لماذا فلسطين هي البوصلة؟

يقول تروتسكي أنه من الخطأ اليوم الرهان على البرجوازية لتحقيق التغيير المأمول فقد أصبحت طبقة رجعية. صحيح أن البرجوازية في بدايتها وقت صراعها مع الإقطاع كانت أكثر تقدمية، إلا أنه مع ترسخ هيمنتها تم التراجع عن كل هذا وصعدت النزعات القومية كنتاج التنافس الرأسمالي بين قطاعات البرجوازية بالدول المختلفة.
انعكس هذا بالطبع على المسألة اليهودية في أوروبا، فشاهدنا في بداية القرن كيف ظهر العديد من المفكرين اليهود، وكادت تختفي فكرة معاداة السامية مع انتصار البرجوازية وهزيمتها للإقطاع. في ألمانيا كمثال تعالت الأصوات المطالبة بحقوق اليهود في المساواة والاندماج في مجتمعاتهم، وفي 1843 تأصلت هذه المساواة في جميع أنحاء المملكة البروسية بما فيها التجنيد العسكرى، وفي 1847 أصبح من حق اليهود شغل الوظائف العامة لكن لا يحق لهم توجيه أوامر للمواطنين المسيحيين، ودخل سبعة نواب يهود في برلمان فرانكفورت
ورغم ما أحدثه فشل ربيع الشعوب (الاسم الذي كان يعطى للحركات الثورية التي اشتعلت أوروبا في 1848) من تراجع للعديد من الدول للوراء، وهيمنة البرجوازية وصعود النزعات القومية، وبدء صعود نجم معاداة السامية مرة أخرى إلا أن هذه الثورات أعطت لليهود إمكانية الدخول التدريجي في الحياة السياسية والاقتصادية، حيث عمل نصف اليهود في التجارة، فوجد بينهم تجاراً للماشية والقمح والنبيذ وأيضاً اصحاباً للمحال التجارية، وكثر أيضا العاملين منهم في الوظائف الفكرية مثل المعلمين والأطباء والمحامين، عمل اليهود بهذه الوظائف للتقليد اليهودي في مناقشة وتحليل القوانين في مجال العمل الفكري والقضائي وأيضاً من أجل تفضيلهم للعمل الحر لتجنب التعامل مع أصحاب الأعمال.
بعد أن أصبح بسمارك مستشاراً، منع اليهود من الوصول للمناصب العليا في الشؤون الخارجية والجيش والإدارة، واستمر هذا الحال في عهد فيلهلم الثاني، ولكن بالمقارنة مع باقى دول أوروبا، اعتبرت ألمانيا هي أكثر الدول دمجا لليهود في مجتمعها في نهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين، وهذا سيستمر حتى سقوط فيلهلم الثاني وانهيار دولة فيمار وتوازناتها الهشة، وصعود النازية وهزيمة الأحزاب الاشتراكية والشيوعية – بعد القرار الخاطئ للحزب الشيوعي وقتها بعدم التحالف مع الحزب الاشتراكي بناء على تعليمات ستالين- وخروج الحزب الاشتراكي القومي بقيادة هتلر من الانتخابات منتصراً.
ولكن في وقت متقدم عن هذا اشتعلت معاداة السامية في فرنسا وبريطانيا، طفت على السطح قضية (دريفوس) الشهيرة عام 1892، وبدأ تقليص بريطانيا هجرة اليهود لأراضيها. وربما يفسر هذا أن وعد بلفور في 1917 خرج من بريطانيا بالتنسيق مع فرنسا وليس ألمانيا، لا يفسر هذا فقط عدائهما في الحرب العالمية الأولى ولكن الأهم كون اليهود الألمان هم الأكثر اندماجاً في مجتمعاتهم والأكثر عداء للصهيونية وتبني للأفكار الإشتراكية المناقضة تماماً للصهيونية والعداء للسامية.
تأخرت ألمانيا عن ركب معاداة السامية حتى صعود النازية، حينها فقط بدأ التعاون بين ألمانيا وبين الوكالة اليهودية لتهجير اليهود لفلسطين، بالتوازي مع هذا التنسيق، أحرق النازي اليهود الألمان الذين رفضوا الرحيل وتمسكوا بفكرة الاندماج في المجتمع الألماني في محارق الغاز، ولا عجب أن كان عداء هتلر للشيوعية لا يقل عن عدائه لليهود.
