بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

رؤيتنا

كشف جديد للهزيمة الاستراتيجية الأمريكية

في مشهد يعيد إنتاج سيناريوهات العجز الأمريكي المألوفة منذ شن الهجوم الأهوج على إيران في نهاية فبراير بالتعاون مع الكيان الصهيوني، شهدت الأيام الإثني عشر الماضية موجة تصعيد جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت عن حقيقة صادمة لواشنطن وحلفائها، إذ أن الاتفاق الذي تم التباحث بشأنه والمكون من ثلاث عشرة نقطة، والذي كان يفترض أن يكون أساساً لتهدئة دائمة، لم يكن سوى ورقة توت أخرى حاولت أمريكا استخدامها لكسب الوقت وإعادة تجميع صفوفها بعد الهزيمة المذلة التي منيت بها في جولات المواجهة السابقة، لكن إيران، التي أتقنت فن قراءة النوايا الأمريكية، لم تنخدع بهذه المناورات، وأصرت على موقفها الثابت الذي جعل من وقف العدوان على لبنان وانسحاب القوات الصهيونية من جنوبه شرطاً أساسياً لأي تفاهم، فيما كشفت الأيام الأخيرة عن خرق أمريكي فاضح لبنود الاتفاق، وعن استياء علني من الكونجرس ودول الخليج والكيان الصهيوني من الإتفاق وبنوده، مما يؤكد مرة أخرى أن أمريكا خرجت من هذه المواجهة مهزومة استراتيجياً.

الاتفاق المكون من 13 نقطة: هدنة أمريكية تحت وطأة الهزيمة
بعد أشهر من الحرب الضروس التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران ولبنان، وبعد أن أظهر الصمود الإيراني الأسطوري والمقاومة اللبنانية الباسلة قدرة هائلة على إيلام العدو ورفع كلفة الحرب عليه، اضطرت إدارة ترامب إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع الضعيف وليس من موقع المنتصر، وتم التباحث على اتفاق من ثلاث عشرة نقطة يعكس في جوهره هزيمة أمريكية فاضحة، حيث تضمن وقفاً كاملاً للاعتداءات الأمريكية الصهيونية على إيران ولبنان، ورفعاً للحصار البحري الأمريكي عن إيران، وانسحاباً كاملاً للقوات العسكرية الأمريكية من المحيط الإيراني بما في ذلك إخلاء بعض القواعد في الخليج العربي، بالإضافة إلى إنشاء صندوق إعمار بقيمة 300 مليار دولار لإيران تدفعه دول الخليج، ورفع كل العقوبات الأساسية والثانوية عن الجمهورية الإسلامية، والإفراج الكامل عن الأصول الإيرانية المجمدة وإعفاءات لصادرات النفط الإيراني. وفي المقابل كانت التعهدات الإيرانية متواضعة بالمقارنة مع التنازلات الأمريكية المذلة، إذ لم تكن تغير شيئاً من الموقف الإيراني عما كان عليه قبل الحرب، مما جعل الاتفاق يشكل انتصاراً دبلوماسياً وسياسياً غير مسبوق لطهران وهزيمة نكراء لواشنطن التي اضطرت للاعتراف بفشل مشروعها العدواني بشكل عملي من خلال هذه التنازلات.

الخرق الأمريكي الفاضح للاتفاق ودليل النوايا المبيتة
ما حدث خلال الأيام الإثني عشر الأخيرة يكشف عن الوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية التي لا تلتزم بأي اتفاق أو تعهد، فبينما كانت المفاوضات لا تزال جارية حول تفاصيل الاتفاق، وإيران تنتظر التنفيذ الكامل للبنود التي تم التوافق عليها، قامت الولايات المتحدة باستمرار الضربات الجوية الاستطلاعية فوق الأجواء الإيرانية بحجة مراقبة الامتثال، وممارسة ضغوط على دول الخليج لتعطيل صرف أموال صندوق الإعمار، والتعاون مع إسرائيل في تنفيذ عمليات تخريبية ضد منشآت إيرانية حساسة، والمماطلة في رفع العقوبات وإعادة تجميد أصول إيرانية تحت حجج واهية، وإبداء مرونة مفرطة تجاه إسرائيل في عدم تنفيذ البند المتعلق بوقف الاعتداءات على لبنان مما سمح للكيان الصهيوني باستمرار خروقاته للهدنة. وهذا الخرق الفاضح من قبل الولايات المتحدة، والذي تم بتواطؤ صهيوني، يؤكد أن الإدارة الأمريكية لم تكن جادة في تحقيق التهدئة، وأن هدفها الأساسي كان كسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والاستخباراتية لشن هجمات جديدة، لكن المفاجأة التي كانت تنتظرهم هي أن إيران بذكائها الاستراتيجي المعروف كانت تراقب كل هذه التحركات واستعدت للرد بحكمة وبسالة في آن واحد.

