”.

ويقر روبرت أرمسترونغ، كبير محللي الأسواق في صحيفة فاينانشال تايمز، بوجود “باعثين مترابطين للقلق” بشأن طرح أسهم شركة سبيس إكس؛ إذ يقول:
“أحدهما؛ هو أن العملية برمتها كانت تلاعبًا واسع النطاق من جانب القطاع المالي، بدافع سباق محموم نحو تحصيل الرسوم. أما الآخر، فهو أن منح شركة تستنزف السيولة النقدية، وتعمل في قطاعات تتسم في الوقت نفسه بالمضاربة الشديدة والمنافسة الضارية، تقييمًا يبلغ 1.75 تريليون دولار، هو أمر غير عقلاني بكل بساطة”.

وقد حصلت البنوك التي أدارت عملية الطرح، وعلى رأسها غولدمان ساكس، على نحو 500 مليون دولار من الرسوم.

كما عمدت بعض البورصات، وفي مقدمتها ناسداك، إلى تعديل قواعدها لتسريع إدراج شركة سبيس إكس ضمن مؤشراتها.

وسيؤدي ذلك إلى استمرار ارتفاع سعر سهم الشركة، لأن “المستثمرين السلبيين”، مثل شركات إدارة الأصول العملاقة، وعلى رأسها بلاك روك، ملزمون بشراء أسهم الشركات المدرجة ضمن تلك المؤشرات.

تكنولوجيا جديدة، لكن أساليب الاحتيال قديمة.

ولا يوجد في كل ذلك ما كان قد يفاجئ كارل ماركس، الذي تناول في كتاباته العديد من أشكال التلاعب في أسواق الأوراق المالية في عصره.
ويُعد ترامب مستفيدًا من هذه العملية بالقدر نفسه الذي يستفيد منه ماسك وغولدمان ساكس.

فحالة التفاؤل الاقتصادي التي ولّدتها فقاعة الذكاء الاصطناعي مكّنته من تجاوز الفضائح التي أثارتها ممارسات أفراد عائلته الساعية إلى تحقيق الأرباح، وكذلك إخفاقاته السياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط.

غير أن الوجه الآخر لهذه المعادلة هو أنه، عندما تنفجر هذه الفقاعة، سيصبح ترامب أكثر عرضة بكثير للهزات السياسية والأزماتية.

*مقال بتاريخ 15 يونيو مترجم من جريدة العامل الاشتراكي البريطاني