بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا يتوسع

من عمليات عسكرية إلى واقع احتلال ميداني متدرج

يتواصل التصعيد الصهيوني في جنوب سوريا بوتيرة متسارعة تشمل محافظتي درعا والقنيطرة، حيث لم تعد العمليات تقتصر على غارات أو توغلات محدودة، بل تطورت – وفق معطيات ميدانية وشهادات محلية وتقارير بحثية – إلى نمط انتشار عسكري متوسع يعيد تشكيل الجغرافيا الأمنية في المنطقة، في ظل غياب أي اتفاق واضح لوقف إطلاق النار منذ انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

في قلب هذا المشهد، برزت قرية عابدين في ريف درعا الغربي كنقطة مواجهة مباشرة، بعدما توغلت قوة إسرائيلية في محيطها، وأقامت حواجز ميدانية، ونفذت عمليات تفتيش واحتجاز للمارة، قبل أن يتصدى لها سكان محليون حاولوا منع دخولها إلى البلدة، ما أدى إلى اندلاع اشتباك غير مباشر انتهى بقصف مدفعي وإطلاق نار من مروحيات عسكرية، أجبر عشرات العائلات على النزوح خلال الليل.

وتشير روايات من داخل عابدين إلى أن جذور التوتر تعود إلى نحو 10 أيام قبل التصعيد الأخير، حين بدأت قوات إسرائيلية تنفيذ مداهمات متكررة داخل القرى، بينها اقتحام منازل في الحي الأوسط، واستجواب مدنيين، في خطوة اعتبرها السكان “الأكثر استفزازًا” منذ أشهر.

ولا تقتصر العمليات الإسرائيلية على درعا فقط، إذ امتدت خلال الأشهر الأخيرة إلى القنيطرة، حيث أنشأت القوات الإسرائيلية بوابة حديدية رابعة قرب قرية الرفيد، إلى جانب بوابات سابقة في جباتا الخشب والحميدية والصمدانية الغربية، ضمن محاولة لإعادة هندسة الحركة داخل المنطقة الحدودية.

كما تشير تقارير ميدانية إلى توسع عمليات جيش الاحتلال ضمن مشروع يعرف محليًا باسم “سوفا 53″، يتضمن تعزيز خندق دفاعي وبنية عسكرية تمتد على طول الشريط الحدودي، مع التقدم نحو تلال استراتيجية في القنيطرة ودرعا.

وترافق ذلك مع تضييق متزايد على السكان، شمل منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في وادي اليرموك والرقاد، وإخضاع التنقلات لتفتيش متكرر، إضافة إلى مداهمات ليلية للمنازل، بحسب شهادات محلية.

وفي هذا السياق، وثق مركز “سجل” نحو 300 عملية وانتهاك إسرائيلي في درعا والقنيطرة خلال شهر يونيو وحده، بينها أكثر من 107 عمليات توغل، وعمليات مداهمة واعتقال ونشر حواجز عسكرية داخل القرى.

لكن البعد الأعمق لهذا التصعيد، وفق تحقيقات ميدانية وبيانات مفتوحة المصدر، يشير إلى تحول بنيوي في طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي داخل سوريا. وكان تحقيق أجرته وحدة الجزيرة للتحقق المفتوح في مايو الماضي قد خلص، بالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية وتحليل نظم المعلومات الجغرافية وبيانات مشروع “بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED)، إلى أن المواقع العسكرية التي أنشأتها إسرائيل داخل الأراضي السورية تجاوزت المنطقة العازلة، وشكلت شريطًا متصلًا يمتد من جبل الشيخ شمالًا حتى وادي اليرموك قرب الحدود الأردنية جنوبًا.

وقدر التحقيق مساحة الأراضي السورية الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة بنحو 235 كيلومترًا مربعًا، موثقًا أكثر من 800 عملية توغل خارج المنطقة العازلة بين الثامن من ديسمبر 2024 ومنتصف يناير 2026، في مؤشر على أن النشاط الإسرائيلي لا يقتصر على المواقع العسكرية الثابتة، بل يشمل نطاقًا عملياتيًا أوسع داخل الجنوب السوري.

ومن بين أعمق هذه العمليات، رصد التحقيق توغلا بلغ نحو 63 كيلومترًا داخل الأراضي السورية في محيط حرش الجبيلية بريف درعا خلال أبريل 2025.
ولا توجد حصيلة رسمية مؤكدة للقتلى، غير أن تقديرات ميدانية ومحلية ترجّح أن عدد الضحايا السوريين قد لا يقل عن العشرات منذ بدء التصعيد الأخير، مع استمرار غياب الوصول المستقل إلى مناطق المواجهات.

وبخلاف ما جرى في قطاع غزة وجنوب لبنان، حيث حددت اتفاقيات وقف إطلاق النار خطوط انتشار واضحة (قد تجاهلها الاحتلال تمامًا)، لا توجد في سوريا خرائط رسمية تحدد مناطق السيطرة الإسرائيلية. وبدلًا من ذلك، يتشكل الواقع الميداني تدريجيًا عبر إنشاء بنية عسكرية دائمة، وتكرار التوغلات، وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وتسارع هذا التحول عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حين أعلنت إسرائيل أن اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974 أصبحت غير ملزمة، ودفع جيشها بقواته إلى المنطقة العازلة، ثم واصل التقدم داخل الأراضي السورية، في حين تؤكد دمشق تمسكها بالاتفاقية وتطالب بانسحاب إسرائيلي كامل.

وتعزز تصريحات المسؤولين الإسرائيليين هذا التوجه؛ إذ أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق التي تسيطر عليها في سوريا “لفترة غير محددة”، إلى جانب الأراضي التي تحتلها في لبنان وقطاع غزة. كما ذهب وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي إلى أبعد من ذلك، عندما قال إن إسرائيل “ستخوض حربا ضد سوريا عاجلًا أم آجلًا”، معتبرا أن سوريا وتركيا تمثلان تحديًا إستراتيجيًا أكبر من إيران.

كما قالت تقارير دولية، من بينها ما نشرته صحيفة «ذا جارديان»، إن الحياة في القنيطرة شهدت تحولًا جذريًا، حيث بات السكان يعيشون تحت نظام سيطرة ميدانية تشمل الحواجز والتفتيش والقيود على الحركة، بل وحتى اشتراط الإبلاغ المسبق عن الأنشطة المدنية مثل الأعراس وأعمال الصيانة، في ظل وجود قواعد عسكرية إسرائيلية جديدة أنشئت داخل المنطقة خلال العام الماضي.

وتشير تلك التقارير إلى أن بعض المسؤولين المحليين باتوا يتعاملون مباشرة مع القوات الإسرائيلية لإدارة الشؤون اليومية، في ظل غياب فعلي لمؤسسات الدولة السورية في بعض المناطق الحدودية.

وفي ظل هذا المشهد، تبقى قرية عابدين وغيرها من قرى الجنوب السوري في قلب منطقة تماس متغيرة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع الحياة اليومية للسكان، في واقع يزداد غموضًا حول حدوده النهائية واتجاهه المستقبلي.