مقتل مهاجر مغربي يشعل الغضب في إيطاليا

شهدت مدينة بولونيا شمالي إيطاليا، يوم 19 يوليو الجاري، واقعة مأساوية أودت بحياة المهاجر والمقاول المغربي عبد الرحيم فقير (42 عاماً)، إثر تدخل أمني عنيف من قِبل الشرطة المحلية في حي “بيلاسترو”.
وبحسب مقاطع الفيديو الموثقة للحادث، فقد أسفر استخدام رذاذ الفلفل وطرح الضحية أرضاً وكبله وجثم فوق جسده عن فقدانه القدرة على التنفس، ليفارق الحياة اختناقاً وسط صرخات استغاثة واضحة شبّهها الرأي العام بحادثة “جورج فلويد”، مما فجّر موجة عارمة من الغضب والاحتجاجات في صفوف الجالية المغربية والمنظمات الحقوقية المنددة بالعنف الأمني.
لم يكن مقتل العامل المغربي عبد الرحيم فقير حادثة معزولة أو مأساة فردية، بل نتيجة مناخ سياسي واجتماعي صنعته سنوات من التحريض ضد المهاجرين، وتشديد السياسات الأمنية، والهجوم المستمر على الحركة العمالية. فالمسؤولية لا تقع على أفراد الشرطة المشاركين في الواقعة فحسب، بل تمتد إلى حكومة جورجيا ميلوني التي ساهمت، عبر خطابها وسياساتها، في خلق مناخ يجعل المهاجرين هدفاً دائماً للكراهية والاشتباه.
تعيش إيطاليا اليوم أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة من حيث الجمود في الأجور، وارتفاع في تكاليف المعيشة، وتراجع في القدرة الشرائية، بينما تحقق الشركات الكبرى والمصارف أرباحاً هائلة. وبدلاً من مواجهة جذور هذه الأزمة، اختارت حكومة ميلوني تحويل الأنظار نحو المهاجرين، وتقديمهم كمسؤولين عن البطالة وأزمة السكن والضغط على الخدمات العامة، سياسة قائمة على البحث عن كبش فداء لا على معالجة الأسباب الحقيقية.
ولم يبق الأمر خطاباً سياسياً فقط، بل ترجم إلى سياسات عملية استهدفت العمال والفقراء. فقد ألغت الحكومة برنامج ” الرعاية الاجتماعية” الذي كان يمثل الحد الأدنى من الدعم لمئات آلاف الأسر الفقيرة والعاطلين عن العمل، وتقديم هذا القرار كإصلاح لسوق العمل بينما حرم فعلياً الفئات الأكثر هشاشة من مصدر دخل أساسي. فهذه حكومة لا تخوض حرباً على الفقر، بل حرباً على الفقراء، وبدلاً من رفع الأجور أو فرض ضرائب أكبر على الثروات، اختارت تقليص الحماية الاجتماعية وتشديد الإجراءات الأمنية.
وقد دفعت الحكومة أيضاً نحو مراسيم وتشريعات أمنية تمنح أجهزة الدولة صلاحيات أوسع في مواجهة الاحتجاجات والإضرابات، في أداة قمع أوضح ما تكون في قطاع اللوجستيات، حيث واجهت نقابات مناضلة كـ”SI Cobas” ضغوطاً متزايدة رغم نجاحها عبر سنوات من التنظيم في انتزاع مكاسب مهمة في الأجور وظروف العمل.
في موازاة ذلك، تشهد الساحة السياسية سباقاً بين أحزاب اليمين واليمين المتطرف حول من يتبنى الخطاب الأكثر عداءً للمهاجرين، حتى أصبح المهاجر مادة دائمة للمزايدات الانتخابية ويبرز في هذا السياق روبرتو فاناتشي، الذي أثار خطابه تجاه المهاجرين والأقليات جدلاً واسعاً يعكس اتجاهاً أوسع داخل اليمين الإيطالي. ولم يبق هذا المناخ حبيس الحملات الانتخابية، بل انعكس على الواقع اليومي في تصاعد الاعتداءات والممارسات العنصرية ضد المهاجرين عموماً، والمسلمين خصوصاً.
لكن الحقيقة الثابتة أن الأزمة الاقتصادية لم يصنعها المهاجرون، بل سياسات خدمت رأس المال الكبير وأبقت الأجور منخفضة ووسّعت العمل الهش. فالعامل الإيطالي والعامل المصري أو المغربي أو الباكستاني يواجهون المشكلات نفسها، انخفاض الأجور، وارتفاع الأسعار، وصعوبة السكن. ولهذا فإن العنصرية ليست مجرد خطاب كراهية، بل أداة لتقسيم الطبقة العاملة، وذلك حين يُقنع العامل الإيطالي بأن زميله المهاجر هو سبب تدهور أوضاعه، يتحول غضبه بعيداً عن المسؤولين الحقيقيين، وينقسم العمال فيما بينهم، بينما يستفيد أصحاب الثروة والسلطة من هذا الانقسام.
في هذا السياق جاء مقتل عبد الرحيم فقير، شرطة تتحمل المسؤولية المباشرة عن مقتله، وحكومة تتحمل مسؤولية سياسية لأنها ساهمت في إنتاج مناخ الكراهية الذي جعل التعامل مع المهاجرين بالقوة أمراً ممكناً. ولذلك لم يكن غريباً أن تخرج التظاهرات في بولونيا مطالبةً بالحقيقة والعدالة، وأن يعلن عمال “SI Cobas” الإضراب ويعطلوا مركز بولونيا اللوجستي، وأن تمتد الاحتجاجات إلى تورينو وميلانو وجنوة وأليساندريا ومدن أخرى. فقد تحولت قضيته إلى رمز لغضب أوسع من سياسات تستهدف العمال والمهاجرين، ولرفض استخدام العنصرية لتقسيم المجتمع.
إن الدفاع عن العدالة لعبد الرحيم فقير لا يقتصر على محاسبة المسؤولين عن مقتله، بل يشمل مواجهة السياسات التي تغذي العنصرية، والدفاع عن حق العمال في التنظيم والإضراب، وحق الفقراء في حياة كريمة، وحق كل إنسان في العيش بعيداً عن التمييز.
فالصراع الحقيقي ليس بين الإيطالي والمهاجر، ولا بين المسلم والمسيحي، بل بين من يملكون الثروة والسلطة ويحققون الأرباح على حساب المجتمع، وبين من يعيشون من عملهم. وكل محاولة لتقسيم العمال على أساس الجنسية أو الدين أو اللون لا تخدم سوى الطبقات المهيمنة، لأنها تضعف وحدة الطبقة العاملة. والرد الحقيقي على سياسات الكراهية لا يكون بمزيد من القوانين الأمنية أو التحريض، بل بوحدة العمال – إيطاليين ومهاجرين – في مواجهة الاستغلال، دفاعاً عن الأجور والخدمات العامة والسكن والحقوق الاجتماعية. فهذه هي الطريق الوحيدة لبناء مجتمع قائم على العدالة والمساواة والتضامن، بدلاً من الكراهية والانقسام.
*المقال بقلم ناشط ونقابي مصري في إيطاليا





