بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دعم أوروبا لأوكرانيا… هل يقرب العالم من حافة الهاوية النووية؟

تشهد أوروبا موجة حر خانقة باتت تمثل نموذجا لما قد يصبح واقعا معتادا في ظل التغير المناخي.

وفي الوقت نفسه، لا تزال حربان كبيرتان مستعرتين على أطرافها الجيوسياسية.
في الحرب الأولى، بين الولايات المتحدة وإيران، لا تمتلك أوروبا نفوذا يذكر، رغم أنها تتحمل جزءا من تداعياتها الاقتصادية.

أما في الحرب الثانية، بين روسيا وأوكرانيا، فقد أصبح الاتحاد الأوروبي وبريطانيا الداعمين الرئيسيين لكييف، بعد تراجع الدور الأمريكي المباشر.

ويتوافق هذا التحول مع استراتيجية الأمن القومي التي يتبناها دونالد ترامب، والتي تقوم على تحميل القوى الأوروبية مسؤولية مواجهة روسيا بوصفها إحدى القوى الإمبريالية المنافسة.

ويأتي ذلك في وقت تدخل فيه الحرب الأوكرانية مرحلة أكثر هشاشة وخطورة.

فحتى وقت قريب، كانت المعارك تتخذ طابع حرب الاستنزاف، بينما واصلت القوات الروسية تقدمها للسيطرة على إقليم دونباس.

وببطء، ولكن بثبات، ومع تكبد خسائر بشرية باهظة، أتاحت الأفضلية الروسية في القوة الجوية وعدد القوات والقدرات العسكرية لموسكو تحقيق مكاسب ميدانية متواصلة.

إلا أن ميزان المعركة بدأ يشهد تحولا، بفضل تفوق أوكرانيا في تقنيات الضربات الدقيقة، وهي التقنيات نفسها التي مكنت إيران من الصمود والرد على الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية.

واعتمدت أوكرانيا بشكل واسع على الطائرات المسيرة الانتحارية من منظور الشخص الأول (FPV)، والتي توجه نحو أهدافها عبر كابلات من الألياف الضوئية، ما يجعل التشويش الإلكتروني عليها بالغ الصعوبة.

وعلى خطوط المواجهة، ساهمت هذه المسيرات في تعويض النقص في القوات الأوكرانية، وأبطأت وتيرة التقدم الروسي.

كما مكنت النسخ بعيدة المدى منها أوكرانيا من تنفيذ “ضربات عميقة” داخل الأراضي الروسية، على مسافات تصل إلى مئات الكيلومترات.

وأدت تلك الهجمات إلى إشعال حرائق في مصافي النفط، وتقليص حجم العرض العسكري في موسكو خلال احتفالات “عيد النصر” في التاسع من مايو، فضلا عن قطع خطوط الإمداد مؤقتا عن شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014.

وفي 28 يونيو الماضي، أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الضربات الأوكرانية تسببت في نقص في إمدادات الوقود.

وتلعب أوروبا دورا محوريا في هذا التصعيد، إذ يعتزم الاتحاد الأوروبي تقديم قروض بقيمة 90 مليار يورو لتمويل الإنتاج العسكري الأوكراني.

كما يجري نقل جزء من هذا الإنتاج إلى دول أوروبية مثل ألمانيا وبريطانيا والدنمارك.

ولا يقتصر الهدف على إضعاف روسيا، بل يشمل أيضا الاستفادة من الخبرة الأوكرانية المتقدمة في مجال تقنيات الضربات الدقيقة.

وفي هذا السياق، تعتزم البحرية الملكية البريطانية شراء ما لا يقل عن ست سفن قتالية مخصصة لتشغيل الطائرات المسيرة، بدلا من الاعتماد على المدمرات التقليدية.

وقد عززت النجاحات العسكرية الأخيرة لأوكرانيا أجواء الاحتفاء داخل العواصم الأوروبية، كما غذت الخطاب الداعي إلى توسيع الإنفاق العسكري تحت ذريعة مواجهة التهديد الروسي.

غير أن الباحث المتخصص في الشأن الروسي، ماثيو بلاكبيرن، يحذر من أن “استهداف الأصول الإستراتيجية وقيادة دولة نووية لا يجد له سابقة حتى خلال الحرب الباردة”.

وكان فلاديمير لينين يردد مقولة المنظر العسكري البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز، الذي اعتبر أن “الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى”.

وفي عالم تزداد فيه حدة المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية بين الدول الإمبريالية والقوى الإقليمية، يصبح السؤال الجوهري: ما هي المصالح التي تحرك مختلف الأطراف؟
والإجابة عن هذا السؤال، في حالة المواجهة الأمريكية الإيرانية، تشير إلى أنه رغم موجات التصعيد المتكررة، فإن احتمال العودة إلى حرب شاملة يظل محدودا.

فعلى الرغم من خطاب ترامب التصعيدي، أثبتت كلفة السعي إلى تغيير النظام في إيران أنها باهظة للغاية.

لكن هذه الحسابات لا تنطبق على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استثمر قدرا هائلا من رأس المال السياسي والعسكري في الحرب، بحيث بات من الصعب عليه التراجع.

وتواصل روسيا استغلال تفوقها الجوي لقصف خطوط المواجهة والمدن الأوكرانية بالقنابل الانزلاقية، بالتوازي مع تعزيز قدراتها في مجال الطائرات المسيرة.

ومع ذلك، يرى بلاكبيرن أن موسكو لا تزال تتجنب حتى الآن “تدمير البنية التحتية الحيوية لأوكرانيا بصورة شاملة”.

لكنه يحذر من أن هذا قد يتغير، موضحا:
“إذا خلصت موسكو إلى أن ضبط النفس الذي تمارسه داخل أوكرانيا يجري استغلاله من قبل كييف لإلحاق خسائر عميقة ومهينة بالعمق الروسي، فإن حساباتها الاستراتيجية ستتغير.”

ويضيف أن روسيا قد لا تكتفي حينها باستهداف البنية التحتية الأوكرانية، بل قد تسعى إلى استعادة ميزان الردع عبر توجيه ضربات إلى المصدر الحقيقي لقدرات أوكرانيا الجديدة، أي مراكز الإمداد اللوجستي الأوروبية والمنشآت الصناعية التي تدعم إنتاجها العسكري.

وسيضع مثل هذا السيناريو الدول الأوروبية المنخرطة في الحرب أمام مواجهة آخذة في الاتساع مع الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة من الرؤوس النووية في العالم.

ولا يمكن الجزم بما إذا كانت أوروبا ستتمكن من الاعتماد على الدعم الأمريكي كما كان الحال خلال حقبة الحرب الباردة.

ويبقى السؤال المطروح: ما جدوى الاستمرار في تأجيج حرب أودت بحياة مئات الآلاف، وقد تدفع العالم إلى حافة مواجهة نووية؟

*المقال نشر بتاريخ 29 يونيو على جريدة العامل الاشتراكي البريطاني