استياء الكونجرس والخليج والصهاينة دليل على الهزيمة الأمريكية
لم يقتصر الفشل الأمريكي على خرق الاتفاق، بل تجاوزه إلى حالة من الاستياء العلني من قبل الأطراف التي كانت تراهن على هزيمة إيران، فالكونجرس الأمريكي وخصوصاً الجناح الجمهوري الذي يتزعمه ترامب وجد نفسه في موقف حرج أمام الناخبين بعد أن وعدهم بـ”إنهاء سريع للتهديد الإيراني”، وإذا به يجد نفسه مضطراً لقبول اتفاق يبدو وكأنه هزيمة استراتيجية لواشنطن، وهذا الاستياء دفعه إلى محاولة إفشال الاتفاق عبر إصدار قرارات غير ملزمة تنتقد الإدارة وتطالب بتشديد العقوبات مجدداً، الأمر الذي زاد من حالة الفوضى في الموقف الأمريكي. أما دول الخليج فقد كانت في حالة من الصدمة والإحباط، إذ وجدت نفسها مضطرة لدفع 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وهي الدولة التي كانت ترى فيها تهديداً وجودياً، وفي الوقت نفسه تضطر لقبول هيمنة إيرانية متزايدة على المنطقة بعد أن خذلتها أمريكا في أسوأ لحظاتها، وهذا الشعور بالخذلان دفع بعض الأنظمة الخليجية إلى مراجعة علاقاتها مع إيران والبحث عن قنوات اتصال جديدة مع روسيا والصين في تحول استراتيجي يعكس انهيار الثقة بالغطاء الأمريكي. أما الكيان الصهيوني فكان الأكثر غضباً واستياءً، حيث رأى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني يتجاهل مطالبه الأساسية ويترك إيران قوية اقتصادياً وعسكرياً ويعترف بها كقوة إقليمية لا يمكن تهميشها، والتصريحات الصهيونية النارية التي صدرت خلال الأيام الأخيرة والتي تحدثت عن “استعداد إسرائيل للعمل منفرداً ضد إيران” كشفت عن حجم الخيبة التي يعيشها قادة الكيان الذين كانوا يحلمون بالقضاء على إيران بين عشية وضحاها، وإذا بهم يجدون أنفسهم أمام إيران أقوى من أي وقت مضى.

إيران تصر على شرط لبنان والمقاومة تنتصر والعدو يتراجع
كان الشرط الأهم الذي أصرت عليه إيران خلال المفاوضات، والذي كشف عن بعدها الاستراتيجي النضالي، هو ربط أي اتفاق بوقف كامل للاعتداءات على لبنان وانسحاب القوات الصهيونية من جنوبه، وهذا الشرط الذي بدا صعباً في البداية تحول إلى مطلب أساسي لا يمكن لأي اتفاق أن يتم دونه، ومع تمسك إيران بهذا المطلب ورفضها التوقيع على أي اتفاق إلا بعد تنفيذه، بدأت الولايات المتحدة في ممارسة ضغوط هائلة على إسرائيل للقبول به، لكن الكيان الصهيوني الذي اعتاد على الرفض والإفلات من العقاب لم يلتزم بالانسحاب الكامل واستمر في خروقاته الميدانية. وإيران التي أدركت أن الولايات المتحدة غير قادرة أو غير راغبة في الضغط على إسرائيل، قررت عدم التصديق على الاتفاق النهائي ورفضت أي تنازلات من شأنها التفريط بحقوق المقاومة اللبنانية، وهذا الموقف الثابت أظهر أن إيران تضع قضايا مقاومة الإمبريالية والصهيونية في قلب استراتيجيتها. وفي المقابل أثبتت الإدارة الحالية في الولايات المتحدة أنها غير راغبة على فرض إرادتها على إسرائيل، وأنها رهينة للوبي الصهيوني الذي يسيطر على كثير من مفاصل القرار في واشنطن.

تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية بمساعدة روسية وصينية: معادلة الردع الجديدة
في تطور نوعي غيّر موازين القوى في المنطقة، أظهرت القدرات الصاروخية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة تقدماً مذهلاً لم يكن ممكناً دون دعم تقني ولوجستي من روسيا والصين، حيث تمكنت إيران من شن هجمات صاروخية دقيقة استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في الأردن والكويت والبحرين، مما كشف عن قدرة إيرانية غير مسبوقة على ضرب عمق القواعد الأمريكية في ألمنطقة. ففي سلسلة من الهجمات النوعية، قصفت القوات الإيرانية قاعدة الأمير حسن في الأردن، وقاعدة الشيخ عيسى في البحرين حيث دُمر مركز القيادة والسيطرة الأمريكي وحظيرة طائرات بوينغ بيه-8 بوسيدون، بالإضافة إلى استهداف صوامع الوقود وأنظمة الدفاع الجوي باتريوت في قاعدة علي السالم الكويتية، وتدمير رادار أمريكي في قاعدة أحمد الجابر، فضلاً عن ضرب منشآت القوات الأمريكية في قاعدة الجفير البحرينية.

هذه القدرات الصاروخية المتطورة لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة تعاون تقني استراتيجي مع الصين وروسيا، حيث تعرضت شبكات توريد إيران لعقوبات أمريكية متواصلة استهدفت كيانات في الصين وروسيا “متورطة” في تزويد إيران بمكونات برامجها للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. غير أن هذا التعاون استمر وتعمق، حيث قامت الصين بتزويد إيران بمواد صلبة للوقود، بينما ساهمت روسيا في توفير البنية اللوجستية لكيفية التشتيت والخداع والحفاظ على قدرة الضربة الثانية، مما مكّن إيران خلال الأسابيع الماضية من رفع إنتاجها الصاروخي إلى آلاف الصواريخ وتوسيع شبكة “مدنها الصاروخية” تحت الأرض في عمق الجبال بما يوفر حماية لا يمكن للقنوات الأمريكية اختراقها. هذا التطور النوعي جعل من إيران قوة ردع حقيقية، قادرة على إلحاق خسائر فادحة بالقواعد الأمريكية ومصالح حيوية بدول الخليج في حال استمرارالعدوان، وهو ما يفسر التهديدات الأمريكية المتصاعدة التي تعكس حالة الهلع والعجز في مواجهة هذه القدرات الجديدة.

إدماج الحوثيين في المعركة بضوء أخضر إيراني: تطويق أمريكي من الجنوب
في خطوة استراتيجية ذكية تعكس تخطيطاً إيرانياً متكاملاً، تم إدماج جماعة الحوثي في اليمن في مواجهة الإمبريالية الأمريكية عبر توجيهات إيرانية واضحة ومساعدة لوجستية ميدانية، مما فتح جبهة جنوبية جديدة ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. ففي تطورمهم، طلبت إيران من الحوثيين الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في حال قيام الولايات المتحدة بمهاجمة منشآتها النووية، وتم بالفعل نقل هذا الطلب عبر قادة من الحرس الثوري الإيراني الموجودين في اليمن والذين باتوا يسيطرون على قرار إغلاق المضيق. وقد نفذ الحوثيون هذه التوجيهات بسرعة وفعالية، حيث أعلنوا فرض حظر بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية، واستهدفوا ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى 100 دولار للبرميل قبل أمس.