وكما رأينا فمع هيمنة البرجوازية واستقرار وضعها صارت بالتدريج أكثر محافظة ورجعية، وسادت الروح العدائية للآخر بالتزامن مع صعود النزعات القومية والفاشية، لتولد من رحمها التيارات المعادية للسامية والأفكار الصهيونية.
والملاحظ هنا أن انتشار معاداة السامية والصهيونية يتناسب عكسياً مع انتشار الاشتراكية، فكلما تمددت الاشتراكية وحققت انتصارات فكرية على الأرض سادت روح التسامح مع اليهود وقلت حدة معاداة السامية، والعكس أيضاً صحيح، كما يجب هنا أن نشير إلا أن المستفيد الأول من تحويل الصهيونية إلى قضية دينية وصراع ديني هم الصهاينة ومعادوا السامية.
سطع نجم الصحفي النمساوي تيودور هرتزل متزامنا مع محاكمة الجنرال اليهودي دريفوس في 1892 في فرنسا بتهمة التجسس لصالح ألمانيا، وتصاعد موجة العداء للسامية بها. طرح هرتزل في مقالاته وكتابه “الدولة اليهودية” أنه يتفهم بشدة فكرة معاداة السامية باعتبارها أزلية لا يمكن تغييرها، وأن الحل ليس اندماج اليهود في مجتمعاتهم كما يقول الشيوعيون، ولكن الحل هو عمل وطني قومي لليهود ومنح شعب بلا أرض (وهو الشعب اليهودي)، أرض بلا شعب، وكان من المقترحات أوغندا والارجنتين وفلسطين. وهذا مقتطف من كتاب الدولة اليهودية:
“وفي ھذا الشأن ھناك منطقتان قيد النظر، فلسطین والأرجنتين. ففي كلا البلدين جرت تجارب استیطانیة ھامة، ولكن على أساس مبدأ خاطئ مفاده التغلغل التدريجي للیھود. إنه لمن الحتمي أن تنتھي محاولة التغلغل نھایة سيئة. فھو يستمر فقط إلى اللحظة الحتمية التي یشعر فیھا السكان الأصليون بأنھم معرضون للخطر ومن ثم يجبرون الحكومة على وقف أي تدفق جدید للیھود، وعليه فإن الھجرة لا جدوى منھا ما لم تقم على أساس ضمان التسید.
وسوف تتعامل جمعیة الیھود مع أصحاب السيادة الحاليين على الأرض، وتضع في ذلك نفسھا تحت حماية القوى الأوروبية، إذا أبدوا تعاطفھم مع ھذه التدابير. إننا نستطيع أن نقدم لأصحاب السیادة الحاليين على الأرض میزات ھائلة، فنأخذ على عاتقنا جزءاً من الدین العام، وننشئ طرقاً جدیدة للمواصلات سوف یتطلبھا وجودنا في ھذا البلد، ونقوم بأعمال كثیرة أخرى. إن خلق دولتنا سیكون نافعاً للدول مجاورة، لأن استزراع شریط من الأرض يرفع قیمة المناطق المحيطة بطرق لا حصر لھا.
فلسطین أم الأرجنتین؟
ھل نختار فلسطین أم الأرجنتین؟ إننا سنأخذ ما یُعطى لنا، وما یختاره الرأي العام الیھودي، وسوف تقرر الجمعیة كلا الأمرین. إن الأرجنتین من أكثر بلاد العالم خصوبة، تمتد على مساحات شاسعة وھي قلیلة السكان، ومناخھا معتدل. وجمھوریة الأرجنتین سوف تحصل على مكاسب كبیرة إذا تنازلت لنا عن قطعة من أراضیھا. ولعل التغلغل الحالي للیھود قد أحدث بعض الاستیاء، وعلیه فإنه من الضروري أن نوضح للجمھوریة أن الحركة الجدیدة تختلف اختلافاً جوھریاً.
أما فلسطین فإنھا وطننا التاریخي الذي لا تمحى ذكراه. إن اسم فلسطین في حد ذاته من شأنه أن یجتذب شعبنا بصورة ھائلة. فإذا منحنا جلالة السلطان فلسطین سنأخذ على عاتقنا بالمقابل تنظیم مالیة تركیا بأكملھا. وھناك نشكل جزءاً من تحصینات أوروبا في مواجھة آسیا كموقع متقدم للحضارة في مواجھة البربریة. وسیكون علینا كدولة محایدة أن نظل على اتصال بأوروبا كلھا، والتي سیكون من واجبھا أن تضمن وجودنا”
يبدو هنا بوضوح الخطاب الاستعماري الاستعلائي الذي يتبناه هرتزل، فهو يريد الخلاص من حالة الاستعلاء الأوروبي على اليهود، بخلق حالة جديدة يكون هو فيها من يتعالى على الآخر (طالما ليسوا أوروبيين بالطبع).