هذا التنسيق الإيراني-الحوثي، الذي تم بمساعدة من المستشارين العسكريين الإيرانيين الذين باتوا يديرون العمليات من داخل اليمن، خلق تهديداً مزدوجاً على أهم ممرين مائيين في العالم: مضيق هرمز من الشرق ومضيق باب المندب من الغرب، مما يضع الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة في مرمى النيران. وقد أدركت الإدارة الأمريكية هذا الخطر المحدق، فهددت بضربات “أكبر من أي وقت مضى” ضد إيران والحوثيين، لكن هذه التهديدات التي تهدف لتعويض فشلها الاستراتيجي لم تردع إيران التي تواصل تعزيز وجودها في اليمن وتمكين الحوثيين من إغلاق باب المندب، مما يثبت أن إيران قد نجحت في تطويق الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة من جبهات متعددة، وأن خيارات واشنطن أصبحت محدودة في مواجهة هذه الاستراتيجية الإيرانية المحكمة التي تستخدم وكلاءها الإقليميين بفعالية لفرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.

التناقضات الإيرانية بين الصراع على الهيمنة ودعم المقاومة
من الضروري أن نضع الأمور في سياقها الموضوعي، بعيداً عن أي رومانسية ثورية تجاه النظام الإيراني، فالحقيقة التي لا يمكن تغاضيها هي أن إيران تتصارع مع دول كبرى في المنطقة – كالسعودية وتركيا والإمارات و إسراثيل على الهيمنة وبسط النفوذ في إطار النظام الرأسمالي العالمي، وليس خارجه. فالصراع الإيراني-الخليجي هو صراع إمبريالي إقليمي محض، يتنافس فيه أطراف على مراكز القوة والنفوذ والثروات، ضمن قواعد اللعبة الرأسمالية نفسها التي تحكم العالم. وهذا الواقع يفسر بشكل جلي التناقضات الصارخة في السياسة الإيرانية، فلطالما راهنت إيران على دعم حركات المقاومة مثل حماس وحزب الله كأدوات لبسط نفوذها الإقليمي، لكنها في المقابل وقفت بصلابة ضد الثورة السورية عندما هددت تلك الثورة مصالحها الاستراتيجية مع نظام الأسد حليفها التقليدي. فالثورة السورية التي انطلقت مطالبها بالحرية والكرامة ضد نظام ديكتاتوري، وجدت إيران نفسها في مواجهتها، ليس دفاعاً عن حقوق الشعب السوري، بل حرصاً على الحفاظ على خط إمدادها الاستراتيجي إلى حزب الله في لبنان، ولضمان استمرار نظام الأسد كحليف أساسي في محورها الإقليمي. وهذا التناقض يكشف عن الطبيعة البراجماتية والانتهازية للسياسة الإيرانية، التي لا تتردد في التضحية بقضايا الشعوب إذا تعارضت مع مصالحها الطبقية والجيو-سياسية، مما يفضح أن شعارات المقاومة اللذي يرفعها النظام الإيراني كثيراً ما تخفي أطماعاً توسعية وهيمنية لا تختلف جوهراً عن أطماع خصومها في المنطقة.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد بوضوح على أنه لا توجد لدينا أوهام بشأن الطبيعة الطبقية والرجعية للنظام الإيراني، فهو نظام رأسمالي-ثيوقراطي يحكمه رجال دين متحالفون مع رأس المال، ويقمع شعبه بقبضة حديدية، ويصادر حقوقه الأساسية في الحرية والعيش والكرامة. صحيح أن النظام الإيراني يصطف حالياً خلفه جماهير شعب إيران في مواجهة الهجمة الاستعمارية الأمريكية والصهيونية، وهذا دليل على أن الشعوب تلتقي مع أنظمتها في مواجهة العدوان الخارجي، لكن هذا التقاطع التكتيكي لا يلغي بأي حال من الأحوال حقيقة أن نفس هذه الجماهير كانت – قبل اندلاع الحرب – في حالة انتفاضة متواصلة ضد النظام نفسه، ضد الظلم الاجتماعي والفقر المدقع، وضد الاستبداد السياسي الذي يكبت كل صوت معارض، وضد اضطهاد النساء الذي يصل إلى حد إجبارهن على ارتداء الحجاب تحت طائلة السجن والعنف. فجماهير إيران التي تقف اليوم في مواجهة العدوان هي ذاتها التي خرجت في احتجاجات “المرأة والحياة والحرية” مطالبة بإسقاط النظام، وهي ذاتها التي نزلت إلى الشوارع احتجاجاً على غلاء المعيشة وسياسات التقشف، وهي ذاتها التي قمعها النظام بوحشية وأزهق أرواح المئات بل الآلاف من أبنائها. وهذا التناقض الجوهري بين موقف النظام وقاعدة الجماهير التي يرتهن وجوده لها، هو ما يحدد التقييم الطبقي والسياسي الصحيح للأحداث، فالنظام الإيراني ليس بطلاً للشعوب ولا حامياً للثورات، بل هو نظام رجعي بامتياز، يستثمر لحظات المواجهة الإمبريالية لتعزيز شرعيته الداخلية الهشة. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أننا نقف إلى جانب الإمبريالية الأمريكية في عدوانها على إيران، فالموقف الثوري الصائب هو الوقوف مع جماهير الشعب الإيراني في نضالها المزدوج: مقاومة العدوان الخارجي، وفي نفس الوقت مقاومة الاستبداد الداخلي، والعمل على تجاوز هذا التناقض الظاهر باتجاه بناء مشروع تحرري شامل يمهد الطريق لسقوط كل الأنظمة الرجعية – سواء كانت أمريكية أو صهيونية أو إيرانية – ويضع مصالح الشعوب فوق كل إعتبار.