هذا بينما دافع اشتراكي مثل ايميل زولا عن دريفوس، وجادل الاشتراكيون عموماً الخطاب الصهيوني لهرتزل، وتعاملوا معه باعتباره أحد تجليات الرأسمالية المازومة التي تسعى لتصدير الأزمة للأضعف، وأن الصهيونية هي الوجه الآخر لمعاداة السامية، فبدلاً من السعي لدمج اليهود في مجتمعاتهم والانخراط في الأحزاب والنقابات لخلق تغيير من أسفل يصب في صالح كل المضطهدين، تعمل الرأسمالية على تفتيت المضطهدين من الطبقة العاملة وضربهم ببعضهم باستخدام معاداة السامية والحركات الصهيونية، لتعزيز حالة انفصال اليهود عن مجتمعاتهم ودفعهم دفعا لعمل وطن خاص بهم يكونون فيه الأسياد بدلاً من وضعهم الحال كعبيد.
بمعنى آخر كانت الاشتراكية هي النقيض الكامل لمعاداة السامية والأفكار الصهيونية، وكانت الصهيونية هي إمتداد فكري وفلسفي للأفكار الإستعمارية والمركزية الأوروبية.
قدم هرتزل ومن بعده وايزمان فكرة الدولة اليهودية للقوى الإستعمارية على أنها ستعمل خادمة لمصالحهم في المنطقة التي سيتم زرعهم فيها، فخاطب هرتزل في كتابه “الدولة اليهودية” السلطان العثماني بقوله انه لو سمح لليهود بإقامة وطن قومي في فلسطين، سيكون اليهود بهذه الدولة خدم للسلطنة في إدارة مواردها المالية، وتكرر هذا مع حكومات روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.
جاءت الحرب العالمية الأولى قمة للصراع بين البرجوازيات القومية المأزومة على المواد الخام والمستعمرات والأسواق، ليحدث الصدام بين ألمانيا والإمبراطورية العثمانية من جهة وفرنسا وبريطانيا وروسيا من جهة أخرى.
وفي خضم كل هذا يجتمع الجنرال الفرنسي بيكو مع الجنرال البريطاني سايكس في 1916 لعمل اتفاقية سايكس بيكو لاقتسام أملاك الإمبراطورية العثمانية (رجل أوروبا المريض) بعد نهاية الحرب، ويتفقان على أن تظل فلسطين تحت إدارة دولية بعد الاقتسام.
يعود الجنرال سايكس الذي عرف عنه المعادة الشديدة لليهود والسامية، ويلتقي وايزمان، ويعاد طرح فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين، والذي يتماشى هذه المرة مع رغبة الإمبراطورية البريطانية في خلق كيان استعماري قريب من قناة السويس لحماية مصالح الإمبراطورية، وينتج عن هذا “وعد بلفور” في 2 نوفمبر 1917.
ويجب هنا رؤية الأمور في سياقها جاء وعد بلفور بالتزامن مع اشتعال الثورة البلشفية في روسيا، التي كانت كثير من قياداتها يهوداً معادين للصهيونية، وبالتالي جاء “وعد بلفور” كمحاولة لقطع الطريق أمام انتشار الثورة البلشفية بين باقي يهود أوروبا، وكانت الصهيونية هي أكبر حليف للبرجوازية والإمبريالية في مواجهة تصاعد المد الاشتراكي.
ويجب أن نشير إلى أن نص “وعد بلفور” تضمن التزام بريطانيا العظمى بإنشاء وطن قومي لليهود، مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية لباقي أهل فلسطين (دون أي ذكر لحقوق سياسية) كما جاء صك الانتداب بناء على توصيات عصبة الأمم يحمل نفس المعنى.
بعد الانتصار في الحرب العالمية الأولى، دخل الجيش البريطاني لفلسطين، ودخل معه فيلق من اليهود الصهاينة، وكان أول حاكم عسكري لفلسطين هو هربرت صاموئيل، وهو وزير صحة سابق في الحكومة البريطانية، ومعروف عنه انتمائه الصهيوني المتعصب وصداقته لوايزمان، وكان هو أول من قدم مقترح إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في 1914 للحكومة البريطانية.