التحالف المصري مع المحور الأمريكي الصهيوني في قلب الفشل
في خضم هذه التطورات، يبرز مرة أخرى الدور المخزي للنظام المصري الذي وضع نفسه في قلب التحالف مع العدوان الأمريكي الصهيوني على النقيض من الموقف الإيراني الداعم للمقاومة، فبينما كانت إيران تقف إلى جانب المقاومة في لبنان وفلسطين، كان النظام المصري بقيادة السيسي يواصل سياساته التي تجعله أداة في خدمة العدو الصهيوني والأمريكي، ولم يكتفِ النظام المصري بالتخلي عن القضية الفلسطينية، بل سارع إلى تقديم كل أشكال الدعم اللوجستي والسياسي للعدوان الأمريكي الصهيوني، ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تتصدى للهجمة الأمريكية وتفتح جبهات إسناد للمقاومة في لبنان وفلسطين، كان النظام المصري يعمل على توفير الممرات الجوية والبحرية للقوات الأمريكية في المنطقة، وتسهيل عمليات التجسس الأمريكية والصهيونية ضد إيران من قواعده العسكرية، وتزويد العدو الصهيوني بالمعلومات الاستخباراتية عن تحركات المقاومة، وممارسة ضغوط هائلة على حماس لمنعها من التنسيق مع إيران وحزب الله. وهذا الدور الذي يقوم به النظام المصري والذي يجعله خادماً للعدو بدلاً من أن يكون عوناً للمقاومة، يفضح حقيقة خياراته الاستراتيجية، فهو ليس نظاماً يدافع عن سيادة مصرأو قضايا الأمة، بل هو نظام تابع يبيع أرضه ودماء شعبه للحفاظ على كرسيه، ففي الوقت الذي خاضت فيه إيران الحرب دفاعاً عن لبنان وعن نفسها، كان النظام المصري يعمل على تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني وتقديم التسهيلات للقوات الأمريكية. وهذا التناقض الصارخ بين الموقف الإيراني الذي جعل من تحرير الأرض وقف العدوان أولويته القصوى، والموقف المصري الذي يجعل من التبعية للعدو خياراً استراتيجياً، يبرز بأوضح صورة حجم الكارثة التي يعيشها النظام المصري، فبينما تخرج إيران من الحرب أقوى وأكثر هيبة، يخرج النظام المصري أضعف وأكثر تبعية، معزولاً عن شعبه وقضاياه الأساسية. .

هزيمة أمريكا تفتح الباب أمام شعوب العالم
ما حدث خلال الأيام الإثني عشر الأخيرة ليس مجرد حلقة عابرة في تاريخ الصراع مع الإمبريالية، بل هو نقطة تحول استراتيجية تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة والعالم، فخرق أمريكا للاتفاق، واستياء حلفائها، وإصرار إيران على دعم المقاومة، وتطوير قدراتها الصاروخية بمساعدة روسية وصينية، وإدماج الحوثيين في المعركة، كلها مؤشرات على أن النظام العالمي الجديد آخذ في التبلور، وأن عصر الهيمنة الأمريكية الأحادية قد ولى إلى غير رجعة. وهذا الانتصار الإيراني الذي كشفت الأيام الأخيرة عن عمقه الاستراتيجي سيكون له تأثير هائل على شعوب العالم التي تناضل ضد الإمبريالية والديكتاتوريات، فإذا كانت إيران وهي دولة تحارب بمفردها قادرة على إجبار أقوى دولة في العالم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وقبول شروطها، وإذا كانت المقاومة اللبنانية قادرة على الصمود أمام البربرية الصهيونية، وإذا كان بإمكان الحوثيين إغلاق باب المندب وفرض شروطهم، فإن هذا يفتح الباب أمام كل الشعوب المقهورة لاستعادة ثقتها في قدرتها على التحرر من أغلال الديكتاتوريات والنظم العميلة. وإن الدرس الذي يقدمه المشهد الإيراني اليوم هو درس في الإرادة والصمود، وفي أن التحرر لا يأتي إلا بالمقاومة، وأن الاستسلام لا يجلب إلا المزيد من الذل والهوان، وهذا الدرس كما هو موجه للشعب المصري الذي يعاني من نظامه العميل، هو موجه أيضاً لكل الشعوب العربية ولكل الشعوب التي تناضل ضد الإمبريالية والإستبداد في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، فالمقاومة هي الطريق الوحيد الذي سيمكن هذه الشعوب من استعادة سيادتها وكرامتها، والتخلص من الأنظمة العميلة التي ترتهن لإرادة الإمبريالية على حساب مصالح شعوبها.

الخلاصة: المقاومة هي الطريق إلى التحرير
في النهاية، يبقى ما حدث في الأيام الإثني عشر الأخيرة تأكيداً جديداً على حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن خيار المقاومة والتحدي هو الخيار الاستراتيجي الأكثر نجاعة، وهو الوحيد القادر على إجبار الإمبريالية على التراجع، فخيار المقاومة هو الذي جعل إيران اليوم في موقع القوة رغم كل الحصار والعقوبات، وهو الذي جعل حزب الله في لبنان قادراً على الصمود، وهو الذي جعل الحوثيين في اليمن قادرين على تهديد الملاحة الدولية، وهو الذي سيجعل يوماً ما شعوب المنطقة قادرة على التخلص من أنظمتها العميلة التي تبيع شعوبها للعدو. وإن هزيمة أمريكا في هذه الجولة، وإصرار إيران على دعم المقاومة في لبنان، وتطوير قدراتها الصاروخية التي ضربت القواعد الأمريكية في الأردن والكويت والبحرين، وإدماجها للحوثيين في المعركة، كلها إشارات على أن الرياح تغير اتجاهها، وأن المستضعفين في الأرض بدأوا يستعيدون ثقتهم بأنفسهم، فالطريق إلى تحرير فلسطين والقدس، والطريق إلى تحرير كل الشعوب من القهر والاستبداد، يبدأ عبر خيار المقاومة، يبدأ باستعادة الثقة في قدرة الشعوب على تنظيم صفوفها هزيمة الإمبريالية وأنظمتها العميلة. الطريق إلى التحرر الكامل يمر حتماً عبر تجاوز كل أشكال الهيمنة – سواء كانت أمريكية أو صهيونية أو إيرانية – وتنظيم الشعوب لنفسها على أسس تحررية حقيقية تضع السيادة للشعوب، وتنهي كل المشاريع الرجعية بما فيها التي تستغل الصراع مع الإمبريالية لتكريس استبدادها الداخلي. وسيبقى الشعب المصري رغم كل ما يعانيه من قهر نظامه العميل جزءاً من هذا النضال العالمي، وسيأتي اليوم الذي تثور فيه جماهير مصر ضد نظام العار والتبعية، لتتحرر القاهرة، ويكون تحريرها خطوة على طريق تحرير فلسطين.