سهل صاموئيل عمليات الهجرة اليهودية لفلسطين، وعملية شراء الأراضي عبر الوكالة اليهودية، كم أقام الجامعة العبرية التي افتتحها بلفور في بنفسه، حيث جاء الانتداب البريطاني لتنفيذ مع تعهد به من تسهيل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين كجزء من الخطة الاستعمارية التي تهدف إلى زرع كيان استعماري موالي لبريطانيا بالمنطقة، بالقرب من قناة السويس، بحيث يكون خادم الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس.
وهنا يجب الإشارة إلا إن معظم عمليات بيع الأراضي لليهود كانت بين الوكالة اليهودية وملاك غائبين من الإقطاعيين، سواء كان غيابهم لأوروبا أو كان غيابهم بالمدن الكبرى، وكانت الوكالة تشترط مع الشراء طرد الفلاحين العرب من الأرض لاستبدالهم بعمال يهود.
في مقابل هذا، طرحت الأحزاب العربية الفلسطينية مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني في 25 نوفمبر 1935 طالبت فيها بـ:
1. إقامة حكومة ديمقراطية في فلسطين.
2. وقف الهجرة اليهودية.
3. تقييد بيع الأراضي لليهود.
4. منح سكان فلسطين حكمًا وطنيًا قائمًا على الأغلبية السكانية العربية.
– هذا الاقتراح لم يكن حل “دولتين”،- بل كان يقوم على فكرة دولة فلسطينية واحدة موحدة تحت حكم برلماني ديمقراطي،-مع بقاء اليهود المقيمين في فلسطين كمواطنين يتمتعون بجميع حقوقهم المدنية والسياسية، لكن دون الاعتراف بمشروع “الوطن القومي اليهودي” أو استمرار الهجرة اليهودية المفتوحة.
هذا يعني أن فكرة دولة ديمقراطية برلمانية يمثل فيها كل الأطياف والفرق والطوائف الدينية بشكل ديمقراطي، ويعيش فيه الجميع سويا دون تمييز، كانت مقبولة عربيا.
وأن بريطانيا العظمى، هي من كان أكثر رجعية، وهي من وقفت ضد إقامة هذه الدولة الديمقراطية في فلسطين، كما وقفت من قبل ضد ثورة عرابي التي كانت تنادي بعمل ملكية دستورية في مصر.
أنشأ الصهاينة بفلسطين “الهستدروت” وهو نقابة للعمال اليهود يأتي تمويلها من الوكالة اليهودية، وكانت كل وظيفتها هي السعي لحلول العامل الصهيوني محل العامل الفلسطيني، والضغط على أصحاب العمل لمنعهم من توظيف العرب. كان بن جوريون رئيسها، وكانت جولدا مائير عضو بارز فيها.
شكلت “الهستدروت” بعد ذلك عصابات الهاجاناه التي كانت وظيفتها الدفاع عن المستوطنات والهجوم على كل من يقوم بتوظيف عمالة عربية، كانت الهاجاناه تمارس العنف المنظم من تحطيم واجهات محلات وإحراق بضائع واعتداءات بدنية وغيرها في حق العامل الفلسطيني ومن يقوم بتوظيفه، وكانت هي نواة الجيش الصهيوني بعد ذلك.
ولهذا فالكلام عن الطبقة العاملة الصهيونية باعتبارها طبقة عاملة ثورية هو خطأ منهجي، فالطبقة العاملة الإسرائيلية جاءت نتيجة طرد العمل الفلسطيني وهذا التناقض يضعها دائما في صف البرجوازية وليس البروليتاريا.
في مواجهة ذلك قامت العديد من الانتفاضات العربية والفلسطينية لمواجهة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية، كان لدي العربي الفلسطيني إحساس قوي بأن هناك مخطط لعمل وطن قومي لليهود بفلسطين.
قامت انتفاضة في 1920، وثورة البراق في 1929، وحركة القسام من 1932 وحتى 1935، والثورة العربية الكبرى في 1936 والتي استمرت لثلاث سنوات واكبها إضراب عام ضخم استمر لـ 6 أشهر، ولكن غياب القيادة الثورية كما سنذكر لاحقاً، بالإضافة إلى القمع الرهيب الذي تعرضت له من قبل جيش الانتداب البريطاني ساهم في كسر الثورة وهزيمتها في النهاية، ويكفي أن نعلم أن الجيش البريطاني استدعى 24 ألف جندي إضافي للمساهمة في قمع هذه الثورة، وأنه أول من استخدم الطائرات لدك بيوت الثوار العرب بالقنابل من السماء.
كانت قيادات الفلسطينيين في ذلك الوقت من كبار العائلات الإقطاعية المهادنة التي كانت تضع أمل كبير على التفاوض مع السلطات البريطانية لتحقيق الجلاء ووقف تهجير اليهود إلى فلسطين، وكانت بين هذه العائلات تنافسات سياسية واقتصادية وتجارية خلقت بينهم كراهية شديدة وظفها الانتداب وعصابات الصهاينة لصالحهم.
كما كانت قيادات الدول العربية في ذلك الوقت هي الأخرى تحاول مهادنة الإنجليز ومطالبة الثوار بالهدوء وانتظار نتائج اللجان مع بريطانيا، ويكفي أن نعلم أن الملك الحسين ملك الأردن كان قد وقع اتفاقية مع وايزمان في 1919 التي تنص على حق اليهود في إنشاء وطن قومي بفلسطين، ولكنه اشترط بخط يده في الوثيقة أن تساعد بريطانيا العرب في عمل دولة لهم (دولة الأردن) وهذا يبين مدى التنازل الذي قدمه الزعماء العرب منذ البداية للصهيونية، وكيف كانوا يضعون كل رهانهم على الإمبراطورية البريطانية.
وحتى اليسار.. متمثل في الحزب الشيوعي الذي كان موجود وعضو في الكومنترن بفلسطين منذ 1921، ورغم أن قرارات الكومنترن في 1920 و1921 كانت واضحة في شأن العداء للصهيونية وافكارها، وضرورة تشكيل الحزب من يهود والعرب.
إلا أن تأثيرات الصهيونية كانت متوغلة في الحزب، ولم ينضم له سوى عدد قليل من العرب، كما كان لصعود ستالين صاحب النزعة القومية، وتخبط الكومنترن بين قرارات التحالف الوطني في الصين ثم السير بمعزل عن باقي الشيوعيين في المانيا وغيره من القرارات، أدى في النهاية إلى انقسام الحزب إلى واحد يضم العرب وآخر يضم اليهود.
ثم كان دعم الاتحاد السوفيتي لقرار التقسيم، والذي تبعه كل الأحزاب الشيوعية بالمنطقة العربية. ويكفي أن نعلم أن العصبة الشيوعية الفلسطينية – بناء على تعليمات الاتحاد السوفييتي- اتهمت الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في 1948 بالعنصرية والاحتلال والعداء للسامية والوقوف ضد التحرر الذاتي للشعب اليهودي والشعب الفلسطيني!! وبالتالي كانت هذه القيادة اليسارية المتخبطة لا تستطيع قيادة الثورة العربية وما تلاها من أحداث.
الكلام التاريخي في هذا الموضوع كثير جداً لكن ما أود استخلاصه هو إجابة السؤال الذي طرحته في البداية، لماذا فلسطين هي البوصلة؟
الحقيقة أن القضية الفلسطينية هي التجلي الأعظم لسوءات النظام الرأسمالي، فهي إثبات عملي على أن الرأسمالية هي التي أفرزت معاداة السامية، هي التي سعت للتخلص من يهود أوروبا واحرقت من تمسك منهم بالاندماج في المجتمع، ثم استثمرت وتاجرت في مأساتهم لترسيخ مشروعها الاستعماري بالمنطقة العربية.
هي التي عارضت وأفشلت المقترح العربي بإنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية برلمانية، وهي التي قمعت ثورات الفلسطينيين من أجل أراضيهم، ومن الجدير بالذكر أنها قمعت الثوار الفلسطينيين بحجة حماية اليهود في 1935 و1936، ولكن في 1948 عندما هاجم المستوطنون الصهاينة الفلسطينيون وطردوهم من منازلهم وقراهم – بينما لا يزال الانتداب البريطاني قائما- لم يحركوا ساكنا.
وأخيراً فلسطين هي البوصلة لأنها قضية تثبت أن الرهان على البورجوازية في خلق التغيير التقدمي هو رهان خاطئ، وأن التغيير لن يأتي سوى من تكاتف كافة قطاعات الطبقة العاملة العربية والعالمية ضد الرأسمالية ووكلائها في المنطقة والعالم.





